بصدور كتابه الجديد «الملحون المغربي في دراسة أكاديمية»، يعود الفنان والباحث جمال الدين بنحدو إلى واحد من أكثر الفنون التصاقا بالذاكرة المغربية، محاولا قراءته من زاوية تتجاوز الإنشاد والأداء إلى الشعر والموسيقى والتاريخ والبنية الفنية. كتاب جديد يأتي ليعيد طرح سؤال قديم بصيغة مختلفة: كيف يمكن للملحون أن يظل حيا في زمن تتغير فيه أذواق المستمعين بسرعة؟
ليس الكتاب مجرد إضافة إلى رفوف المؤلفات التي تناولت الملحون، بقدر ما يشكل محطة جديدة في مسار فنان اختار أن يعيش هذا الفن من جهتين: جهة الممارسة، باعتباره منشدا وعازفا ومهتما بالشعر، وجهة البحث، باعتباره أكاديميا منشغلا بتفاصيل الموسيقى وتاريخها.
ومن هنا تبدو أهمية الكتاب مرتبطة أيضا بصاحبه. فجمال الدين بنحدو لا يكتب عن الملحون من مسافة بعيدة، بل يأتي إليه من تجربة طويلة مع القصيدة والمقام واللحن والآلة، ومن احتكاك مباشر برجالات هذا الفن ومدارسه وأشكال أدائه.
كتاب في توقيت له دلالته
يأتي صدور «الملحون المغربي في دراسة أكاديمية» في لحظة أصبح فيها هذا الفن يحظى باهتمام متزايد، خصوصا بعد إدراجه ضمن التراث الثقافي غير المادي للبشرية.
لكن الاعتراف بالملحون لا ينهي السؤال، بل يفتحه على أسئلة أخرى: كيف يقرأه الجيل الجديد؟ هل يمكن أن يجد طريقه إلى منصات الاستماع الحديثة؟ وهل يستطيع أن يحتفظ بخصوصيته وهو يتفاعل مع أشكال موسيقية جديدة؟
هذه الأسئلة تبدو حاضرة في تجربة بنحدو نفسها.
الفنان الذي لا يريد للملحون أن يتحول إلى متحف
من الصعب اختزال جمال الدين بنحدو في صفة واحدة. فهو فنان وباحث وشاعر ومنشد وعازف، جمع في تجربته بين خشبة الأداء وفضاء الدراسة.
وعلى امتداد سنوات، لم يتعامل مع الملحون باعتباره فنا محفوظا في الذاكرة، بل باعتباره مادة قابلة للتجدد. لذلك اهتم بالقصيدة من حيث بنيتها، وبالموسيقى من حيث مقاماتها وإيقاعاتها، وبالآلات التي تمنح الأداء هويته الخاصة.
هذه النظرة تفسر أيضا اهتمامه بالبحث والتأليف، حيث سبق له إصدار أعمال في الموسيقى وشعر الملحون، قبل أن يأتي الكتاب الجديد ليمنح هذا المسار بعدا أكثر تركيبا.
من «الحفظ» إلى «الفهم»
ربما تكمن إحدى أهم أفكار تجربة بنحدو في الانتقال من مرحلة حفظ الملحون إلى محاولة فهمه.
فالقصيدة الملحونية ليست مجرد كلمات. وراء كل نص وزن وإيقاع وأسلوب في الأداء ومقام موسيقي وسياق تاريخي واجتماعي.
وحين يجتمع الفنان والباحث في شخص واحد، يصبح السؤال أكثر تعقيدا: ماذا نسمع حين نستمع إلى قصيدة ملحونية؟ كلمات فقط؟ أم تاريخا كاملا يمر عبر الصوت والآلة والإيقاع؟
كتاب بنحدو يحاول الاقتراب من هذه المنطقة.
هل يستطيع الملحون أن يصل إلى «تيك توك»؟
قد يبدو السؤال مستفزا، لكنه في جوهره سؤال عن المستقبل.
الشاب المغربي اليوم يستمع إلى موسيقى من مختلف أنحاء العالم، ويتنقل بين الأغاني في ثوان، ويكتشف الفنانين عبر مقاطع قصيرة ومنصات رقمية. في المقابل، تحتاج القصيدة الملحونية أحيانا إلى وقت وتركيز ومعرفة بالسياق حتى يتم تذوقها.
لكن هذا لا يعني أن الهوة مستحيلة الردم.
فبنحدو نفسه خاض تجارب في تقديم الملحون ضمن صيغ موسيقية مختلفة، محاولا الاقتراب من ذائقة الأجيال الجديدة من دون التخلي عن أصل القصيدة وروحها.
وهنا يتحول السؤال من كيف نحافظ على الملحون؟ إلى كيف نجعل الشباب يكتشفه؟
الملحون وموسيقى الشباب
من السهل أن ننظر إلى الملحون اليوم باعتباره فنا ينتمي إلى الماضي. لكن هذا التصور يغفل حقيقة أساسية: الملحون كان في مراحل كثيرة من تاريخه فنا شعبيا حيا، يعبّر عن الحب والحياة والمجتمع والدين والوطن، ويحمل لغة الناس وصورهم وأسئلتهم.
بمعنى آخر، لم يكن الملحون في زمنه «متحفا». كان معاصرا لجمهوره.
والتحدي اليوم هو أن يستعيد هذه الصفة، لا بأن يصبح نسخة من الموسيقى الحديثة، وإنما بأن يجد الطريقة المناسبة لكي يخاطب إنسان اليوم.
جمال الدين بنحدو.. بين العود والكتاب
في مسار بنحدو، يبدو العود والكتاب وكأنهما وجهان لمشروع واحد.
العود يمنحه إمكانية ممارسة الفن، والكتاب يمنحه فرصة مساءلته.
وبينهما تتشكل رؤية تقول إن الحفاظ على التراث لا يعني تجميده، وإن احترام الماضي لا يمنع البحث عن لغة جديدة لتقديمه.
ولعل هذه هي القيمة الأهم للكتاب الجديد: أنه لا يكتفي بأن يقول إن الملحون يستحق أن نحافظ عليه، بل يضع هذا الفن أمام القارئ باعتباره موضوعا للبحث والتأمل وإعادة الاكتشاف.
في زمن تتغير فيه الموسيقى بسرعة، ربما يحتاج الملحون إلى شيء واحد قبل أي شيء آخر: أن نسمعه من جديد، ولكن بأذن جديدة.