انتخب الجمع العام الانتخابي للاتحاد العام لمقاولات المغرب، المنعقد اليوم الخميس بالدار البيضاء، الثنائي مهدي التازي ومحمد بشيري لقيادة المنظمة خلال المرحلة المقبلة، بعدما حازت اللائحة الوحيدة المترشحة 3773 صوتا مؤيدا من أصل 4123 صوتا، أي بنسبة تأييد بلغت 91 في المائة. ويؤشر هذا التصويت الواسع على توافق قوي داخل الباطرونا حول القيادة الجديدة، ويفتح صفحة جديدة في مسار أعرق تنظيم مهني يمثل النسيج المقاولاتي بالمملكة.
وجرى انتخاب مهدي التازي رئيسا جديدا للاتحاد العام لمقاولات المغرب، فيما تولى محمد بشيري منصب نائب الرئيس العام، في ثنائية تجمع بين خبرة مالية ومقاولاتية من جهة، وتجربة صناعية ميدانية من جهة أخرى. فالتازي، الذي شغل منصب نائب رئيس الاتحاد منذ سنة 2020 إلى جانب الرئيس المنتهية ولايته شكيب العلج، راكم مسارا مهنيا في مجالات التأمين والمال والاستشارة.
أما محمد بشيري، فيجسد المسار الصناعي داخل القيادة الجديدة، بحكم تجربته الطويلة على رأس مجموعة رونو بالمغرب، وارتباط اسمه بتطور قطاع السيارات، الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد أعمدة الصادرات الوطنية. وقد التحق البشيري بالمجموعة سنة 2006، وتقلد مناصب استراتيجية، من بينها إدارة شركة SOMACA، في مرحلة شهد فيها القطاع الصناعي المغربي تحولات عميقة على مستوى الإدماج المحلي والتصدير والتنافسية.
وخلال تقديمه للبرنامج الذي سيقوده إلى جانب محمد بشيري، أكد مهدي التازي أن تجربته المهنية جمعت بين العمل داخل مجموعات كبرى وتطوير مشاريع خاصة، وهو ما أتاح له، حسب تعبيره، فهما مزدوجا لرهانات المؤسسات الكبرى وللواقع العملي الذي يعيشه رئيس المقاولة يوميا، من تشغيل للنساء والرجال، وتوظيف للرأسمال، وتحمل للمخاطر، وبناء للمشاريع على المدى الطويل.
وأوضح التازي أن مساره المهني لم يكن محصورا في مراحل النمو فقط، بل شمل أيضا لحظات شك وصعوبات وقرارات معقدة، مبرزا أن ريادة الأعمال تقوم على المجازفة والانضباط والقدرة على الصمود. وأضاف أن هذه التجربة هي التي تغذي التزامه داخل الاتحاد العام لمقاولات المغرب، وتقوي قناعته بأن المقاولة الوطنية تحتاج اليوم إلى شروط أوضح وأقوى لمواصلة النمو والابتكار وخلق فرص الشغل وغزو أسواق جديدة.
ويرتكز برنامج القيادة الجديدة على رؤية تسعى إلى تسريع تحول الاقتصاد الوطني، عبر تثمين النسيج المقاولاتي المغربي، وتعزيز دور القطاع الخاص في الاستثمار، وتمكين الجهات من لعب دور أكبر في خلق القيمة وفرص الشغل، وترسيخ السيادة الصناعية والغذائية والصحية، إلى جانب تعبئة مغاربة العالم باعتبارهم رافعة استراتيجية للاستثمار والكفاءات والإشعاع الدولي.
وأكد التازي أن البرنامج لم يصغ داخل المكاتب، بل جاء نتيجة لقاءات مباشرة مع مختلف الفيدراليات القطاعية البالغ عددها 37 فيدرالية، ومع الجهات الاثنتي عشرة التابعة للاتحاد. واعتبر أن هذه الجولة شكلت محطة أساسية لتطوير المقترحات والاحتكاك بالواقع الميداني للمقاولات، بما يسمح ببناء برنامج عملي يستجيب لتطلعات المقاولين وإكراهاتهم.
ويحتل تحسين مناخ الأعمال، حسب المتحدث، مكانة مركزية في برنامج التازي وبشيري، من خلال مواصلة تبسيط المساطر الإدارية، والانتقال كلما أمكن من منطق الترخيص المسبق إلى منطق دفاتر التحملات والمراقبة اللاحقة، بهدف تسهيل إطلاق المشاريع وتقليص الآجال. كما يدعو البرنامج إلى المساهمة في تحديث مدونة الشغل في إطار الحوار الاجتماعي الثلاثي، بما يحقق التوازن بين حماية الأجراء وتعزيز جاذبية مناخ الأعمال وخلق وظائف ذات جودة.
وفي السياق ذاته، شدد التازي على ضرورة إصلاح الجبايات المحلية لتصبح أكثر وضوحا وإنصافا وتلاؤما مع الواقع الاقتصادي للمقاولات، إضافة إلى معالجة إشكالية العقار الصناعي، حيث توجد مفارقة بين مساحات غير مستغلة من جهة، وصعوبة ولوج عدد من الصناعيين، خاصة المقاولات الصغيرة والمتوسطة، إلى عقار ملائم من جهة أخرى. كما وضع البرنامج ملف التمويل ضمن الأولويات، من خلال تنويع مصادر التمويل، وتطوير أسواق الرساميل، وتقوية آليات الضمان، لاسيما لفائدة المقاولات الصغيرة والمتوسطة في الجهات.
أما المحور الثاني فيرتبط، وفق التازي، بالتنافسية والسيادة الإنتاجية. فقد أبرزت الأزمات المتتالية خلال السنوات الخمس الأخيرة، وفق تصور القيادة الجديدة، أن السيادة الاقتصادية أصبحت ضرورة استراتيجية وليست مجرد خيار. ويستحضر البرنامج تجربة قطاع السيارات، الذي بين أن الرفع من نسبة الإدماج المحلي يعزز الصمود ويخلق القيمة ويقوي التنافسية، مع طموح تعميم هذه الدينامية على قطاعات أخرى، وبلوغ نسب إدماج تصل إلى 70 في المائة حيثما كان ذلك ممكنا.
ويراهن البرنامج أيضا على تطوير صناعة وطنية لمعدات وتجهيزات الإنتاج الصناعي، باعتبارها عاملا حاسما في تقليص التبعيات الاقتصادية، إلى جانب تحسين الكلفة اللوجستيكية التي لا تزال تمثل حوالي 19 في المائة من الناتج الداخلي الخام، مقابل 10 إلى 12 في المائة في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. ويرى التازي وبشيري أن تقليص هذا الفارق يمر عبر تحسين انسيابية الموانئ، وتوسيع العرض العقاري المخصص للأنشطة اللوجستيكية، وتعزيز الربط بين المنصات المختلفة.
وفي مجال الطاقة، أبرز التازي، أن البرنامج يؤكد على مؤهلات المغرب في الطاقات المتجددة، حيث تفوق حصة القدرة الكهربائية المركبة من مصادر متجددة 45 في المائة، إلى جانب تنافسية إنتاج الطاقة الشمسية والريحية، خاصة في الجنوب. ويضع البرنامج هدفا يتمثل في تمكين المقاولات من طاقة بكلفة نهائية لا تتجاوز 50 سنتيما للكيلوواط/ساعة، باعتبار ذلك عاملا أساسيا في رفع القدرة التنافسية للصناعة الوطنية.
كما يولي البرنامج أهمية خاصة للرأسمال البشري، في ظل الفجوة القائمة بين التكوينات واحتياجات المقاولات. فبينما يواجه عدد من الشباب صعوبة في الولوج إلى سوق العمل، تعاني قطاعات عدة من صعوبات في التوظيف. ويرى البرنامج أن إصلاح منظومة التكوين المهني وإعادة إطلاقها يشكلان شرطا ضروريا لمواكبة التحولات الاقتصادية والصناعية.
ومن بين المبادرات المهيكلة التي أعلنت عنها القيادة الجديدة إحداث مختبر المغرب للابتكار، الذي يرتقب افتتاحه سنة 2027، ليكون منصة للتعلم والتجريب ومواكبة المقاولات في مجالات التميز التشغيلي، والأتمتة، والرقمنة، والذكاء الاصطناعي، وإزالة الكربون، وتحسين العمليات الصناعية والخدماتية. وسيمنح هذا المختبر، وفق البرنامج، اهتماما خاصا للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، بهدف تمكينها من الاستفادة من أفضل الممارسات الدولية.
ويشكل الابتكار والذكاء الاصطناعي المحور الثالث في برنامج التازي وبشيري، باعتبارهما رافعتين أساسيتين للتنافسية. ويرى البرنامج أن الذكاء الاصطناعي سيغير الاقتصاد بوتيرة متسارعة، وأن المغرب يمتلك مؤهلات مهمة للاستفادة من هذا التحول، خاصة بفضل كلفة إنتاج الطاقة الخضراء، التي قد تمكنه من استقطاب بنيات تحتية حيوية مرتبطة بالاقتصاد الرقمي الجديد، وفي مقدمتها مراكز البيانات.
أما المحور الرابع فيرتبط بالتصدير والتوسع الدولي. فقد بلغت صادرات المغرب حوالي 470 مليار درهم، وهو رقم قياسي، غير أن عدد المقاولات المصدرة لا يزال في حدود 6000 مقاولة فقط. ومن هنا، تعتزم القيادة الجديدة تعزيز آليات مواكبة المقاولات الراغبة في التصدير، من خلال الجمع بين الأدوات المالية والذكاء الاقتصادي والمواكبة العملية، حتى تستفيد المقاولات المغربية من اتفاقيات التبادل الحر، خاصة منطقة التبادل الحر القارية الإفريقية.
كما يخصص البرنامج مكانة بارزة لمغاربة العالم، الذين يقدر عددهم بنحو 5.1 ملايين مغربي، وتفوق تحويلاتهم السنوية 120 مليار درهم. وتطمح القيادة الجديدة إلى جعل الجالية رافعة استراتيجية للاستثمار والكفاءات والدبلوماسية الاقتصادية، من خلال إشراكها بشكل أقوى في الدينامية الاقتصادية الوطنية.
ومن أجل تنفيذ هذه التوجهات، أكد التازي أن الاتحاد العام لمقاولات المغرب مطالب بدوره بالتطور، عبر الاعتماد أكثر على طاقة وخبرة وتجذر فيدرالياته وجهاته. وستعمل القيادة الجديدة على تعزيز التنسيق بين الفيدراليات، وإشراك الجهات بشكل أكبر في المفاوضات الوطنية، وتقريب اللجان الجهوية من اللجان المركزية، بما يجعل المنظمة أكثر قربا من المقاولات وأكثر قدرة على نقل واقع الميدان.
وفي ختام هذه المرحلة، سلم شكيب العلج المشعل إلى القيادة الجديدة بعد ست سنوات قضاها على رأس الاتحاد العام لمقاولات المغرب. واستحضر العلج في كلمته اللحظة التي تولى فيها المسؤولية سنة 2020، في ظرفية استثنائية تزامنت مع الأزمة الصحية وتداعياتها الاقتصادية، ثم مع الحرب الروسية الأوكرانية وما رافقها من اضطرابات. وأشاد بصمود المقاولين وروح الابتكار والمرونة والوطنية التي أبانوا عنها خلال هذه المرحلة.
وأشار العلج إلى أن الاتحاد أصبح يمثل ما يقارب مائة ألف مقاولة، تشكل المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة 95 في المائة منها، مؤكدا أن قوة المنظمة تكمن في قربها من المقاولات وقدرتها على تحويل الصعوبات اليومية إلى مقترحات عملية وفرص نمو. كما خص خلفه مهدي التازي بكلمات وفاء، معتبرا أنه رفيق درب في مسار امتد من بداية الولاية إلى نهايتها.
وبانتخاب مهدي التازي ومحمد بشيري، يدخل الاتحاد العام لمقاولات المغرب مرحلة جديدة عنوانها تعزيز التنافسية، وتسريع الاستثمار الخاص، وتقوية السيادة الإنتاجية، وتوسيع قاعدة التصدير، والانفتاح على الابتكار والذكاء الاصطناعي. وهي مرحلة تبدو فيها رهانات المقاولة الوطنية أكبر من أي وقت مضى، لكنها تأتي أيضا في ظرفية يتوفر فيها المغرب على مؤهلات استراتيجية مهمة، من استقرار وبنيات تحتية وموقع جغرافي وقطاع خاص يتجه نحو مزيد من النضج والطموح.