يستعد المغرب لإطلاق الشطر الثاني من مشروع “الطريق السيار للماء”، بشراكة استراتيجية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، في خطوة تعد من أكبر المشاريع المائية التي تشهدها المملكة خلال العقود الأخيرة، وتهدف إلى تعزيز الأمن المائي والغذائي في مواجهة سنوات الجفاف المتتالية وتداعيات التغيرات المناخية.
وووفق موقع "الما ديالنا" التابع لوزارة التجهيز والماء فإن هذه المرحلة الجديدة من المشروع ترتكز على ربط شبكة المياه القادمة من حوض سبو بحوض أم الربيع وصولاً إلى سد المسيرة، بما سيمكن من رفع حجم المياه المحولة من نحو 400 مليون متر مكعب حالياً إلى حوالي 700 مليون متر مكعب سنويا في أفق بلوغ الطاقة الإجمالية للمشروع 1.2 مليار متر مكعب سنوياً خلال المراحل المقبلة.
وكان الشطر الأول من المشروع، الذي ربط بين حوضي سبو وأبي رقراق، قد شكّل تحولاً حاسماً في تدبير الإجهاد المائي، بعدما مكن من تحويل ما يقارب 950 مليون متر مكعب من المياه في ظرف قياسي، الأمر الذي ساهم في تفادي أزمة عطش غير مسبوقة كانت تهدد محور الرباط ـ الدار البيضاء، خاصة مع تراجع مخزون سد سيدي محمد بن عبد الله إلى مستويات مقلقة لم تتجاوز حوالي 85 مليون متر مكعب، مقابل حاجيات سنوية تفوق 400 مليون متر مكعب.
وتؤدي عدة سدود استراتيجية دوراً محورياً في هذه المنظومة الهيدرولوجية، في مقدمتها سد الوحدة باعتباره أكبر سد في المملكة، إضافة إلى سد المسيرة الذي يزود عدداً من المدن الكبرى بالمياه، من بينها مراكش والجديدة وآسفي وخريبكة.
وفي موازاة ذلك، تواصل وزارة التجهيز والماء اعتماد حلول استباقية للحفاظ على السعة التخزينية للسدود، عبر عمليات التفريغ السفلي خلال فترات الفيضانات للحد من تراكم الأوحال، وهي العمليات التي مكنت من استرجاع ملايين الأمتار المكعبة من القدرة التخزينية المفقودة، بعدما كانت الدراسات الباثيمترية تشير إلى فقدان ما بين 15 و20 في المائة من سعة بعض السدود.
وفي هذا السياق، أكدت الخبيرة في الهندسة المائية أميمة خليل الفن أن مشروع الطريق السيار للماء “يمثل انتقالا من منطق تدبير الندرة إلى منطق إعادة توزيع الموارد المائية وطنياً وفق مقاربة تضامنية بين الأحواض المائية”، معتبرة أن المغرب دخل مرحلة جديدة عنوانها “الأمن المائي الاستراتيجي”.
وأضافت خليل الفن في تصريح لـ "الصحراء المغربية" أن “نجاح المرحلة الأولى أظهر قدرة المملكة على إنجاز مشاريع مائية معقدة في آجال قصيرة، غير أن التحدي الحقيقي اليوم لا يرتبط فقط بنقل المياه، بل بضمان استدامة الموارد المائية في ظل التغير المناخي وتوالي سنوات الجفاف”.
وأوضحت الباحثة في الهندسة المائية أن التوجه المتسارع نحو تحلية مياه البحر سيساهم في تخفيف الضغط على السدود والفرشات المائية، خاصة بالمناطق الساحلية، مشيرة إلى أن “إعادة توجيه المياه السطحية نحو الفلاحة يُعد خياراً استراتيجياً لحماية الأمن الغذائي، خصوصاً في مناطق ذات قيمة فلاحية كبرى مثل دكالة والشاوية”.
وشددت الخبيرة ذاتها على أن المرحلة المقبلة تفرض تعزيز الحكامة المائية والرفع من نجاعة استعمال المياه، سواء في القطاع الفلاحي أو الصناعي أو المنزلي، مؤكدة أن “البنيات التحتية وحدها لا تكفي، بل يجب أن ترافقها سياسات لترشيد الاستهلاك وتثمين كل قطرة ماء”.
وتندرج هذه المشاريع ضمن المخطط الوطني للماء في أفق 2050، الذي يهدف إلى ضمان تغطية مستدامة لما لا يقل عن 80 في المائة من الحاجيات المائية الوطنية، في إطار الرؤية الملكية الرامية إلى تعزيز صمود المغرب أمام التغيرات المناخية وضمان أمنه المائي والغذائي على المدى البعيد.