مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم المحاماة يعيد هيكلة ممارسة المهنة على إيقاع الجدل والاحتجاج

الصحراء المغربية
الأحد 18 يناير 2026 - 14:45

منذ إحالة مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة على الأمانة العامة للحكومة، ثم مصادقة المجلس الحكومي عليه في دجنبر 2025، عاد المشهد للاحتقان بين وزارة العدل وهيئات المحامين بالمغرب. فبينما يرى وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، في المشروع "خطوة تشريعية مؤسسة" تهدف لتحديث المهنة ومواكبتها للمعايير الدولية، وصفه المحامون بأنه "نكسة دستورية" و"مساس خطير" بالمبادئ الكبرى للمهنة، وعلى رأسها الاستقلالية التي يعتبرونها "ركنا أساسيا من أركان دولة الحق والقانون".

 الجدل وصل إلى ذروته في 23 دجنبر 2025، حين أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب، في بلاغ صادر عن مكتبها، رفضها الكامل للصيغة النهائية للمشروع، مؤكدة أنه "لا يراعي مسارات التفاوض السابقة، ولا يعكس خلاصات جلسات الحوار"، مطالبة بـ"سحبه والرجوع إلى الصياغة المتوافق بشأنها". موقف تبعه تسطير مكتب الجمعية لبرنامج نضالي احتجاجي، افتتحت به سنة 2026 من خلال التوقف عن أداء الخدمات المهنية والدفاع، خلال يومي 8 و9 يناير، ثم يومي 15 و16، أي الخميس والجمعة الماضيين، ثم أيام 20 و21 و28 و29 يناير 2026، في تعبير عن رفضهم للمشروع مع التأكيد على أن هذه الخطوات تندرج ضمن مسار نضالي مفتوح وقابل للتطوير تبعا لتفاعل السلطات مع مطالب المهنة، وفق آخر بلاغ للجمعية. رفض الجمعية لم يكن منفردا، بل انضمت إليه فدرالية جمعيات المحامين الشباب التي عبرت عن "رفضها القاطع" للمشروع، محملة وزارة العدل والحكومة "مسؤولية ما قد يترتب عن أي خطوة تشريعية بهذا الخصوص"، وهو الموقف نفسه الذي عبرت عنه هيئات مهنية أخرى منتمية لعدد من الأحزاب واصفة المشروع بأنه "يهدد جوهر المهنة ويمس باستقلاليتها ووظيفتها الحقوقية". في المقابل، دافعت الحكومة عن المشروع باعتباره استجابة لضرورات عصرية وملحة، وهو ما تطرقت له المذكرة التقديمية للمشروع، حيث أكد فيها وزير العدل أن الإصلاح يهدف إلى "تعزيز الشفافية المالية، وتنظيم العلاقة بين المحامي والموكل، ودعم المحامين الشباب، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتحسين جودة الخدمات القانونية".

كما شددت المذكرة على أن المشروع "انبثق عن حوار معمق مع جمعية هيئات المحامين، واستجاب لتوصيات المؤتمر الوطني الـ32 للجمعية"، المنعقد أخيرا بطنجة. غير أن جمعية هيئات المحامين اعتبرت أن الصيغة النهائية للمشروع "تناقض ما تم التوافق عليه خلال جلسات الحوار، ولا تنسجم مع دستور 2011، ولا مع التزامات المغرب الدولية". وبين الشد والجدب، يبقى مشروع القانون رقم 66.23 في بداية مساره التشريعي، حيث سينتقل إلى البرلمان للمناقشة والتعديل، وفي انتظار ما ستسفر عنه تطورات الخلاف بين الوزارة الوصية على القطاع وأصحاب البذل السوداء، نستعرض أهم مستجدات هذا المشروع، الذي حصلت "الصحراء المغربية" على نسخة منه.

رؤية الوزارة.. تحديث للمهنة وتحصين للعدالة

قال وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، في مذكرته التقديمية، إن إحداث هذا المشروع جاء نظرا لما تحظى به مهنة المحاماة بالمغرب من مكانة كبيرة داخل منظومة العدالة، وبعد مرور 17 سنة على دخول القانون رقم 28.08 المنظم للمهنة حيز التنفيذ، حيث قال "كان لا بد من وقفة تأمل وتفكير لتقييمه، والوقوف على مكامن ضعفه وأهم معوقات تنزيله لغاية سدها ومواجهتها، وبالتالي تحقيق المناعة لهذه المهنة القضائية المهمة". وبعد أن عرج على مسار الحوار الذي وصفه بـ"المسؤول" مع كافة الجهات المعنية والهيئات التمثيلية، بشأن مراجعة القانون الحالي وتطلعات المحامين بشأن مستقبل المهنة وتأهيلها، أكد أن الأمر أسفر عن إعداد مشروع قانون جديد للمهنة يراجع بصفة كلية القانون الحالي.

شروط جديدة لولوج المهنة وتحديد سن الولوج

من أبرز المستجدات التي جاء بها المشروع في الباب الأول المتعلق بشروط ممارسة مهنة المحاماة، التغيير الجذري في معايير الولوج إلى المهنة. فالمادة الخامسة اشترطت أن يكون المترشح لمباراة ولوج معهد التكوين متحصلا من إحدى كليات العلوم القانونية بالمغرب على شهادة الماستر أو الماستر المتخصص أو دبلوم الدراسات العليا المعمقة أو المتخصصة في العلوم القانونية، أو شهادة معترف بمعادلتها لها. هذا الشرط يعد ارتفاعا ملموسا عن المستوى التعليمي المطلوب سابقا، حيث كانت شهادة الإجازة كافية للولوج إلى المهنة. كما حدد المشروع السن الأدنى للولوج في 22 سنة والسن الأقصى في 40 سنة، عند تاريخ إجراء مباراة ولوج معهد التكوين، وهو ما يعد تقييدا جديدا لم يكن موجودا في القانون السابق. من جهة أخرى، حافظ المشروع على الشروط التقليدية الأخرى، مثل أن يكون المترشح مغربيا أو من مواطني دولة ترتبط بالمملكة المغربية باتفاقية تسمح لمواطني كل من الدولتين بممارسة مهنة المحاماة في الدولة الأخرى مع مراعاة مبدأ المعاملة بالمثل، وأن يكون متمتعا بحقوقه الوطنية، وألا يكون مدانا بأفعال منافية للشرف والمروءة أو حسن السلوك حتى ولو رد اعتباره.

صرامة التمرين والتكوين وآليات للتقييم

خصص المشروع حيزا مهما لتنظيم فترة التمرين والتكوين، حيث نصت المواد ذات الصلة على أن المحامي المتمرن يجب أن يقضي فترة تكوين لمدة سنة كطالب بمعهد التكوين في الدراسات القانونية تحث إشراف وزارة العدل، وفترة تمرين محددة تحت إشراف محام مؤهل لمدة 20 شهرا ثم تكوين لمدة 4 أشهر في إحدى الإدارات العمومية، وأن يجتاز بعد انتهاء هذه الفترة امتحان نهاية التمرين للحصول على شهادة الكفاءة لممارسة مهنة المحاماة. المستجد المهم هنا هو أن المشروع أقر إمكانية تمديد فترة التمرين في حالة الانقطاع لسبب مشروع، وذلك لنفس مدة الانقطاع بقرار من مجلس الهيئة، مع إشعار السلطة الحكومية المكلفة بالعدل. كما نص على إمكانية تمديد فترة التمرين مرة واحدة لمدة لا تتجاوز سنة في حالة رسوب المحامي المتمرن في امتحان نهاية التمرين، وذلك بقرار من السلطة الحكومية المكلفة بالعدل.

شروط تحمل المسؤولية داخل الهيئات

أدخل مشروع القانون تعديلات على شروط الترشح لمنصب النقيب وعضوية مجلس الهيئة. فقد نصت المواد المنظمة لأجهزة الهيئة على رفع شرط الأقدمية المهنية المطلوبة للترشح لمنصب النقيب إلى عشرين سنة، مع تخصيص ثلثي مقاعد مجلس الهيئة للمحامين الذين تتوفر فيهم هذه الأقدمية، إضافة إلى اشتراط التوفر على ولايتين سابقتين في عضوية مجلس الهيئة للترشح لمنصب النقيب. ووفق المذكرة التقديمية للمشروع، يندرج هذا التنظيم ضمن مقاربة تروم تعزيز الخبرة والاستمرارية في تدبير المؤسسات المهنية وضمان نجاعة الأداء داخل أجهزة الهيئات.

تنظيم مسطرة التسجيل في جدول الهيئة

نص مشروع القانون على إسناد سلطة البت النهائي في طلبات التسجيل في جدول الهيئة إلى السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، أي وزارة العدل، بعد استكمال المسطرة المهنية داخل الهيئة، بما يشمل دراسة الملف وإبداء الرأي من طرف الأجهزة المختصة، وذلك في إطار توحيد مساطر التسجيل وضمان التقيد بالشروط القانونية والتنظيمية المعتمدة وطنيا.

ضبط مدد البت وإعادة تنظيم الطعون

حدد المشروع آجالا مضبوطة للبت في عدد من الملفات المهنية والتنظيمية، تتراوح بين شهر وثلاثة أشهر بحسب طبيعة المسطرة، كما أعاد تنظيم مسطرة الطعون، من خلال حذف إمكانية إعادة إحالة الملف على مجلس الهيئة بعد بت الجهة القضائية المختصة فيه، مع التنصيص على قواعد جديدة للحسم داخل آجال محددة.

تنظيم أشكال التعبيرالجماعي ومنع الدعوة لمقاطعة الجلسات

تضمن المشروع مقتضى ينص على منع الدعوة إلى مقاطعة الجلسات، مع إخضاع هذا المجال لضوابط قانونية صريحة. هذا المستجد يمثل تقييدا لإحدى أدوات الاحتجاج التي دأب المحامون على استخدامها للتعبير عن مواقفهم المهنية أو السياسية.

إلزامية التكليف المكتوب في العلاقة المهنية

فرض مشروع القانون، كمستجد، التكليف المكتوب كشرط أساسي للعلاقة المهنية بين المحامي وموكله، محددا قواعد تنظيم هذه الوثيقة التعاقدية لتحديد الحقوق والواجبات بين الطرفين، حيث أوجب أن يتضمن التكليف المكتوب هوية المحامي والموكل، وموضوع النزاع أو المهمة القانونية المطلوب إنجازها، ومراحل التقاضي المتفق عليها، وكذا الأتعاب المتفق عليها وطريقة أدائها، والتزامات كل طرف تجاه الآخر. وأوضحت المذكرة التقديمية أن هذا المستجد يهدف إلى تعزيز الشفافية في العلاقة المهنية وحماية حقوق الطرفين، خاصة الموكلين الذين كانوا أحيانا يجدون أنفسهم أمام مطالب مالية غير متفق عليها سابقا. كما يحمي هذا الإجراء المحامي نفسه من تراجع الموكل عن التزاماته أو إنكاره للاتفاقات الشفهية.

آليات موحدة للأتعاب والودائع

في إطار تنظيم الجانب المالي للمهنة، جاء المشروع بآليات مؤسساتية موحدة لإدارة الأتعاب والودائع. فقد نص على إنشاء حسابات خاصة لدى الهيئات لإيداع الأموال والودائع التي يتسلمها المحامون نيابة عن موكليهم، مع فرض التزامات صارمة بالشفافية في التعامل مع هذه الأموال. كما حدد معايير واضحة لتحديد الأتعاب، مع مراعاة: طبيعة القضية وتعقيدها، والجهد المبذول والوقت المخصص، وأهمية المصالح المعنية، والخبرة والتخصص المطلوب، والنتيجة المحققة. وهو ما يهدف إلى "وضع حد للتفاوت الكبير في الأتعاب"، حيث شددت المذكرة التقديمية على أن هذه الآليات تهدف، أيضا، إلى مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، حيث إن المحامين، بحكم طبيعة عملهم، قد يكونون عرضة لاستخدامهم في عمليات مشبوهة دون علمهم. لذلك، فرض المشروع التزامات على المحامين بالإبلاغ عن العمليات المالية المشبوهة، وفق الضوابط الدولية المتعلقة بهذا الموضوع.

الشراكة والمساكنة المهنية دعما للمحامين الشباب

جاء المشروع بحلول مبتكرة للصعوبات التي يمكن أن يواجهها المحامون الشباب في بداية مسيرتهم المهنية، خاصة ما يتعلق بتكاليف إنشاء مكتب محاماة مستقل، من خلال إقرار نظامي الشراكة والمساكنة المهنية. إذ نص على إمكانية إبرام عقود شراكة بين محامين من هيئات مختلفة، مما يتيح لهم تقاسم الخبرات والموارد والعملاء، ويخفف عنهم العبء المالي الذي قد يكون مرهقا في بداية الممارسة. كما أقر المشروع نظام المساكنة المهنية، الذي يسمح لعدة محامين باستخدام نفس المكتب والموارد المشتركة، دون أن يشكلوا بالضرورة شراكة قانونية كاملة. هذه الآليات، وفق المذكرة التقديمية، تهدف إلى تشجيع المحامين الشباب على الاستقلالية والمبادرة، وعدم الاعتماد الكلي على الانضمام إلى مكاتب كبيرة قد لا توفر لهم فرص التطور والنمو المهني المطلوبة. كما تساهم في خلق بيئة تعاونية بين المحامين، مما يرفع من مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.

شراكة مكاتب أجنبية تعزيزا للتعاون الدولي

فتح المشرع في هذا النص الباب أمام التعاون مع مكاتب المحاماة الأجنبية، لكن مع وضع ضوابط صارمة تضمن الالتزام بالسيادة القانونية المغربية. فقد نص على إمكانية إبرام اتفاقيات تعاون بين مكاتب محاماة مغربية ومكاتب أجنبية، بشرط الحصول على موافقة الجهات المختصة، وبشرط أن يكون الملف والقيادة الفعلية للقضايا في أيدي المحامين المغاربة. هذا الانفتاح يهدف، وفق المذكرة التقديمية، إلى تمكين المحامين المغاربة من الاستفادة من الخبرات الدولية في المجالات القانونية المتخصصة، خاصة في القضايا التجارية الدولية والاستثمارات الأجنبية. كما يساهم في تعزيز مكانة المحاماة المغربية على المستوى الدولي، ويجعلها أكثر قدرة على التعامل مع القضايا العابرة للحدود.

التنظيم المهني تقوية للاستقلالية والمسؤولية

خصص المشروع بابا كاملا لتنظيم هيئات المحامين ودورها في تنظيم المهنة والإشراف على ممارسيها، وتقوية استقلاليتها وتعزيز دورها الرقابي والتأديبي. حيث حدد اختصاصات مجالس الهيئات، سواء في ما يتعلق بالقبول في المهنة، أو الإشراف على التمرين والتكوين المستمر، أو النظر في الشكايات والمخالفات المهنية. كما نص على تعزيز الديمقراطية الداخلية في الهيئات من خلال تنظيم انتخابات شفافة لاختيار المجالس والنقباء. وتضمن المشروع مقتضيات عدة تتعلق بتنظيم العلاقة بين وزارة العدل والهيئات المهنية، وتحدد صلاحيات الوزارة في الإشراف على بعض جوانب تدبير المؤسسات المهنية. وأقر، كذلك، إنشاء مجلس وطني لهيئات المحامين بالمغرب، يكون له دور تنسيقي وتمثيلي على المستوى الوطني، يساهم في وضع السياسات العامة للمهنة والدفاع عن مصالح المحامين، وسيكون همزة وصل بين الهيئات والسلطات الحكومية المختصة.

نظام التأديب وضمانات للدفاع

أولى المشروع اهتماما كبيرا للنظام التأديبي، حيث خصص عدة مواد لتحديد المخالفات المهنية والعقوبات المقررة لها، مع ضمان حقوق الدفاع للمحامي المحال على المجلس التأديبي. فقد حدد المشروع بوضوح ما يشكل مخالفة مهنية، سواء تعلق الأمر بالإخلال بواجبات المهنة، أو المساس بشرفها وكرامتها، أو الإخلال بالالتزامات تجاه الموكلين أو المحكمة. العقوبات التأديبية المنصوص عليها تتدرج من الإنذار البسيط إلى الشطب النهائي من جدول الهيئة، مرورا بالتوبيخ والتوقيف المؤقت عن الممارسة. وحرص المشروع على ضمان حق المحامي المعني في الدفاع عن نفسه أمام المجلس التأديبي، وحقه في الطعن في القرارات الصادرة ضده أمام الجهات القضائية المختصة. هذا النظام التأديبي، وفق المذكرة التقديمية، يهدف إلى حماية شرف المهنة وكرامتها، وضمان جدية وأخلاقية ممارسيها، مما يعزز ثقة المواطنين في المحامين والخدمات التي يقدمونها. كما يساهم في تصفية الصفوف من العناصر التي قد تسيء إلى سمعة المهنة.

التكوين المستمر ورهان الجودة والتحديث

أقر المشروع نظام التكوين المستمر الإلزامي. ونصت مواد محددة على أن كل محام ملزم بالخضوع لدورات تكوينية منتظمة في مجالات متعددة، تشمل القانون، التقنيات الحديثة، مهارات التواصل، وأخلاقيات المهنة. وأوكل المشروع لهيئات المحامين مهمة تنظيم هذه الدورات التكوينية، بالتعاون مع مؤسسات التعليم العالي والمراكز المتخصصة، مع إمكانية الاستفادة من الخبرات الدولية. كما نص على إنشاء سجل خاص لتتبع الدورات التي يحضرها كل محام، ليكون معيارا للتقييم والترقية داخل المهنة.

حقوق وامتيازات تعزيزا لمكانة المحامي

كرس المشروع الجانب المتعلق بحقوق المحامين وامتيازاتهم، من خلال تحديد الضمانات المخولة لهم في ممارسة مهامهم. من بين هذه الحقوق، حرية الدفاع والتعبير دون خوف من المتابعة أو المساءلة، ما دام ذلك يتم في إطار ممارسة المهنة وبحسن نية. كما نص المشروع على حق المحامي في الوصول إلى الملفات والوثائق المتعلقة بقضايا موكليه، وحقه في الاطلاع على الملفات المحفوظة لدى المحاكم والإدارات المختلفة. وأقر المشروع حصانة نسبية للمحامي فيما يتعلق بما يدلي به أمام المحاكم أو في مذكراته المكتوبة، بشرط أن يكون ذلك في إطار الدفاع عن موكليه. من جهة أخرى، حدد المشروع واجبات المحامي، والتي تشمل الالتزام بالنزاهة والأمانة، احترام أسرار المهنة، عدم قبول قضايا تتعارض مع مصالح موكلين سابقين، والامتناع عن استغلال المهنة لأغراض شخصية أو غير مشروعة.

استقلالية وتعاون في علاقة بالسلطة القضائية

حرص المشروع على التأكيد على استقلالية مهنة المحاماة عن السلطة القضائية، مع إقرار ضرورة التعاون البناء بين الطرفين لخدمة العدالة. نصت مواد محددة على التزام المحامين باحترام المحاكم وقضاتها، وعدم المساس بهيبة القضاء أو الإساءة إلى القضاة بشكل شخصي. في المقابل، ألزمت السلطة القضائية باحترام دور المحامي والتعامل معه كشريك في تحقيق العدالة، وعدم التضييق عليه في ممارسة مهامه. كما نص المشروع على آليات لحل الخلافات التي قد تنشأ بين المحامين والقضاة، من خلال لجان مشتركة تضم ممثلين عن الطرفين، تسعى إلى إيجاد حلول ودية للنزاعات قبل تصعيدها.

 عبد اللطيف أيت بوجبير: مشروع قانون المحاماة إجهاز على استقلالية المهنة وحصانة الدفاع

قال الأستاذ عبد اللطيف أيت بوجبير، محام بهيئة المحامين بالدارالبيضاء، إن مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة "أقر مقتضيات جديدة تتضمن مجموعة من التراجعات التي تمس، للأسف، باستقلالية المهنة وبحصانة الدفاع، وتعتدي على اختصاصات مؤسسة النقيب ومجلس الهيئة". وأضاف أن المشروع "يفرض آجالا غير معقولة ولا مقبولة، ويتضمن تعابير ومقتضيات تمس بكنه وماهية مهنة المحاماة". ولخص المحامي أيت بوجبير في تصريح لـ"الصحراء المغربية" ما اعتبره مؤاخذات المحامين على مشروع قانون المهن في خمس نقاط أساسية، تتثمل: أولا: الإجهاز على استقلالية مهنة المحاماة، وأبرز في هذا الصدد، أن مشروع القانون تضمن مقتضيات كفيلة بتحويل الهيئات من نموذج "الهيئة الحرة المستقلة" التي تدير شؤونها ذاتيا، إلى نموذج أقرب إلى "الهيئة المهنية المنظمة بموجب قانون إداري صارم"، حيث تتوغل سلطة الدولة (من خلال وزارة العدل) في تدبير المؤسسات المهنية. ثانيا: تكريس "النخبوية" وإقصاء الشباب في مناصب المسؤولية، معتبرا أن المقتضيات الجديدة تكرس نوعا من "النخبوية" التي تقصي الجيل الجديد، عبر اشتراط 20 سنة من الأقدمية للترشح لمنصب النقيب، فضلا عن تخصيص ثلثي مقاعد مجلس الهيئة لمن تتوفر فيهم هذه الأقدمية. وأشار، في هذا الاتجاه، إلى أن هذه التدابير من شأنها تجميد القيادة في يد فئة محدودة، مما يحد من ضخ دماء جديدة وأفكار متجددة، ويعيق تجديد النخب القيادية. كما اشترط المشروع "ولايتين سابقتين في عضوية المجلس" للترشح لمنصب النقيب، وهو شرط قد يفهم منه الرغبة في ضمان الخبرة، لكنه في الواقع يقصي كفاءات قد تكون موجودة خارج هذا الإطار الضيق، مما يخلق دائرة مغلقة من "القيادات المهنية". ثالثا: نقل "مركز الثقل" في التمرين والتسجيل إلى وزارة العدل، وهنا قال المتحدث إن هذا المقتضى يعد من أخطر ما جاء به المشروع، حيث يتم نقل سلطة البت النهائية في قبول المحامي الجديد (التسجيل في الجدول) من مجلس الهيئة إلى وزارة العدل. مضيفا أن هذا الأمر يقوض ركيزة أساسية من ركائز الهيئة الحرة، إذ يصبح المحامي وكأنه "موظف عمومي" يحتاج لترخيص إداري، وليس منتسبا حرا لهيئة مستقلة، ومضى قائلا "هذا المقتضى يهدد مباشرة مبدأ استقلال المحاماة عن السلطة التنفيذية، وهو الضمانة الأساسية للدفاع عن الحريات". رابعا: تغليب سرعة الإجراءات على ضمانات الدفاع، حيث أكد المحامي أن مشروع القانون حدد آجالا قصيرة (شهر وثلاثة أشهر) للبت في الملفات، معتبرا أنه بالرغم من أن ظاهرها يهدف للفعالية، إلا أنها تضغط على مؤسسة النقيب والمجلس وتفرغ عملية دراسة الملفات من عمقها، خاصة في الحالات المعقدة. كما أن إلغاء "إحالة الملف من جديد على المجلس" من قبل الغرفة المختصة، يعكس رغبة في منح القضاء سلطة مراقبة وتصحيح فورية لقرارات النقيب. هذا الإجراء يقلص هامش الاستقلالية الداخلية للهيئات، بحيث تسلب منها "الكلمة الأخيرة" حتى في شؤونها التنظيمية والمهنية. خامسا: منع الدعوة لمقاطعة الجلسات، وشدد المحامي هنا بالقول إن "هذا المقتضى يضرب في مقتل إحدى أهم أدوات الاحتجاج والضغط التاريخية للمحامين، فتقييد حق الإضراب أو وسائله (كالمقاطعة) في إطار حزمة تراجعية، يفسر على أنه نزع للأدوات التفاوضية للمحامين، ويحد من قدرتهم على الدفاع عن وضعيتهم المهنية أو عن قضايا العدالة الكبرى. وأبرز الأستاذ عبد اللطيف أيت بوجبير، في ختام تصريحه، أن هذه النقاط ليست سوى نموذج لبعض ما وصفه بـ"التراجعات الخطيرة" التي تضمنها مشروع القانون، والتي اتسمت، حسب قوله "مرحلة إعداده بغياب المقاربة التشاركية وسيطرة نهج السرية والكتمان، والغاية من ذلك هي تمرير مقتضيات تعيد تعريف المهنة وتضعف دورها"، مشيرا إلى أن "هذا المسار يشكل خطرا حقيقيا على الحقوق والحريات"، قائلا "لا عدالة حقيقية ولا صيانة للحقوق إلا بمحاماة حرة مستقلة، ومحام حر وحصين".




تابعونا على فيسبوك