كلميـم.. مدينـة تصنـع مستقبلهــا بخطـى واثقـة

الصحراء المغربية
الأحد 21 دجنبر 2025 - 00:02

على أبواب الصحراء المغربية، تقف كلميم-وادنون كبوابة مشرعة على مستقبل واعد للأقاليم الجنوبية. المدينة التي كانت تنام على هدوء الواحات وأزقتها الضيقة، باتت اليوم تنبض بالحياة، تشع حركة في كل ركن، وتتنفس نهضة تتجلى في تفاصيلها الصغيرة، كما في مشاريعها الكبرى. كل رصيف جديد، وكل طريق معاد تهيئته، وكل مشروع استراتيجي ينجز، هو سطر في قصة طموح جماعي يحول الحلم التنموي إلى واقع ملموس، ويجعل من الجهة قطبا تنافسيا صاعدا بفضل مؤهلاتها الطبيعية والاقتصادية والبشرية، وموقعها الاستراتيجي الرابط بين شمال المملكة وجنوبها.

مدينـــــة تستيقظ على وعــــد
كلميم، أو «كليمم» كما ينطقها الحسانيون، بعذوبة لهجتهم، تقع على بعد 200 كيلومتر جنوب أكادير، على السفح الجنوبي للأطلس الصغير، وتمتد على مساحة 30 كيلومترا مربعا. هنا، بهذا الموقع الجغرافي، حيث يلتقي الجبل بالصحراء، تتلاقى الطبيعة مع الإنسان، وتتقاطع الرؤية التنموية مع الإرادة الجماعية، لتتجسد مدينة نابضة بالحركة، تتنفس النهضة في كل ركن.
ذكرياتي مع المدينة تحمل نكهة خاصة. قبل عام، غادرتها وأنا أرى فيها فرحة الذكرى الـ49 للمسيرة الخضراء تمتزج بنسائم التفاؤل بمشاريع تنموية كبرى بدأت ترسم ملامح الغد. واليوم، بعد سنة واحدة فقط، ومع قرب حلول الذكرى الخمسين لهذه الملحمة الخالدة، عدت لأجدها أكثر حيوية، تتنفس روح التحول والتجديد، بحيث يخال معها الزائر أنه أمام مدينة تولد من جديد، وكيف لا تكون كذلك وكل مشروع فيها يحمل بين طياته قصة طموح جماعي لا ينتهي.
تمتاز الجهة بتنوع جغرافي فريد، تزاوج بين الصحراء والجبل والسهل، وشواطئ لم تطأها أقدام كثيرة، وموقع استراتيجي بين قطبين حضريين كبيرين، أكادير والعيون. ومع بنية تحتية متطورة ومؤشرات اقتصادية متنامية، تتحرك كلميم تدريجيا نحو أن تصبح نقطة جذب اقتصادي وسياحي، ووجهة للاستثمارات، بعد أن كانت مجرد منطقة عبور نحو الصحراء وإفريقيا.
في التصور الذي وضعته الجهة، كان لا بد من تأهيل حضري في المدن بالأقاليم الأربعة التابعة لكلميم - وادنون، خاصة مع ارتفاع الكثافة السكانية. 
وهنا يبرز تنزيل البرنامج الاستعجالي لإعادة التأهيل الحضري للأقاليم التابعة للجهة (2024-2027)، «كلميم، طانطان، أسا - الزاك وسيدي إفني»، الذي شمل 59 مشروعا بمبلغ يصل إلى 1.2 مليار درهم، لتعزيز البنية التحتية والخدمات الأساسية ورفع جودة الحياة للسكان.
رحلــــة تختصر التحــــول

عند بلوغ كلميم، تلمس دينامية تنموية غير مسبوقة، حتى قبل الدخول عبر بابها الشهير. فالرحلة التي كانت تتطلب في الماضي صبرا طويلا، باتت اليوم خاطفة، تصل بك إلى قلب المدينة في لمح البصر، حيث يطل مطارها بتصميم مستوحى من الثقافة المحلية ليعكس هوية المكان وروح سكانه.
كلميم تستفيد، أيضا، بشكل مباشر من الطريق السريع تزنيت-الداخلة، أحد أكبر الأوراش الإفريقية التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس ضمن النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية سنة 2015 بمدينة العيون.
هذا الشريان عزز الربط بين جهات المملكة، ورسخ مكانة الصحراء المغربية كبوابة للتعاون جنوب–جنوب، ورافعة للاندماج القاري في العمق الإفريقي.
يمتد الطريق السريع العملاق على طول 1055 كلم، وقد افتتح بالكامل في يناير 2025، بهدف هيكلة الطريق الوطنية رقم 1، وتحسين السلامة الطرقية، وتعزيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية للأقاليم الجنوبية للمغرب.
وهو ثمرة شراكة بين وزارات التجهيز والماء والداخلية والاقتصاد والمالية، وجهات كلميم – وادنون، والعيون – الساقية الحمراء، والداخلة – وادي الذهب، وسوس ماسة.
وقد شمل إنشاء 16 قنطرة كبرى بما فيها جسر ضخم، وإنجاز أكثر من 33 مترا مكعبا من أشغال الحفر والردم، وأزيد من 1750 قنطرة مائية بكافة الطرق المدارية، وأكثر من 750 ألف متر دولي من حواجز السلامة.
ويتكون هذا المشروع العملاق من ثلاثة محاور رئيسية، الأول يربط بين تزنيت وكلميم بطول 114 كيلومترا، والثاني بين كلميم والعيون بطول 436 كيلومترا، بينما المحور الثالث يربط محور العيون - الداخلة بطول 500 كيلومتر.
بدورها، الطرقات الجديدة التي تربط بين أقاليم الجهة الأربعة – كلميم، سيدي إفني، أسا الزاك، طانطان –جعلت التنقل سهلا.. قربت القرى بالمدن، ومنحت الحركة الاقتصادية زخما متجددا.
في لقاء عابر مع زائر للمدينة، لخص محمد، الذي جاء لغرض تجاري، حكاية هذه المرحلة التنموية الاستثنائية في كلمات. وعبر عن ذلك بالقول، وابتسامة تعلو محياه، «لم نعد نحتاج للسفر لساعات للوصول إلى كلميم وقضاء أغراضنا، اليوم التنقل أسهل... وهذا شيء مهم جدا». ليضيف «المدينة تتغير للأفضل.. وهذا التحول تلمسه 
في الطريق إليها».
أوراش في كـــل زاويـــــة

في كل شارع من شوارع كلميم، تتجلى مظاهر الحركية والبناء، حيث تعيد جرافات وآليات تعبيد الطرق رسم معالم المدينة، وتكتسي الأحياء التي كانت ناقصة التجهيز اليوم 
حلة جديدة.
يبرز في هذا المشهد شارعا محمد السادس و03 مارس كأحد الأوردة النابضة في هذا الجسد المتجدد، حيث تمتد الأشغال على مدار اثني عشر شهرا، بميزانية تناهز 65 مليون درهم، لتمنح المركز الحضري وجها عصريا يليق بمكانته كبوابة للصحراء. 
الحركية نفسها تتكرر معك أينما وليت وجهك في المدينة.. آليات بأحجام مختلفة، ولوحات إرشادية تبرز الأوراش المفتوحة، وكلها تجسد مدى التحول الجاري في كلميم.
من بين هذه المشاريع، يبرز مشروع تهيئة أحياء ناقصة التجهيز مثل شارع الحسن الثاني، وابن تومرت، ومولاي رشيد، المخصص له ميزانية 36.477.754 درهما.
وتعكس هذه الدينامية بوضوح دخول المدينة مرحلة جديدة من التهيئة، حيث يصبح كل رصيف جديد سطرا في قصة النهوض، وكل مشروع طريق وعدا بالاستمرارية، لتتكاثف البنية التحتية مع رؤية جهوية شاملة تجعل من كلميم مركزا حضريا متطورا ينبض بالحياة.
التنـميــــة.. لا تبنى بالحجــــر فقط

في خضم الدينامية العمرانية، ينبض قلب المدينة بمشاريع اجتماعية وصحية وتعليمية واعدة.
المركز الاستشفائي الجهوي في طور التحول إلى مستشفى جامعي حديث، ليواكب حاجيات السكان ويشكل لبنة أساسية في تطوير العرض الصحي وتأهيل الأطر الطبية الشابة.
وسيضم هذا الصرح الصحي أقساما متعددة للتخصصات، مع تجهيزات طبية حديثة تتماشى مع المعايير الدولية في الاستشفاء، إضافة إلى فضاءات مخصصة للتكوين والبحث الطبي، ما يجعله مؤسسة مرجعية تخدم الجهة والجنوب المغربي عموما، بطاقة استيعابية تصل إلى 250 سريرا.
وفي سياق تعزيز الصحة العمومية، مهدت اتفاقية شراكة لمجلس كلميم – واد نون مع ولاية الجهة والوكالة المغربية للدم ومشتقاته، لإنجاز مركز جهوي لتحاقن الدم بكلميم بميزانية 40 مليون درهم، بهدف تشجيع ثقافة التبرع بالدم وضمان إمداد آمن ومستدام.
ولأن التنمية لا تبنى بالحجر فقط، لم تخطئ المدينة في طريق توسعها مسار التعليم والثقافة. فالدخول الجامعي 2023 – 2024، تميز بإطلاق كلية للطب والصيدلة بكلميم، تابعة لجامعة ابن زهر بأكادير، والتي استقبلت فوجها الأول. وشيدت المؤسسة التعليمية من أجل تعزيز العرض التكويني الجامعي بالجهة.
كما افتتحت مدينة المهن والكفاءات بالمدينة أبوابها ضمن الدخول التكويني 2025-2026، موفرة عرضا تكوينيا متنوعا في 32 شعبة مع طاقة استيعابية تصل لـ 1100 مقعد بيداغوجي.
وهذه المؤسسة الجديدة من الجيل الجديد تهدف إلى تطوير مهارات المتدربين وتمكينهم من الاندماج في سوق العمل، من خلال توفير بنيات مشتركة مبتكرة وفضاءات مخصصة للتدريب والأنشطة الرياضية.
وتواصل المعاهد والمؤسسات التعليمية الأخرى جهودها في هذا الإطار، منها المعهد المتخصص في الفندقة والسياحة، وملحقة المعهد العالي للمهن التمريضية وتقنيات بأكادير (محلقة كلميم)، والمدرسة العليا للتكنولوجيا، وكلية الاقتصاد والتدبير، التي فتحت أبوابها لتأهيل الشباب وإتاحة فرص متقدمة أمامهم بما يتماشى مع احتياجات سوق الشغل.
رشيد بن الصغيار، المدير التنفيذي لمركز الشباب للأبحاث والتنمية بكلميم، يلخص هذا المشهد قائلا «لقد أحدث النموذج التنموي الجديد دينامية غير مسبوقة في الجهة، من خلال مشاريع كبرى حسنت البنيات التحتية والخدمات الأساسية، خصوصا الطريق السريع تزنيت–الداخلة، والمراكز الثقافية والتعليمية، وتطوير العرض الصحي بإنشاء كلية الطب، وتحويل المركز الاستشفائي الجهوي إلى مستشفى جامعي».
وأكد بن الصغيار، لـ»الصحراء المغربية»، أن «هذا المشروع خطوة مهمة من شأنها أولا تعزيز العرض الصحي، ثانيا الإسهام في توفير خدمات علاجية متطورة للسكان، وتوفير فرص التدريب بالنسبة لطلبة الطب».
أجندة تنمية الجهة، حضر فيها بقوة أيضا القطاع الثقافي. وتجلى ذلك من خلال إطلاق العديد من المراكز الموسيقية، المتاحف، والمجمعات الثقافية، لتجعل التراث الصحراوي مصدر إبداع متجدد وفخر دائم.
اقتصــــاد ينـمو بخطى ثابتـــة

ليلا، تتحول كلميم إلى لوحة نابضة بالحياة.. مقاه مكتظة، محلات تفتح أبوابها حتى وقت متأخر، وحركة تجارية لا تتوقف في شوارعها الهادئة شيئا ما نهارا.
لكن خلف هذا الإيقاع الليلي التجاري البسيط، تختبئ مؤشرات اقتصادية صاعدة، تؤكد أن الجهة تمضي نحو أن تكون قطبا تنمويا استراتيجيا.
فقد سجلت معدل نمو سنوي بلغ 5.5 في المائة، متجاوزا المعدل الوطني البالغ 3.6 في المائة.
وأقوى دفعة اقتصادية لكلميم - وادنون تنتظر أن تعطيها مشاريع الطاقات المتجددة، سيما الهيدروجين الأخضر. فهذه المشاريع منحت الجهة مكانة استراتيجية عالميا.
ويتجلى ذلك بوضوح، بإدراج ثلاثة مشاريع للهيدروجين الأخضر من أصل سبعة على المستوى الوطني داخل الجهة، مما يرسخ المكانة الاستراتيجية للمنطقة في هذا المجال الدولي الواعد.
وفي سبيل دعم هذا التوجه، صادق مجلس الجهة، خلال دورة يوليوز 2024، على اتفاقية إطار بقيمة 300 مليون درهم لتمويل إحداث وتطوير مناطق للأنشطة الاقتصادية بمختلف أقاليم الجهة (كلميم، أسا الزاك، سيدي إفني، طانطان)،
ويتعلق الأمر بكلميم بـ 100 هكتار بما فيها اقتناء وإعادة هيكلة منطقة الأنشطة الاقتصادية المسماة «كاكتوبول» بجماعة أسرير، والتي كانت تتواجد على مساحة 25 هكتارا في إطار المخطط المعماري للإقليم وانطلقت بها أشغال التهيئة آنذاك لكن هذه الأشغال توقفت مما حدا بالجهة إلى اقتناء هذا الوعاء العقاري ليصل إلى 100 هكتار حاليا.
كما همت الاتفاقية تخصيص 80 هكتارا بإقليم سيدي إفني، و45 هكتارا بالنسبة لإقليم آسا الزاك، واستكمال إنجاز منطقة النشاط الاقتصادي للوطية والممتدة على مساحة 65 هكتارا، حيث جرى تحديد الوعاء العقاري المخصص لها والشروع في تهيئتها بشراكة مع الغرفة الفرنسية للتجارة والصناعة بالمغرب التي فتحت مندوبية جهوية لها بكلميم في فبراير 2024. وتعطى الأولية في الأنشطة الاقتصادية التي ستحتضنها هذه المناطق إلى الاقتصاد المحلي من خلال قطاعين هما الصيد البحري والفلاحة عبر اعتماد الصناعة التحويلية، وأيضا الاهتمام بالطاقات المتجددة عبر تصنيع الآليات المرتبطة بهذا المجال، مع التفكير في خلق منصة صناعية مصغرة متخصصة في الهيدروجين الأخضر عبر استقطاب مشاريع واعدة صغرى جديدة في ميدان الطاقات المتجددة.




تابعونا على فيسبوك