قررت الحكومة إدخال تعديلات جوهرية على المنظومة التشريعية لقطاع التأمين الوطني، من خلال مشروع قانون يقضي بتغيير وتتميم القانون المتعلق بمدونة التأمينات، والذي طرحته الأمانة العامة للحكومة لعموم المواطنين والفاعلين قصد التعليق وإبداء الملاحظات.
ويأتي هذا القرار الاستراتيجي في سياق تنزيل الرؤية الوطنية للشمول المالي ومواكبة الطفرة الرقمية المتسارعة، فضلا عن جعل القطاع متلائما مع السلوكيات المستجدة للمستهلكين والمعايير الدولية المعمول بها. وتراهن وزارة الاقتصاد والمالية، بناء على المذكرة التقديمية للملف المرجعي لمشروع هذا القانون، على تحويل هذا الإطار القانوني الجديد إلى آلية حمائية للمواطنين والمقاولات، مع تثمين قدرة القطاع على تعبئة الادخار الداخلي لضخ سيولة جديدة في شرايين الاستثمار الوطني.
وفي ما يخص هندسة عقد التأمين، يدرج المشروع تعاريف قانونية ومفاهيم جديدة لضمان المزيد من الشفافية وحماية حقوق المؤمن لهم، مثل تحديد أجل استحقاق القسط، ودعامة مستدامة، وسقوط الحق، والعمولة، وعقد الاستثمار التكافلي. ويلزم النص الجديد مقاولات التأمين بملاءمة شروط العقود مع متطلبات الأشخاص الموجهة إليهم، مع عدم تقليص جوهر موضوع العقد عبر شروط الاستثناءات، فضلا عن تيسير آجال التصريح بالحوادث وتسريع التعويضات، وتوضيح قواعد فسخ العقود بطريقة مبسطة في حالة عدم أداء الأقساط في تواريخ استحقاقها.
ويشكل محور التأمينات الصغرى والتأمينات المدمجة طفرة نوعية لدعم الفئات ذات الدخل المنخفض، حيث عرف المشروع عملية التأمين الصغير بكونها كل عملية تمكن هذه الفئات من تغطيات ملائمة لاحتياجاتهم الأساسية وإمكانياتهم، مع تبسيط المتطلبات وتحديد أسقف الأقساط وخلوص التأمين بنصوص تنظيمية. كما ينظم المشروع التأمينات المدمجة التي تكتتب كخدمة تكميلية عند شراء سلعة أو خدمة غير تأمينية مثل تغطية الأعطال أو سرقة وسائل الأداء، مانحا المكتتب صلاحية إلغاء العقد خلال خمسة عشر يوما دون تكاليف. وإلى جانب ذلك، يؤطر المشروع عمليات التأمين الجماعي لحساب الغير لتغطية الأخطار المرتبطة بالأشخاص أو المسؤولية المدنية أو الأملاك.
وعلى صعيد تنظيم مقاولات التأمين وإعادة التأمين، يمنع المشروع معيدي التأمين الأجانب من مزاولة النشاط داخل المغرب إلا وفق شروط تنظيمية محددة تضمن الوفاء بالتزاماتهم، مع تكريس جمعية مهنية إلزامية لوسطاء التأمين وإخضاع أنظمتها الأساسية لمصادقة الإدارة بعد استطلاع رأي هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي. ويتضمن إصلاح الكتاب الرابع مقتضيات تروم هيكلة شبكة التوزيع وتثمين رأس المال البشري، ملزما وسطاء التأمين بالتأسيس على شكل أشخاص اعتباريين مع رفع بعض الشروط الأكاديمية لتيسير الولوج إلى المهنة، وتحديد المتطلبات المهنية والتقنية التي يجب أن يستوفيها الموزعون، بمن فيهم وسطاء التأمين، ومقاولات التأمين، ومكاتب العرض المباشر، والأشخاص المؤهلون للعرض الثانوي والمدمج، مع وضع سجل خاص بموزعي التأمين متاح للعموم.
وفي إطار رقمنة المعاملات، ينص مشروع القانون على إمكانية عرض عمليات التأمين عبر نظام إلكتروني للبيع عن بعد تحت مسؤولية المقاولة الموكلة، شريطة إخبار هيئة المراقبة مسبقا واتخاذ الإجراءات التقنية اللازمة للاعتماد. ويخضع الاكتتاب الرقمي لمنظومة تشريعية متكاملة تشمل قانون حماية المستهلك، وقانون حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، وقانون التبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، بالإضافة إلى أحكام قانون الالتزامات والعقود.
ولضمان الانضباط وتنافسية السوق، يقر المشروع نظاما صارما للمراقبة بعين المكان وعلى مستوى الوثائق تباشره الهيئة عبر مستخدمين محلفين يتمتعون بحرية الولوج إلى المحلات والأنظمة المعلوماتية، ملزما الموزعين بتقديم كافة الوثائق المطلوبة. وفي حالة تسجيل خروقات، يتضمن المشروع عقوبات إدارية تتراوح بين التحذير، والإنذار، والتوبيخ، والأمر بتصحيح أوجه القصور، وغرامات مالية، وتصل إلى إغلاق مكاتب العرض المباشر أو سحب الاعتماد والترخيص والفسخ الإجباري لاتفاقات التعيين. كما يفرض المشروع عقوبات جنائية سالبة للحرية وغرامات مالية ثقيلة في حق كل من يعرض أو يكتتب عقود تأمين بسوء نية دون حيازة الصفة القانونية أو دون اعتماد أو توكيل من مقاولة معتمدة.