«العيون عينيا… والساقية الحمرا ليا… والواد وادي يا سيدي»… هذا اللحن لم يكن مجرد أغنية، بل صدى لملحمة وطنية عظيـمة، رافق أفواج المسيرة الخضراء، وأشعل الحماس في النفوس. خلف هذا الإبداع الموسيقي، الذي سهرت مجموعة جيل جيلالة لساعات على تحضيره، يأتي فصل طويل من العمل والبناء. نصف قرن من مسيرة تنـموية صيغت برؤية متقدمة لتجعل من العيون اليوم مدينة تتنفس الحياة، وتكرس حضورها كقطب حضري راق. في هذه الحاضرة الكبرى للصحراء المغربية، يلتقي الماضي بالعصرنة، والحلم بالواقع، ليروي قصة وطن يسير بثقة نحو المستقبل. العيون تجربة حية شاهدة على كيف يمكن للرؤية التنـموية المتقدمة أن تتحول إلى واقع عبر نصف قرن من الإنجازات المستـمرة.. هنا، أصبح الحلم حقيقة ملموسة، تشرق بكل ألوان الازدهار.
الطاح.. محطة التاريخ
الرحلة إلى العيون لا تكتمل دون المرور بمحطة تحمل في طياتها عبق التاريخ وروح الوطن. إنها جماعة الطاح، الأرض الصغيرة من جهة المساحة، الكبيرة من جهة الرمزية، حيث كل زاوية فيها تشع بذاكرة المسيرة الخضراء، وتحكي ملحمة المجد والوحدة. كل من يسلك الطريق المؤدية إلى العيون يجد نفسه متوقفا للحظات أمام هذا المكان. يستحضر ملامح وروح محطة خالدة. هنا، بالطاح، تم خطو أولى خطوات التاريخ في ملحمة الوحدة الترابية، حين شهدت الجماعة اختراق «الحدود الوهمية» ورفع العلم الوطني، والسجود سجدة الشكر لله، التي أداها المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، طيب لله ثراه، بعد تحرير الأقاليم الجنوبية للمملكة. لقد منحت تلك اللحظات الخالدة جماعة الطاح مكانة خاصة في وجدان المغاربة، وربطتها ارتباطا وثيقا بذكرى المسيرة الخضراء. النصب التذكاري القائم اليوم يخلد هذه اللحظة التاريخية، ويذكرنا بالزيارة الملكية في 3 مارس 1985. كما أنه يظل شاهدا على تاريخ أقدم، منذ مرور السلطان الحسن الأول سنة 1886. يقف النصب التذكاري شامخا، كصفحة مضيئة في ذاكرة الأمة المغربية، يروي قصة ملحمة تاريخية وأحداثا وطنية لا تمحى من الذاكرة، مؤكدا أن الطاح ليست مجرد جماعة قروية، بل رمز خالد للوطنية، ومساحة مضيئة في ذاكرة المغرب الحديث. كل من يمر بالطريق التي تتوسط جماعة الطاح في اتجاه العيون، يجد نفسه مدفوعا للتوقف، ولو للحظات، أمام هذا الامتداد التاريخي. يقول عمر لقصير، حارس النصب: «يتوقف هنا يوميا العديد من الزوار في طريقهم إلى العيون. يلتقطون الصور، ويستحضرون المحطات الوطنية التي يخلدها هذا النصب التذكاري». وأكد عمر أن «رمزية المكان تترك شعورا لا يوصف»، مضيفا، بابتسامة يغمرها الفخر: «يعجبني كثيرا القيام بهذه المهمة». كل من يمر بالطاح لا يرى الطريق فحسب، بل يعبر ذاكرة وطنية حية، حيث يختلط عبق الماضي مع الحاضر، لتظل الجماعة رمزا خالدا للوطنية والانتماء.
حيــــــاة.. العيـــــــون
بهذه الحمولة التاريخية التي تبعث الفخر في النفس، وبعد قطع مسافة 68 كيلومترا، تلوح العيون في الأفق، كدرة تتلألأ في عمق الصحراء. تستقبلك بواباتها الثلاث، شامخة على هيئة خيمة، تحية للتراث الصحراوي العريق، ورمزا لعلاقة ضاربة الجذور بين الإنسان ورماله. ما إن تعبرها، حتى تشعر أنك في حضن الأصالة والحداثة معا، مدينة تعيش بين الذاكرة والمستقبل. في حي «لافونتي» القديم، أول نبضة في قلب المدينة، حيث البنايات ما تزال تروي حكاية البدايات. هنا، أثر أول استقرار بشري في منطقة كانت حياة الرحل سمتها الغالبة. يشهد على ذلك بيت بسيط شيده، في سنة 1934، رجل اسمه ميان البشير بويان ندور، مع شقيقه عطاف، في «حومة سوق الجاج»، بالقرب من عين مائية صغيرة، سميت في ما بعد «زنقة العين»، ومن هناك استمدت المدينة اسمها. من هذه النقطة المتواضعة، انطلقت شرارة التحول من رمال الترحال إلى استقرار دائم أسس لمدينة كتبت تاريخها بالحلم والعمل. العربي ولد النص، رئيس مركز السلام للدراسات السياسية والاستراتيجية (CELPAZ)، وأحد أبناء المدينة، يستعيد البدايات بنبرة يغمرها الحنين، قائلا: «كنا نعرف كل دار في المدينة، لم تكن الطرقات مبلطة، الرمل فقط والنية والكرم… اليوم، المدينة تكبر كل صباح». من شهادته البسيطة هاته يتجلى حجم التحول. فمن بين كثبان الرمل، ولدت مدينة الحدائق والميادين الواسعة والمباني الأنيقة. نصف قرن من البناء جعل من العيون قطبا حضريا عصريا، ومركز إشعاع في الجنوب المغربي. من ساحة المشور يمكن للزائر أن يلمس بوضوح هذا التحول النادر؛ خُضرة تكتسي المكان، عمران يجمع بين الحداثة والأصالة، وشوارع تنبض بالحركة والحياة. مدينة تتنفس التطور من دون أن تفقد ملامحها الأولى. العيون، كما يصفها أهلها، مدينة من طبقات ثلاث. الأولى، إرث من الحقبة الإسبانية، أُعيد ترميمها وتأهيلها بالكامل، بساحاتها وإنارتها وخدماتها العمومية. والثانية، التي بدأت مع حقبة المسيرة الخضراء سنة 1975 وكانت عفوية، بدورها أعيد تهيئتها بالكامل. أما الطبقة الثالثة، فهي المدينة الجديدة الممتدة من حي مولاي رشيد إلى الأعلى، والتي شيدت بتصور عصري وهيكلة معمارية بعيدة المدى، مع شوارع كبرى وأزقة واسعة. هذا التحول الذي شهدته المدينة لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية ملكية بعيدة المدى. فمنذ اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس العرش، أضحت الأقاليم الجنوبية في قلب المشروع التنموي للمملكة. وهو اهتمام ملكي كسبت منه العيون تحولها إلى نموذج حضري فريد، يجمع بين جودة الحياة وفرص الشغل والاستثمار في مجالات كبرى كالطاقة، واللوجستيك، والسياحة. يقول العربي ولد النص، في حديثه لـ «الصحراء المغربية»: «النموذج التنموي الذي أطلقه جلالة الملك سنة 2015 أعطى دفعة قوية للعيون. فالمدينة أصبحت لديها مؤهلات نادرة لا تتوفر حتى في المدن الكبرى». فعلا، كل زاوية في كبرى حواضر الصحراء تقول إن التنمية ليست شعارا، بل أسلوب حياة؛ ساحات خضراء، مؤسسات ثقافية، مسارح، ومرافق حديثة جعلت المدينة نقطة جذب واستقرار وحلم مستمر.
خضـــــرة ومــــاء.. ومنظــــر حســــــن
الخضرة والماء ليسا مجرد عناصر جمالية، بل روح الحياة الاجتماعية والترفيهية في المدينة. في كل حي تنتشر حدائق ومساحات خضراء، لتمنح السكان بيئة معيشية صحية وجمالية. وتعد الساحات العمومية والفضاءات الخضراء في العيون من أبرز معالم الحياة الاجتماعية والترفيهية في المدينة، حيث توفر للسكان متنفسا حقيقيا، وأماكن للاسترخاء. تضم المدينة حوالي 77 ساحة عامة مجهزة بمرافق مختلفة، مما يجعلها وجهة مفضلة لمختلف الفئات العمرية. كما تتوسط غالبيتها نافورات من ضمن أكثر من 40 نافورة تتوزع في الأحياء، من الكبرى في الميادين الرئيسية إلى الصغرى على طول الشوارع. تتميز هذه الساحات بتصميمها الفريد، بما في ذلك الإنارة العمومية المتناغمة والغطاء النباتي المتنوع، مما يخلق بيئة ملائمة للتنزه والأنشطة الرياضية، بالإضافة إلى ذلك، تحتوي هذه الفضاءات على ملاعب للأطفال ومرافق رياضية. ساحة "أم سعد"، مثال حي على هذا الإبداع الحضري، إذ تضم مساحات خضراء ومرافق عديدة تستقطب العائلات والشباب على حد سواء، مع توفير خدمة الإنترنت بالمجان. هذا المكان كان في الماضي مجرد واد بسيط، لكنه اليوم أصبح فضاء نابضا بالحياة. حين توقفنا مع العربي ولد النص في هذه الساحة، شاءت الصدف أن يلتقي صديق طفولته. استرجعا شريط الذكريات، وهما يتأملان الأطفال يلعبون على لوحات التزلج، والعائلات تستمتع بالخضرة، والمجسم الكبير للكرة الأرضية الذي يرمز إلى المدينة باعتبارها ملتقى حضارات وفضاء للعيش المشترك. قال العربي مبتسما لصديقه: "هنا كنا نسبح في الواد… واليوم صار هذا الفضاء جذابا بمعايير جمالية استثنائية، موسيقى وخضرة وفرح". وأضاف: "التحول كبير، ويظهر مدى التطور الذي تشهده العيون". اليوم، المدينة تعيش حاضرها بثقة، وتبني مستقبلها على تاريخها الغني، ماضية في رحلة التحول الحضري والتنمية المستدامة. لقد عرفت العيون كيف تحافظ على ذاكرتها وهي تعانق الحداثة. من بيت صغير على ضفاف وادي الساقية الحمراء، إلى حاضرة متوهجة بالبناء والجمال. لتستمر القصة بصوت الماء الذي لم ينقطع، وكأنه يروي سرها الأبدي.
العيون.. المتجددة
بهذه القفزة الحضرية، تأسر العيون الأنظار. المدينة تتألق بجمالية فضاءاتها العمومية وروعة تصميمها، حيث تتجلى لمسة الإبداع والابتكار في كل زاوية. شوارعها تتزين بأعمدة إنارة تضفي على المشهد رونقا نهارا وليلا، ومساحات خضراء تتخلل كل حي، لتصبح العيون واحة حقيقية في قلب الصحراء. البنايات الحديثة تنسجم بانسيابية مع الطابع الصحراوي، ساردة قصة تحول فريد يجمع بين أصالة الماضي وعراقة التاريخ وحداثة المستقبل الواعد. ورغم ما حققته العيون من تطور هائل، فإن نهضة البناء والتنمية بها لا تتوقف. فهي اليوم عبارة عن ورش مفتوح، حيث تتواصل مشاريع تحديث البنية التحتية، وإحداث أحياء جديدة، وتحسين شبكات الماء والصرف الصحي، وتهيئة أرصفة وممرات للمشاة والدراجات، وإنشاء مرافق تعليمية وصحية حديثة. كل زاوية هنا تحمل بصمة التقدم، وكل شارع يحكي قصة استثمار في حياة السكان وجودة عيشهم. اللافت في هذا المشهد التنموي الحضري هو تكامل الرؤية. فوسط الاستثمار في الحجر والطرق، يظهر الاستثمار في الإنسان، وفي شباب المدينة. الجولة في أرجاء العيون تكشف لك عن مدينة رياضية وثقافية حية داخل مدينة عمرانية، تتوزع فيها 108 ملاعب، و6 مسابح مغطاة، وملعب أولمبي لاستضافة التظاهرات الكبرى، إلى جانب مدينة رياضية متكاملة احتضنت فعاليات قارية. في قلب ساحة "أم السعد"، يطل مسرح بتصميم عالمي، قيد الإنشاء، تقابله مكتبة ومعهد موسيقي، لتصبح هذه الساحة جوهر المدينة الثقافي والفني والترفيهي. الكليات والمعاهد تتعدد بتنوع التخصصات، موفرة فرص تكوين تتماشى وحاجيات سوق الشغل. بينما تحولت الأسواق التقليدية إلى فضاءات نموذجية أنيقة ومنظمة، تجمع بين الجمال المعماري المحلي والكفاءة في الخدمة اليومية للسكان. أما المشاريع الاستراتيجية الكبرى، فهي ترسم فصلا آخر في قصة العيون، لتصبح قطبا استثماريا عالميا مفتوحا على العمق الإفريقي. جسر الساقية الحمراء الكبير يبرز شامخا كرمز للتقدم والبنية التحتية الحديثة، فيما ينتظر الجميع افتتاح المركز الاستشفائي الجامعي تزامنا مع الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، ليضيف بعدا جديدا للخدمات الصحية في المدينة. وفي قلب النشاط الاقتصادي، يقف ميناء العيون الفوسفاطي الضخم، بوابة تنمية جديدة للمنطقة، مصحوبا بتوسعة الميناء التجاري لتعزيز الحركة الاقتصادية وربط المدينة بالعالم. كل هذه المشاريع الضخمة تشكل أوراشا حية للتنمية، تمنح المدينة دفعة قوية نحو المستقبل وتروي قصة طموح متواصل. عيون الحاضر تحضن، أيضا، الطاقات المتجددة، مع أكبر حقول للطاقة الريحية والطاقة الشمسية في المملكة، لتكون بذلك نموذجا متكاملا للتنمية المستدامة. فعند استرجاع الأقاليم الجنوبية إلى حظيرة الوطن الأم، لم تتجاوز القدرة الإنتاجية للطاقة الكهربائية 7 ميغاواط، بينما اليوم، تمتلك المدينة احتياطيا يكفيها لنحو 100 سنة، والمياه متوفرة بما يكفي للاستهلاك العادي لمدة تصل إلى 40 سنة، رغم تحديات الجفاف. وسط هذه المشاريع الاستراتيجية، تفيض العيون بالحياة اليومية بكل تفاصيلها. الأطفال يركضون بين الحدائق، والعائلات تستمتع بالمساحات الخضراء، بينما تتلألأ النافورات كجواهر متناثرة في الأحياء. بهذه الحاضرة الكبرى، يعيش السكان التطور والتحديث وكأنهما لوحة حية، تتناغم فيها الطبيعة مع العمران، والماضي مع الحاضر، لتحكي قصة مدينة اكتملت فيها عناصر الحياة، ويصبح المستقبل فيها وعدا ملموسا يلمسه كل من يخطو على أرضها.
السير على الدرب
العيون تقود قاطرة التنمية في الجهة، وعلى دربها تسير بوجدور، لتصبح بدورها قطبا حضريا متكاملا. أما طرفاية، فتخطو خطواتها الأولى نحو التحديث، فيما التحقت السمارة بالركب، لتشارك في مسيرة التحول الحضري والاقتصادي. هكذا المسار، ودورة أكتوبر لمجلس الجهة أعطته دفعة أخرى. فبحضور حمدي ولد الرشيد، رئيس الجهة والوالي العيون – الساقية الحمراء، عبد السلام بكرات، أطلقت سلسلة مشاريع جديدة. ليست مجرد أوراق على طاولة، بل خطوات ملموسة نحو جهة قوية وحياة أفضل لسكانها. جرت المصادقة على اتفاقيات التأهيل الحضري، حيث أخذت العيون حصتها لـ (2024-2027) بميزانية 380 مليون درهم، منها 158 مليون مساهمة من مجلس الجهة، فيما حظيت بوجدور بمشروعها الخاص بميزانية 79.3 مليون درهم، والسمارة 139 مليونا، منها 40 مليون مساهمة. ولم تقتصر الرؤية على الحدود المحلية، فقد وقعت اتفاقية إطار مع مقاطعة سان لويس في السنغال، لتصبح جسرا للتعاون في الاستثمار، والصيد البحري، والفلاحة، وإدارة المياه، والطاقة المتجددة، مؤكدة أن المدينة والجهة تنظران إلى العالم بعين مفتوحة وفرص لا محدودة. العيون، بجدارتها، مثال حي على كيفية الجمع بين التاريخ العريق والطموح المستقبلي، بين المدينة التي تنبض بالحياة والجهة التي تتطور، لتصبح كل خطوة فيها، وكل مشروع ينجز، جزءا من قصة حضارية يرويها الواقع بعين حية وبأفق مزدهر. بين ماض محفوظ في الذاكرة وحاضر يزدان بالعمران والجمال، تواصل العيون رسم مسيرتها التنموية بخطى ثابتة ورؤية حضرية متبصرة. لتصبح وجهة حضارية راقية تليق بتاريخها ومكانتها كعاصمة للأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية.