قال إدريس لكريني أستاذ العلاقات الدولية ومدير مجموعة الدراسات الدولية وتحليل الأزمات بكلية الحقوق، في جامعة القاضي عياض بمراكش، إن الأزمة الناجمة عن جائحة كوفيد 19، التي يمر منها المغرب والعالم بأسره، تقتضي الوقوف عند الإشكالات التي طرحتها والدروس التي يمكن استخلاصها واستيعابها بصورة تجعل المغرب قادرا على تحويل هذه الأزمة إلى فرصة حقيقية لتحصيل المستقبل وتجاوز مجموعة من الاختلالات التي ظهرت في هذا الخصوص.
وأضاف لكريني في تصريح خص به "الصحراء المغربية" أنه بعد مرور سنة على التدابير والإجراءات الاحترازية والوقائية التي اعتمدها المغرب منذ ظهور أولى الحالات، يمكن استخلاص مجموعة من النتائج والخلاصات التي تقربنا من الأسلوب الذي اعتمده المغرب على مستوى تدبير الجائحة، مشيرا إلى أن المغرب كان من الدول السباقة الى اعتماد تدابير صارمة وجريئة بالصورة التي تبين فيها أنه جرى تفضيل الأمن الصحي للمغاربة وحماية الأرواح على حساب مجموعة من المصالح الاقتصادية وغيرها.
وفي هدا الصدد، استحضر لكريني مجموعة من التدابير الصحية والاحترازية، المتمثلة أساسا في إغلاق المجال الجوي للمملكة وحدودها، ومنع التظاهرات الرياضية والثقافية، وإغلاق جميع المدارس والجامعات واعتماد التعليم عن بعد، وحظر التنقل بين المدن.
وأوضح لكريني أن المغرب تمكن من تدبير محكم للجائحة خصوصا على مستوى الاستمرار في مواكبة انتشار الوباء واتخاذ تدابير مرحلية مرتبطة بفرض إغلاق جزئي في عدد من المدن وجعل التنقل مشروطا بمجموعة من التدابير الإدارية، بالإضافة إلى استنفار مجموعة من العناصر الطبية والأمنية والعسكرية لمواكبة الجائحة، مؤكدا في هذا السياق، أن المغرب استطاع تدبير الجائحة بقدر كبير من الكفاءة مقارنة بعدد من دول الجوار.
وبعد أن أشار إلى أن الأزمة الصحية كانت لها تداعيات اقتصادية واجتماعية ونفسية، أكد لكريني أن المغرب استحضر التبعات الفرعية للازمة، وهذا يبرز وعي المغرب بضرورة الموازنة مابين تحقيق الأمن الصحي للمواطن وفرض تدابير الإغلاق من جهة، واستحضار المتطلبات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية للمواطن، وذلك من خلال تقديم بعض المساعدات لبعض الفئات المتضررة بشكل مباشر من الجائحة، خصوصا الفئة التي فقدت الشغل.
وتوقف لكريني عند الإجراءات التي تم اعتمادها فيما يتعلق باتخاذ تدابير عاجلة ذات طابع طبي من خلال فتح مجموعة من المستشفيات الميدانية وتعزيز المتطلبات الطبية ببعض التجهيزات المتعلقة بالتنفس الاصطناعي وجلب مجموعة من التقنيات والآليات ذات الصلة، مشيرا إلى الانخراط الجاد للمقاولة المغربية في هذه الدينامية على مستوى توفير الكمامات والمعقمات بصورة كافية، حيث حقق المغرب سبقا مهما مقارنة مع مجموعة من الدول التي لها من الإمكانيات والقدرات ما يفوق إمكانيات المغرب.
وأكد لكريني أن كل هذه المبادرات كانت بإشراف ملكي على اعتبار أن الأمر يتعلق بأزمة عالمية، حيث كانت هناك مواكبة لكثير من التدابير والإجراءات سواء تعلق الأمر بالإجراءات المتعلقة بالجوانب الصحية والاجتماعية والاقتصادية، مبرزا أن مجمل الخطب الملكية التي كانت خلال هذه الفترة أعطت الأولوية للأمن الصحي للمواطن وتبرز أن هناك مواكبة جدية لتطور الأمور عن كتب من خلال إرسال مجموعة من التوجيهات لمختلف الفاعلين سواء تعلق الأمر بالحكومة أو البرلمان أو الفاعل المحلي تعكس الوعي بضرورة التعاطي مع هذه الأزمة بصورة تشاركية.
وأوضح أستاد العلاقات الدولية، أنه في الوقت الذي اختارت فيه الكثير من الدول الانكفاء على ذاتها تحت ضغط الجائحة مستحضرة مصالحها الضيقة، أطلق الملك محمد السادس مبادرة راقية تعكس التوجه المغربي الحقيقي نحو إفريقيا، حيث تم إرسال مجموعة من المساعدات، التي تتضمن أدوية وكمامات ومستلزمات طبية ووقائية من فيروس كورونا المستجد، إلى 15 بلدا إفريقيا جنوب الصحراء، وهو ما لقي ترحيبا كبيرا في أوساط هذه البلدان،وتنويها بهذه الخطوة التضامنية النبيلة، فيما أشادت منظمة الصحة العالمية من جانبها بهذه المبادرة، مشيدة بالمبادرة الملكية، ومؤكدة على أهمية التضامن الإنساني لمواجهة تداعيات الجائحة.
وحسب لكريني، فإن هذه المبادرات الملكية تؤكد على جدية انفتاح المغرب على محيطه الإفريقي، وعلى الرغبة في تعزيز العلاقات بين الجانبين، وهي خطوات ستسهم حتما في تمتين هذه العلاقات وتطويرها، بما ينعكس بالإيجاب على المصالح الإستراتيجية للمغرب.
وأضاف مدير مجموعة الدراسات الدولية وتحليل الأزمات بكلية الحقوق بمراكش، أنه مع ظهور أولى البشائر المتعلقة بإنتاج اللقاحات المضادة للفيروس من طرف مختلف الشركات العالمية، كان المغرب سباقا إلى توقيع مجموعة من الاتفاقيات سواء مع الصين أو بريطانيا في سبيل الاستفادة من اللقاح وجعل المغرب من ضمن الدول الأولى المستفيدة من هذه اللقاحات من خلال اختياره لقاحي "أسترا زينيكا" و"سينوفارم" واعتماد برتوكول علاجي أثبت نجاعته في مواجهة الوباء، وهو ما جعل المغرب من ضمن الدول الأولى التي أرست إستراتيجية متطورة ودقيقة في تمكين فئة عريضة من المواطنين المغاربة من التلقيح.
وأشار إلى بعض السلبيات التي أظهرتها الأزمة الصحية لكوفيد 19، كما هو الشأن بالحاجة إلى تنظيم منظومة التعليم وخصوصا تطوير البنيات الأساسية في هذا الخصوص وإرساء تعليم عن بعد موازي للتعليم التقليدي بصورة احترافية ومتكاملة توفر التقنيات اللازمة وتدعم الكفاءات البشرية في هذا الخصوص، وضرورة إعطاء الأهمية لقطاع البحت العلمي من حيث تشجيعه وتطوير آليته بصورة تواكب المخاطر والإشكالات المطروحة، والحاجة الماسة إلى تطوير المنظومة الصحية على مستوى الآليات والبنيات التحتية والموارد البشرية.
وخلص لكريني إلى القول أنه بالرغم من استمرار الجائحة وتداعياتها على المستوى الوطني والدولي، فإن المغرب استطاع ان يوازن بين المحافظة على الأمن الصحي للمواطن انطلاقا من أرقام الرصد الوبائي التي تعلن عنها السلطات الصحية والتي تبرز بأن هناك تحكما كبيرا في الجائحة، سواء على مستوى الإصابات وعدد الوفيات، ومن ناحية أخرى اعتماد بعض التدابير التي تفتح المجال أمام مختلف الفئات والفعاليات لمزاولة أنشطتها بصورة تدعم انتعاش الاقتصاد الوطني وعدم تضرر مجموعة من الفئات الاجتماعية بهذا الخصوص.