بورقية: العنف داخل الملاعب ظاهرة اجتماعية تعكس السعي إلى الظهور واعتراف الآخرين

الصحراء المغربية
الأربعاء 31 يناير 2018 - 09:56

كشف البحث السوسيولوجي الذي أجراه عبد الرحيم بورقية، باحث في علم الاجتماع، عن مجموعة معطيات حول ظاهرة العنف الممارس داخل الملاعب، ضمها في مؤلفها الجديد "مشجعون في المدينة..جانب من العنف الحضري".

في الحوار التالي، يتحدث عبد الرحيم بورقية، باحث في علم الاجتماع، عن أن الظاهرة تتمظهر في أعمال عنف لفظي ورمزي وجسدي، يمارس من قبل فئة من الأطفال والشباب، أغلبهم يشكون وضعا اجتماعيا ونفسيا واقتصاديا يتسم بالهشاشة.

في ما يلي، يقدم بورقية تفاصيل كثيرة حول أسباب الظاهرة ودوافعها، والقاسم المشترك بين المشجعين العنيفين، قبل عرض خلاصات المؤلف التي ترمي إلى علاج مسببات الظاهرة وتجفيف منابعها.

 

* كيف جاءت فكرة اختيار ظاهرة العنف الممارس في الملاعب كموضوع سوسيولوجي لمؤلفكم "مشجعون في المدينة..جانب من العنف الحضري" الصادر باللغة الفرنسية؟

تأتي فكرة هذا المؤلف، تبعا للبحث الميداني الذي منت أنجزته، في إطار تحضير دكتوراه في العلوم الاجتماعية، تحت إشراف الأستاذ حسن رشيق، والذي يحمل عنوان "جوانب من العنف الحضري.. مشجعين وسط المدينة"، وهذا الكتاب هو جزء من هذا البحث الميداني، الذي يتطرق بالتفصيل للعنف والشغب الذي يرافق ظاهرة ما يعرف بـ"الألترا" ومشجعي كرة القدم.

 

* ماهي القضايا التي كشف عنها بحثكم حول الظاهرة، من حيث مسبباتها ودوافعها؟

من بين ما كشف عنه البحث، أن الظاهرة، تشكل، في مجملها، نمطا جديدا من التعبير عند فئة واسعة من المجتمع، تعبر عن انشغالات الشباب الذكور، في معظمهم، المنحدرين من الطبقات الشعبية والمتوسطة، يسعون إلى الظهور والحصول على اعتراف الآخرين بهم، من قبل مجموعات منافسة تساند الفرق الوطنية الأخرى، إلى جانب سعي هذه الفئة من الشباب، إلى نزع اعتراف الدولة والمجتمع ككل بهم.

هذا الشكل من التعبير، جذب حماس وتشجيع الآلاف من المؤيدين، الذين وجدوا فيه جوا غير معتاد، نسج الألفة الاجتماعية، بعيدا عن الأحزاب السياسية والجمعيات الكلاسيكية، كما خلق فضاءات عمومية مفتوحة ينخرط فيها كل من يرغب في ذلك، دون تمييز اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي. وتؤشر هذه المعطيات، صعوبات الاندماج المجتمعي، التي تعتري فئة من مكونات المجتمع وما يوجد عليه الشباب والمراهقون وأطفال الطبقات الشعبية.

سوسيولوجيا، ما القاسم المشترك بين عناصر هذه المجموعات؟

مشجعو "الإلترات" تجمعهم رموز وطقوس وقيم جديدة ونمط ثقافي مختلف، يصفها عموم الملاحظين بأنها منحرفة، لما تنتجه من صراع رمزي، يمكن، في بادئ الأمر، أن يتطور إلى مواجهة بين مجموعات متعصبة.

 البحث الذي أجريناه، يقدم تأملات تعطي الأولوية في الفهم، لتقديم الاتحاد العاطفي والذهني القوي لفهم المشجع والمشجعين، خاصة أن ظاهرة "الإلترا" لها نصيبها من العنف الذي يبقى الجزء الأكثر وضوحا والمتداول إعلاميا.


*ما هي ملامح ظاهرة الشغب الرياضي من الناحية الاجتماعية؟

تتجلى ملامح الشغب في ارتكاب أفعال وممارسة العنف اللفظي والرمزي، وقد يتعداه الى ممارسة اعتداء وعنف جسدي والسرقة، وإلحاق أضرار بدنية ونفسية بالآخرين، سواء كانوا من المشجعين المنافسين، أو أمنين وحراس الملاعب. يمارس العنف والشغب، في كثير من الأحيان، داخل الملعب ويتعداه إلى نقاط أبعد من محيطه، ويمكن أن يمارس خلال المسار الذي يقطعه المشجع المشاغب، انطلاقا من حيه السكني وصولا إلى الملعب، حيث يقدم المشجعين العدوانيين والقاصرين على تحطيم زجاج المباني والمؤسسات وتكسير الحافلات والتراشق بالحجارة.

 

*ما هي طبيعة الأسباب، التي توصلتم إليها بخصوص، وراء ولوج المشجعين إلى الملاعب؟

تتعدد أسباب ولوج المشجعين إلى الملاعب، بحسب نوايا كل مشجع، وقسمتها الدراسة إلى أنواع، فئة لا تخرج عن إطار الروح الرياضية والشغف والولع بالكرة ساحرة المستديرة، هدفها بالأساس تشجيع فريقها وبث الحماسة فيه وخلق الفرجة والمتعة الكروية، في حين تمثل التصرفات اللارياضية، الشق الثاني من هذه الأسباب، إذ تشهد طغيان السرقة والتخريب وممارسة العنف اللفظي والجسدي، خصوصا مع ما يعتري مباريات الكرة من مشاكل ضبط الأمن واستتبابه.

 

*من هي الفئة المعنية بممارسة هذا النوع من العنف، وفقا لدراستكم؟

جل المنخرطين في الشغب والعنف، هم مراهقون وشباب، تتراوح أعمارهم بين 13 و21 سنة، لا يتوفرون على آفاق مستقبلية، يتحدرون من أسر فقيرة ومعوزة، بعضهم لا يتوفر على شروط العيش الكريم، ومنهم المنقطعون عن الدراسة ومن يرتاد الأقسام الدراسية، ومنهم أيضا من يمتهن الأعمال اليدوية، يعيشون في أحياء هامشية، حيث تواجه إكراهات يومية.

الخلاصات توصلت إلى أن زاوية التهميش والإقصاء مسؤولة بشكل كبير عن هذه الآفة، ولذلك، فإن مجابهة هذه الآفة المجتمعية، بشكل عقلاني، تستوجب العمل على تشخيص ومعالجة الأسباب الحقيقية وتجفيف مصادر الخلل الاجتماعي.

 وإضافة إلى المقاربة الأمنية والزجرية، يجب الاشتغال على تحقيق المساواة، وتحقيق العدالة الاجتماعية وحماية المصلحة العامة، ورفع مستوى عيش الأسر الفقيرة التي تعيش الهشاشة، وإعادة النظر في الدور التربوي للمدارس العمومية، ودعم دور الشباب وفرق الأحياء وتسهيل الولوج إلى المراكز الرياضية والثقافية.

 هي توصيات وقوانين تحتاج إلى التنفيذ، لكي تنسجم مع روح العصر وتنعكس على استتباب الأمن بكل أنواعه، الذي يوازي الازدهار الثقافي والمعرفي والاقتصادي لبناء مجتمع متين وحضاري. 

 

* ما هي أبرز خلاصات بحثكم، وإلى من تودون توجيهها؟

لأجل فهم أعمق لظاهرة "الألترا"، أقترح ضرورة التعاطي الشمولي معها، أي أنه لا ينبغي الاقتصار على فهم الظاهرة كمسألة فئوية أو قطاعية، بل يجب طرح التصور الأمثل للفهم الاجتماعي، لأن فضاء الملعب يبقى نموذجا للمجتمع، كنسق كلي، خصوصا مع ما يعتري بعض المراهقين في المجتمع وصغاره وحتى بعض شبابه من اضطرابات نفسية ومواجهتهم لإكراهات اجتماعية، تجعل بعضهم يمر بفترات انحراف ويأس وخوف.

وهي كلها عوامل تسبب احتقانا لدى هذه الفئة، التي لا تجد بدا أو ملجأ آخرا للتنفيس عن غضبها وعن كل ما يختلج في دواخلها، إلا فضاء الملعب، بوصفه المتنفس الوحيد.

العنف المذكور، هو تحصيل لعنف مجتمعي، أسري، مؤسساتي وغيرهم، إذ أضحى العنف يمارس في العديد من الأماكن. والعنف الذي نلاحظه عند بعض المشجعين الشباب والمراهقين والجانحين، الذين يقصدون الملعب، ما هو إلا رد فعل عن العنف الممارس عليهم ولشعورهم بالتهميش والإقصاء، وهذا ما يتضح من خلال تأمل وضعهم الاجتماعي الهش، وحالتهم السوسيو اقتصادية.

 

*هل تجدون أن خلاصات بحثكم تتوافق، إلى حد ما، مع رؤية الكاتب الفرنسي "غوستاف لوبون" في مؤلفه "سيكولوجية الجماهير"؟

يمكن الاستشهاد بفكرة "غوستاف لوبون" حول انصهار المشجعين في كتلة وروح واحدة وعاطفة مشتركة تقضي على التمايزات الشخصية وتخفض من مستوى الفردانية والملكات العقلية، إذ أن المشجع يشعر بالاطمئنان عند وجوده مع الجمهور، ويعتبرها فرصة الانصهار داخل المجموعة تمكنه من المغامرة والمخاطرة.




تابعونا على فيسبوك