اعتبر الباحث المتخصص في الحركات الإسلامية بلال التليدي أن مراكز البحث الأمريكية تعاني أزمة النموذج المعرفي في تعاطيها مع ظاهرة الإسلام السياسي بالعالم العربي والإسلامي، بسبب اعتمادها أدوات منهجية وتحليلية من خارج الظاهرة المدروسة.
أبرز الباحث، خلال لقاء، نظم أول أمس الثلاثاء بقاعة حيفا، ضمن فعاليات الدورة الحادية والعشرين للمعرض الدولي للنشر والكتاب، خصص لعرض إصداره الجديد "الإسلاميون ومركز راند: دراسة في ورقة الإسلام المدني الديمقراطي" (مركز نماء للبحوث والدراسات، 2015)، أنه من خلال اشتغاله على رصد كيفية تعامل هذه المراكز، التي يصفها بكونها "مستودعات للتفكير" مع المنتج الفكري لحركات الإسلام السياسي، لمس وجود مجموعة من الأعطاب المنهجية، سواء على مستوى الفهم أو على مستوى أدوات الإنتاج المشكلة للنموذج المعرفي الحاكم في الغرب في قراءته للظاهرة الإسلامية وخصوصية النص الديني.
والباحث، وإن كان قد وقف على أهمية الدراسات التي تصدرها المراكز البحثية بالولايات المتحدة الأمريكية، والتي تتجاوز حد التوصيف إلى تقديم مقترحات وتقديرات يعتمد عليها صناع القرار السياسي والأمني في تحديد استراتيجيات التدخل، حدد مكامن العطب في اعتمادها بالأخص على مقاربة نسقية وظيفية تقوم على تصنيف الفاعلين الدينيين إلى تيارات تعتبر أنها المنتج الأساس للفكر الديني، وعجزها عن تحديد العلاقة التي تربط السلطة بالدين داخل المجتمعات الإسلامية.
وفي هذا الصدد، ذهب إلى أنه من الصعب ربط مخرجات التدين بفاعل ديني واحد، بل هو ممارسة جماعية وحقيقة تاريخية ممتدة، مضيفا أن للسلطة موقعها أيضا ضمن صيرورة التفاعلات الدينية، وهو ما تغفله مراكز البحث سيما في الشق المتعلق بدورها في إفراز الفاعلين الدينيين.
وفي ما يتعلق بمركز "راند" موضوع الدراسة، أوضح الباحث أن المركز، وضمن التجاذبات القائمة بخصوص طريقة التعاطي مع تيارات الإسلام السياسي بين من يرى أهمية إدماجها في التحولات الديمقراطية بالمنطقة، ومن يرى ضرورة اجتثاثها، باعتبارها منبعا لنشر التطرف الديني، يميل إلى دعم شبكات الاعتدال الديني، وتعميم تجربة الولايات المتحدة في تعاملها مع التيار الشيوعي، دون أن يجيب عن سؤال محوري يتمثل في قدرة هذا النموذج على النجاح في واقع مغاير من حيث أدبياته الدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية.
ويرى المركز، انطلاقا من تصنيفه للتيارات الفكرية الإسلامية إلى أربعة رئيسية (المتطرفة، التقليدية، الحداثية،العلمانية)، أنه على واشنطن أن تعمل على إعادة ترتيب خانة التوازنات، وفك الارتباط بين التيارات التقليدية والأصولية، ومحاصرة التيار الديني المتطرف عبر تدعيم العناصر المستنيرة في الثقافة التقليدية، وتشجيع التحالف مع التيار المدني، وعدم التعويل على التيار العلماني لكون أطروحاته تتسبب في ردات فعل قوية داخل العالم الإسلامي.
ويأتي هذا الإصدار، وهو الثاني بعد " الإسلاميون ومراكز البحث الأمريكية" (2014) ، والذي يعرض لأدبيات مركزي واشنطن وكارينجي في تحليلها لظاهرة الإسلام السياسي، ضمن مشروع بحثي للكاتب يروم متابعة الظاهرة الإسلامية وكيفية تعامل مراكز الأبحاث الغربية مع هذه الظاهرة، في محاولة منه لرصد المفهوم الغربي، وخاصة الأمريكي، لمفهوم الاعتدال الديني وتحديد شروط هذا الاعتدال.
وتجدر الإشارة إلى أن مركز "راند" للأبحاث، هو مؤسسة بحثية أسست في عام 1948 كمؤسسة تابعة لسلاح الجو الأمريكي، وتعمل في مجال دراسات الأمن القومي على الخصوص، لها فروع بعدة دول بالعالم، أصدر ورقتين في موضوع الحركات الإسلامية، هما "الإسلام الديموقراطي المدني" (2004)، و"بناء شبكات إسلامية معتدلة" (2007).