مبدع مغربي، حالم من دون سقف، ومن دون قيود، رأى النور في مدينة الدرويش، في ثمانينيات القرن العشرين، ونشأ في مدينة طنجة، حيث نبتت ونمت أجيال أحلامه الأولى. وأحب الروايات العربية وتأبطها مبكرا، معتبرا نفسه تلميذا لنجيب محفوظ ولأغاثا كريستي وشكري وكارسيا ماركيز ولآخرين من مبدعين عالميين.
دخل عالم الكتابة مبكرا، متأثرا بمبدعين كبار، عشق كنفاني لأن نصوصه تسبب الرعب خاصة في "رجال تحت الشمس"، وتاه في عوالم أغاثا كريستي لأنها سينما مكتوبة على صفحات رواياتها البوليسية، وسافر بعيدا في الحلم مع أبطال نجيب محفوظ بالأبيض وبالأسود وبالألوان أيضا، وبحث عن أصول الديانات في قراءاته لإبداعات يوسف زيدان، وتوقف كثيرا أمام نصوص العملاق المغربي عبد الله العروي في أعماله.
إنه الصحافي والكاتب المغربي عادل الزبيري، الذي أصدر، أخيرا، باكورة أعماله "زمن العرفان"، وهو كتاب ينتمي إلى خانة الأحلام الإبداعية المؤجلة، وإلى ورود الحياة التي نمت مع توالي سنوات الدراسة، وإلى التحولات من تلميذ إلى طالب، فصحافي مهني ممارس يبحث عن طريق الاستمرارية.
عن"زمن العرفان" وهموم الكتابة وواقع الإبداع في المغرب يفتح الزبيري قلبه لقراء "المغربية" في الحوار التالي:
من السهل بعد تراكم الزمن، في تعلم وممارسة مهنة الصحافة، إتقان لعبة طرح الأسئلة، ومحاولة محاصرة الضيف في قضايا الحوار، وأعتقد أنني تعودت ولو بوتيرة أقل، أن أنتقل بين الفينة والأخرى إلى كرسي المحاور (بكسر الواو)، وأبتعد ولو قليلا عن كرسي المحاوِر (بفتح الواو).
أنا مواطن مغربي، حالم من دون سقف، ومن دون قيود، أنتمي إلى برج الأسد، وأنا أمازيغي من مدينة الحسيمة، فوالدي ينتميان لقرية اسمها إزلوكن في قبيلة بني بوفراح، ورأيت النور في مدينة الدرويش، في ثمانينيات القرن العشرين.
وبعد انتقال عائلتي بحثا عن العمل، نشأت في مدينة طنجة، وفيها نبتت ونمت أجيال أحلامي الأولى.
وأحببت مبكرا وتأبطت الروايات العربية، وأعتبر نفسي تلميذا لنجيب محفوظ ولأغاثا كريستي ولمحمد شكري ولغابرييل كارسيا ماركيز ولآخرين من مبدعين عالميين.
لن أتهم أحدا، وبكل حرية شخصية ورطت نفسي بكامل الإرادة، لأن الكتابة تعني أولا، القدرة على التعبير، وثانيا إشراك الآخر في الفكرة، وثالثا انتظار ردود الأفعال من القراء.
دخلت الكتابة مبكرا، بمحض الإرادة، عبر محاولات هنا وهنالك، للأسف في المغرب لا نتوفر على مناخ يشجع على الكتابة، بل إنه مناخ محبط جدا، وكثيرون عجزوا وسط هذا المناخ، على القيام باقتراف أي فعل إبداعي جميل، وعصرني داخليا الإحباط، وتصارعت معه طويلاً، وهي معركة فيها منطق تبادل الربح والخسائر.
فللكتابة في المغرب، يجب التحلي بصبر طويل، والتوفر على إرادة حديدية، وعلى قدرة على إيصال الفكرة من عالم الحلم إلى عالم التحقق الواقعي، لأننا في المغرب لا نؤمن بالآخر، ونمارس ثقافة الإقصاء ونمؤسسها، فالأسماء الثقافية نفسها في الواجهة منذ عقود، وهنا أطرح السؤال: هل المغربيات لا يلدن مبدعين ومبدعات؟
هي نصوص تنتمي إلي وأنتمي إليها، أي أنها شهادة على مرحلة من العمر وعلى مكان محمل بالدلالات، إنه المدينة الجامعية للرباط، وهي توثيق بالنص لأشياء ولذكريات محفورة في الذاكرة وفي الروح.
أفضل الابتعاد عن الأجناس التقليدية، ولتبقى نصوصا يمارس كل قارئ تصنيفه الشخصي لها، الذي يراه مناسبا في سياق التفاعل مع النص.
بالنسبة للشق الأول من السؤال، لا أستطيع تقييم نفسي، وأترك هذا الأمر لوجهة نظرك وللقراء.
وبالنسبة للشق الثاني، أؤكد أن الأماكن والأزمنة تسكنني طويلا، فأنا أنتمي للزمكان إذا صح التعبير، وأتأثر كثيرا بكل الأماكن التي أمر منها ولو لفترة وجيزة، وأتأثر بالأزمنة وتحفر في أعماقي ذكريات تعيش معي.
تأثرت بكثيرين، ويصعب علي استحضارهم جميعا دفعة واحدة، وأحببتهم كما هم، كتابا مبدعين يصنعون للحلم متسعا بين الصفحات، عشقت غسان كنفاني لأن نصوصه تسبب الرعب خاصة في "رجال تحت الشمس" فأصاب بالاحتراق كقارئ مع الأبطال، تهت في عوالم أغاثا كريستي لأنها سينما مكتوبة على صفحات رواياتها البوليسية، وسافرت بعيدا في الحلم مع أبطال نجيب محفوظ بالأبيض وبالأسود وبالألوان أيضا، وبحثت عن أصول الديانات في قراءاتي لإبداعات يوسف زيدان.
أستحضر روائيا مغربيا لم يأخذ حقه تحت الأضواء، وجدت في رواياته أحلاما وردية ودميلة، اسمه كمال الخمليشي، أبدع أعمالا أهمها "الإمام"، فللأسف إعلامنا لا يصنع الأسماء الجميلة ولا يروج لها.
أقرأ في المغرب للأسماء الجديدة، فكلما عثرت على كتاب يستحق لا أتردد، إلا أن الرواية والإبداع في المغرب في غرفة العناية، وتهيمن عليها أسماء لا تريد ترك مكان لآخرين، وبالنسبة للكتابات السياسية والتاريخية هنالك أسماء كثيرة تستحق كل قراءة وكل الوقت للسفر عبر كتبها، ودون ذكر كثير من الأسماء، فأنا أعترف أنني أقف دوما أمام نصوص العملاق المغربي عبد الله العروي في أعماله.
دون ذكر للأسماء، فلدي أصدقاء وصديقات من المبدعين الشباب، نعرف بعضنا جيدا، ونتقاسم قراءات للواقع الثقافي والأدبي، وأقرأ لهم نصوصا متقطعة، وأنتظر كتبهم تنشر ورقيا لأضمها لمكتبتي الشخصية في منزلي.
الإجابة هي لا خطوط حمراء في الكتابة لأنها تجسيد للحرية من خلال الكلمة.
تحولت مدينة طنجة إلى عاصمة مغربية جديدة للإسمنت، تراجعت المكتبات وأغلقت أبوابها. ولا تتوفر حاليا شروط موضوعية في ظل فشل المدرسة العمومية، لعودة الأزمنة الجميلة لطنجة إبداعيا، ولو أن ثمة شباب في طنجة يصارعون ليستمر الكتاب على قيد الحياة، وفي الصدور في هذه المدينة.
ففي هذه المدينة مر هرم الرواية المغربية محمد شكري، وبعد رحيله، بقيت الرواية في طنجة دون خلف، وضاعت نصوص وذكريات الرجل، وسط إهمال حكومي وتطاحنات بين المنتمين للثقافة في المدينة.
وشكري رافق كتابا عالميين أغوتهم طنجة، فسكنوها كالراحل بول بولز، ولا يمكن لهذا الزمن أن يعود إلا في ظروف تشجع على القراءة وعلى استهلاك الثقافة.
بالنسبة لنشر الكتاب، فبالإرادة والصبر الجميل، والإيمان بالحلم، تمكنت من نشر الكتاب، بمساعدة من أصدقاء أشكرهم كثيرا، وأيضا أشكر كل من ردد على مسامعي أنني مازالت صغيرا في السن على كتابة المذكرات أو على الكتابة، والكلفة تبقى مقبولة ماليا ولو أنني لا أتوقع تحقيق ربح أو استرجاع كلفة نشر الكتاب، لأن نشري للكتاب هو تحقيق للوجود، وإعلان للكينونة أمام العالم.
للأسف في المغرب ثمة بيننا اليوم، دركيون كثر ومتطوعون مجانا يمارسون التصويب صوب كل شيء يحاول التحرك، فهم حرس دون معبد.
أعتقد أن الكتابة هي شجاعة ومغامرة أشجع الجميع على ركوبها، ويجب تبادل التشجيع، وسط اتجاه المجتمع المغربي في اتجاهين حيال الثقافة، الأول مرتبط بنخب الصالونات في الرباط ترى أن الثقافة هي حكر عليها ومحفظ تحت اسمها، وهي لا يمكنها أن تقبل بالأجيال المختلفة عمريا وثقافيا، والاتجاه الثاني هو حقيقة أننا مجتمع لا نقرأ ولا نكتب، وأرقام المقروئية تكشف حقيقتنا، فلا نستهلك الكتاب إلا المدرسي، خلال كل دخول مدرسي سنويا.
فالمغربي يقرأ الجريدة في المقهى، ويتهرب من شرائها، ولو كلفته جلسة في المقهى 50 درهما، إلا أن 3 دراهم ثمن الجريدة، أو 30 درهما ثمن لكتاب، فإنه مبلغ فوق طاقته الشخصية المالية، في تقديره، في سبيل المعرفة أو الإخبار.
أعترف بتوفري على مشروع للكتابة، مرتبط بحياتي الشخصية والمهنية، ولكل مرحلة كتابها مستقبلا، ثمة مشاريع ناضجة تنتظر الفرصة للظهور، كثمار للمطبعات المغربية أو العربية.