جلست منزوية في أحد جنبات محكمة قضاء الأسرة بالدارالبيضاء، تنتظر فتح بابها الرئيسي الضخم.
كانت ترتدي جلبابا أسود وتضع منديلا وردي اللون، يظهر خصلات من شعرها الأسود، وخطته بعض الشعيرات البيضاء، تحمل بين يديها بعض الوثائق في ظرف بريدي كبير الحجم، تمسكه حينا وتضعه إلى جانبها حينا آخر، أو تضع يدها على خدها مترقبة الباب الرئيسي.
أشارت عقارب الساعة إلى الثامنة والنصف صباحا، اقترب رجلا أمن وأحد الأعوان القضائيين من الباب الرئيسي لفتحه، لكنهم فوجئوا بالعشرات من النساء والرجال والفتيات وحتى الأطفال، يهرولون نحو الباب ليتمكنوا من الدخول، فتوقف العون قليلا مطالبا إياهم بالانضباط، وهددهم بتأخير فتح الباب إلى وقت آخر، تراجع عدد من المتقاضين إلى الخلف، في حين وقفت المرأة ذات الجلباب الأسود بعيدا عنهم، وانتظرت طويلا حتى ولج الجميع إلى بهو المحكمة، ثم تقدمت بخطى متثاقلة نحو الباب ووجهت للعون المرابض أمامه بعض الأسئلة، وهي تظهر له الوثائق التي تحملها، وأشارت لها بيده إلى إحدى قاعات الجلسات.
انطلقت مسرعة نحو قاعة الجلسات، فوجدتها بدورها مغلقة، فوقفت إلى جانب العديد من النسوة تنتظر، وأعادت سيناريو ما وقع معها وأوصلها إلى ردهات هذه المحكمة من جديد، بعد 15 سنة كانت زارتها لأول مرة لتعقد زواجها.
كانت المرأة رفعت دعوى للشقاق ضد زوجها، الذي ضاقت ذرعا من تصرفاته وبخله الشديد، وأصدرت تنهيدات مطولة تنم عن حزن عميق يختلج فؤادها ويضيق بها صدرها، فطلبت منها إحدى النساء أن تجلس إلى جانبها، لتريح قدميها في انتظار دخول هيئة الحكم، وبينما هما تتجاذبان أطراف الحديث، أخبرت المرأة محدثتها عن قصتها، بعدما بادرتها بالسؤال عن سبب قدومها إلى المحكمة.
تزوجت المرأة من قبل 15 عاما، من شاب تقدم إلى أهلها طالبا يدها، كان شابا وسيما وميسور الحال، فوافقت على الزواج منه، وأنجبت منه ولدين لكن الحياة الزوجية بينهما أصبحت مستحيلة.
قبل أن تنهي كلماتها، انهمرت الدموع من عينيها، فربتت المرأة الأخرى على كتفها، وطالبتها بالصبر وأن تهدأ من روعها، ثم واصلت سرد حكايتها قائلة إن زوجها البخيل، حول حياتها وحياة ابنيها إلى جحيم لا يطاق، فبعد زواجهما بفترة قصيرة، اكتشفت أنه بخيل جدا ولا يحب إنفاق المال، رغم أنه ميسور الحال وله عدة أملاك ومداخيل مادية، وما زاد الطين بلة، هو ما حدث في السنوات الأخيرة، حين اكتشفت مرة أخرى أنه أدمن شرب الخمر، وأصبحت تصرفاته مشينة ومنافية لقدسية الزواج، خاصة حسن المعاشرة، ما جعلها ترفع دعوى الطلاق، لأنها لم تعد تطيق العيش معه، ولأنها لم تجن من هذا الزواج غير المتكافئ سوى ضررها المادي والمعنوي من جراء هجرها في الفراش، وإهماله لها ولأسرته، إضافة إلى ممارسة العنف عليها من ضرب وسب وشتم.
ولجت المرأة التي جففت دموعها إلى داخل قاعة الجلسات بعد فتحها، وجلست في آخر كرسي يؤثث فضاء القاعة، وانتبهت إلى نظرات مختلسة تترقبها من الجهة اليمنى بالقاعة، وحين التفتت اكتشفت أنه زوجها المدعى عليه، الذي حضر بدوره وكان يجلس في المكان المخصص للرجال.
دخلت هيئة الحكم إلى قاعة الجلسات بعد عشر دقائق، وفتح رئيس الجلسة أول الملفات المرصوصة بدقة أمامه، وكان ملف المرأة، التي وقفت أمام الهيئة ووقف خلفها زوجها، وهو يطأطئ رأسه نحو الأرض.
وحين سألها القاضي عن سبب رفعها لدعوى الطلاق، سكتت قليلا ثم أجابت قائلة "اسي القاضي راه جوعني وخرج عليا، وأنا استحملتو بزاف،
ولا بخيل وزايدها بالشراب حتى مابقاش راجل".
والتمست من القاضي تطليقها منه للشقاق، وأدائه جميع مستحقاتها ومستحقات أطفالها، لأنه ميسور وهو السبب الرئيسي فيما وصلت إليه العلاقة بينهما من تدهور.
توجه القاضي بالسؤال نحو الزوج المدعى عليه، ليتأكد من صحة كلام الزوجة، وليعرف إن كان يقبل الطلاق، فأجاب المدعى عليه قائلا" أسي القاضي هادي مراتي وعندي معاها زوج وليدات، وراني مهلي فيها، غير هي الله يهديها".
حاول القاضي بعد الاستماع إلى تصريحات الزوجين، عقد جلسة صلح بينهما ولكن الزوجة رفضت ذلك بشكل قاطع، وأصرت على الطلاق، أجل القاضي جلسة البت في القضية إلى تاريخ لاحق، قضى فيه بقبول دعوى الطلاق للشقاق، على اعتبار أن الخلاف القائم بينهما يتجلى في سوء المعاملة وإدمان الزوج واستحالة المعاشرة الزوجية بينهما، كما أمر بأداء المدعي عليه جميع مستحقات زوجته وأبنائهما.