يعد برج محمد السادس أيقونة هندسية ومعمارية استثنائية، وشاهدا جديدا على عصر النهضة المغربية، ومعلمة استثنائية أضاءت سماء الرباط وسلا بسحر أخاذ، ويحتل مكانة متميزة ضمن أعلى المآثر العمرانية بالقارة الإفريقية. هذا الصرح، الذي تفضل صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن بافتتاحه، لم يعد مجرد بناء شاهق، بل صار رمزا حيا للحداثة المغربية، يتوسط بموقعه الاستراتيجي أهم معالم العاصمة.
بين ضفتي نهر أبي رقراق الأسطوري، حيث يتنفس التاريخ عبق المحيط، يرتفع «برج محمد السادس» شامخا، باعتباره أيقونة ضوئية تنير سماء الرباط وسلا، وتعلن عن ولادة معلمة حضارية أعادت رسم ملامح الجمال في المنطقة. هذا الصرح، الذي لا يكتفي بمنافسة السحاب، يمد جسورا بصرية ومعنوية تربط بين عراقة الماضي الأصيل وطموحات المستقبل المغربي الواعد.
تنتصب هذه المعلمة الشامخة قلبا نابضا للحداثة، محاطة بجيل جديد من المشاريع الكبرى، فهي تطل بجلالها بين صرح «المسرح الكبير» وخط القطار فائق السرعة «البراق»، وعلى مسافة قريبة من نفق الأوداية التاريخي وجسر محمد السادس. وبموقعه الفريد، يمنح البرج زواره تجربة بصرية لا تتكرر، حيث تعانق الأنظار؛ من شاهق طوابقه، الأفق المفتوح للمحيط الأطلسي، وتفاصيل المدينتين العريقتين اللتين تبدوان من الأعلى كلوحة فنية فريدة صاغها الزمن.
من قمة البرج، تتلاشى الحدود وتنكشف أسرار الجمال، حيث يجد الزائر نفسه أمام إطلالات بانورامية ساحرة تأسر العقول، ويُمكن للعين المجردة أن تسرح في ملكوت الطبيعة والعمران في آن واحد. وفي أجواء تملؤها السكينة، يتيح المكان لرواده فرصة الجلوس والتأمل في هذا الإبداع الأخاذ، بينما تكتمل روعة اللحظة بنغمات موسيقية يختارونها لترافق رحلة أبصارهم، مما يضفي على الزيارة طابعا من الهدوء الروحي والرفاهية التي لا تضاهى.
ويمكن للزائر رؤية موقع البرج انطلاقا من أهم المعالم السياحية بالرباط، على غرار صومعة حسان، والأوداية، وشالة، وغيرها. ويسمح هذا الموقع الاستراتيجي للبرج بالاندماج بانسجام مع المعالم التاريخية والثقافية للمدينة، وبذلك يخلق ارتباطا متجددا بين الماضي والحاضر، ويزيد أيضا من جاذبية وجهتي مدينتي الرباط وسلا، حيث يتعايش التراث والابتكار في انسجام تام.
ويعتبر هذا البرج صرحا متفردا في تصميمه وهيئته، وهو تحفة هندسية تستحضر التراث المغربي، وتجسد الطموح التقني والفني الخارق، حيث تتناغم التكنولوجيا المتطورة والتصميم الرائع مع التراث الأصيل لمملكة ضاربة في القدم.
وأوضحت ليلى حداوي، المديرة العامة المنتدبة لشركة «أتاور»، أن علو البرج يصل إلى 250 مترا، وأنه يعتبر أعلى برج بالمغرب، ويحتل مكانة متميزة ضمن أعلى المآثر العمرانية بالقارة الإفريقية، وأنه يمكن رؤيته على بعد 60 كلم، ويتكون من 55 طابقا؛ ضمنها أربع شرفات تقنية، على مساحة إجمالية تقدر بـ 102.800 متر مربع، ويتكون من 38 مصعدا و551 مكانا لركن السيارات، مشيرة إلى أن البرج ساهم في إحداث 450 منصب شغل مباشر و3500 منصب شغل غير مباشر.
وأفادت حداوي، في تصريح للصحافة، على هامش زيارة للبرج، يوم الاثنين، أنه ساهم في إخراج هذا الصرح المعماري عدد كبير من الخبرات والكفاءات المهنية العالية، منهم مهندسو التهيئة الحضرية والمعماريون والصناع التقليديون والعمال، ومكاتب دراسات، وشركات، ومؤرخون، وغيرهم.
البرج مفتوح في وجه العموم
وبعد الافتتاح الرسمي أصبح بإمكان المواطنين زيارة هذه المعلمة المغربية، حيث أفادت هند نجاح، مديرة الاستثمار بشركة «أتاور»، أن البرج أصبح مفتوحا في وجه العموم، من خلال فندق «والدورف أستوريا الرباط سلا»، الذي يقدم خدمات مختلفة تهم المبيت والمطاعم، مشيرة إلى أنه يمكن للمواطنين الاستفادة من هذه الخدمات عبر الحجز مسبقا بالمنصة الرسمية للفندق.
وأضافت نجاح أن مرصد التراث بدوره مفتوح في وجه العموم، حيث يسلط الضوء على تاريخ المدينتين الرباط وسلا من خلال المنصة المتواجدة في الطابقين 50 والـ51 المطلين على أبرز معالم المدينين.
وأكدت المديرة أن برج محمد السادس، من خلال هندسته المعمارية الحديثة، متجذر في التاريخ والتراث العريق، وأيضا من خلال المواد التي استعملت فيه وأبدع فيها حرفيون وصناع تقليديين مغاربة، مبرزة أن البرج سيساهم في تعزيز اكتشاف تاريخ المدينتين من خلال الطابق الـ50، حيث صممت فيه تطبيقات رقمية تفاعلية تمكن الزائر من هذا الاكتشاف.
وأضافت المتحدثة ذاتها أنه يمكن للراغبين في زيارة مرصد التراث اقتناء التذكرة من الموقع الرسمي للمرصد؛ بسعر ترويجي حدد في 250 درهما للكبار و80 درهما للشباب أقل من 18 سنة.
مميزات مرصد التراث
ويتواجد مرصد التراث بالطابق الـ50، وهو تجربة تفاعلية، من خلال تصميم النوافذ الزجاجية، تتيح للزائر الانغماس في «الواقع المعزز» لاستكشاف التراث الثقافي والمعالم السياحية للعدوتين، الرباط وسلا، كما تتيح السينوغرافيا الرقمية للزائر فرصة استكشاف أهم المعالم التراثية على ضفتي نهر أبي رقراق.
«قمرة» البرج
داخل «قمرة» البرج، التي يبلغ ارتفاعها 22 مترا، يحتفي معرض «السماء تتكلم العربية»، المفتوح لأطفال المدارس وللحالمين من جميع أنحاء العالم، بالعلوم الفلكية في أزهى أيامها خلال العصر الذهبي العربي-الأندلسي.
فندق «والدورف أستوريا الرباط سلا»
ابتداء من الطابق 29 يوجد فندق «والدورف أستوريا الرباط سلا»، ويضم 55 جناحا وغرفة تمزج بين الأناقة الخالدة والرقي
المغربي، ويوفر إطلالات بانورامية على وادي أبي رقراق والمحيط الأطلسي، ويقدم أربع تجارب طهي، بما في ذلك مطعم يحمل توقيع آلان دوكاس، مع إطلالات خلابة، بالإضافة إلى أكثر من 1400 متر مربع من مساحات الفعاليات الراقية.
تعكس كل من الأجنحة والغرف الـ 55 فن ومناظر المغرب من خلال رقة أعمال الجبس، والزخارف العربية في صناعة النحاس، والرخام الثمين ذي الأنماط الهندسية، والزليج بألوانه الفريدة، التي تحكي القصة الحقيقية للمكان ووجهته.
ومن بين 1400 متر مربع من مساحات الولائم، توجد قاعة الاحتفالات «Le Grand Salon» في مستوى الحديقة، والتي يتزين سقفها بلوحة تمثل سماء فلكية، بالإضافة إلى أربع قاعات اجتماعات في الطابق 29، تستضيف أرقى الفعاليات.
وعبر غاي بيرتو، المدير العام للفندق، التابع للعلامة العالمية "والدورف أستوريا" عن اعتزازه بافتتاح فندق داخل برج محمد السادس، لإظهار هذا المزيج بين الإرث والحداثة.
أعمال فنية استثنائية
تتزين جدران ردهة الاستقبال بنصين تاريخيين مكتوبين بالخط العربي ومنقوشين بالجبس، وضعا بعناية بحيث يتقابل اسما مدينتي الرباط وسلا في تناغم بصري يعكس علاقتهما التاريخية. ويستحضر المؤرخ والجغرافي في القرن الثاني عشر الإدريسي، من خلال مقتطف من كتابه «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق»، صورة مدينة سلا بما عُرفت به من حصانة وخصب وازدهار، مدينة عامرة بالأسواق والبساتين والحدائق، تنعم بخيرات البحر وصيد وفير. ويجاور هذا النص نص آخر لابن الخطيب، الشاعر
والفيلسوف والطبيب الأندلسي في القرن الرابع عشر، في حوار رمزي يجمع بين ضفتي التاريخ والمعرفة.
وفي الطابق السفلي، يجسد نقش بارز وضخم جوهر مدينة الرباط، من خلال توليفة معمارية غنية بالتفاصيل، تتبادل التكوينات والكتل، والكثافة والانفتاح، وترتفع بخفة لتقدم لنا قراءة حية للمدينة، مستعرضة تطورها وتشكل في نفس الوقت مشهدا متناسقا وغامرا.
الاحتفاء بالحرف التقليدية
صممت مريم مرابط للمعرض لوحة جدارية مكونة من شرائح رقيقة، تخلق تناغما بين الألوان المحايدة والضواء والظل بالمكان، حيث تسلط كل شريحة الضوء على كل حرفة مغربية بذاتها من نحت الجبس، التاتور، الطرز، الأرابيسك، المشربية، الحديد، المزخرف، سجاد الصحراء، الحصير، الزليج، والطرز التقليدي.
أشجار ماكسيم خام
في باحات الطابق السفلي، توجد شجرتان صممهما ماكسيم خام، ونفدهما حرفيون مغاربة من ورشة جوجما. تزين أغصانهما كلمات تستحضر التراث الثقافي لكل مدينة، مثل الفخار في سلا أو الطرز الرباطي، أو حتى أبواب المدينة الشهيرة: باب لعلو، باب الرواح، باب شالة... وهو في الوقع عمل فني متجذر في الذاكرة الحضرية إلى التأمل والغوص في التاريخ.
ملامح البرج تسطع ليلا
تتجسد عبارة «الرباط مدينة الأنوار» في برج محمد السادس، لاسيما ليلا، فقد تم تجهيز واجهته الشمالية بنظام إضاءة LED
عالي الكفاءة، يتم التحكم فيه بواسطة وحدة تحكم رقمية تعمل على ضبط شدة الإضاءة والألوان والمؤثرات الحركية. وتسمح هذه التكنولوجيا، في المناسبات الخاصة، بإنشاء سيناريوهات إضاءة مخصصة وموفرة للطاقة، تغمر نهر أبي رقراق بالأضواء الزاهية وتضمن رؤية مذهلة تمتد من سلا إلى الرباط.