رحيل دوريس كيلياس أهم دارسي الأدب العربي بالغرب

الجمعة 29 غشت 2008 - 11:44

رحلت الألمانية دوريس كيلياس، التي تعتبر من أهم دارسي الأدب العربي في الغرب، عن عمر يناهز 66 عاما، سخرت منها 30 عاما لتعريف المجتمعات الناطقة بالألمانية بالأدب العربي.

وأوردت الإذاعة الألمانية، أنه كان لقراءة كتاب "دراسة في الخطوط العربية"، للكاتب الروسي المستعرب كراتشكوفسكي، محطة محورية في حياتها، إذ قامت في ما بعد بدراسة الأدب العربي، كأول امرأة في جيلها، وأمضت سنة في القاهرة لهذه الغاية، التقت فيها أدباء شبانا أعجبت بكتاباتهم وتعلقت بها.

ترجمت كتبا كثيرة من العربية إلى الألمانية، لأدباء كبار، أمثال نجيب محفوظ، ومحمد شكري، وإميلي نصر الله، وجمال الغيطاني، وميرال الطحاوي، ورجاء الصانع، وبهاء طاهر، وإبراهيم أصلان، وعديدين غيرهم، وكانت في كل سنة تترجم كتابا عربيا.

ولدت دوريس في الثاني والعشرين من يوليوز 1942، في بروسيا الشرقية التي اقتطعت من ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية وأصبحت تابعة لبولندا. وكان أن انتقلت مع أهلها إلى برلين الشرقية ونشأت في جمهورية ألمانيا الديمقراطية، وظلت مقيمة فيها حتى انهيار جدار برلين. وبعد الوحدة الألمانية لبثت في منزل في شرق العاصمة برلين. في جامعة هومبولت درست الأدب العربي وآداب اللغات المتحدرة من اللاتينية. وكان اهتمامها باللغة العربية مرتبطاً بحبها للأدب العربي الذي قرأته أساساً مترجماً إلى الفرنسية أو الإنجليزية عام 1965.

أربعين رواية لنجيب محفوظ إلى اللغة الألمانية

أكّد الفيلسوف الألماني وأحد أهم ممثلي الحقبة الرومانسية المبكرة فريدريتش شليغل Friedrich Schlegel ذات مرة، على "أننا لا نعرف في الواقع ماهية الترجمة على الإطلاق". بيد أن هذه العبارة لا تنطبق على المستعربة والمترجمة الدءوبة دوريس كيلياس، لأنها كانت تعرف شروط الترجمة ومفاصلها المهمة حق المعرفة وتجيد السير في مسالكها الوعرة لتصل إلى الغاية بامتياز.

هذه المترجمة الفذة لعددٍ كبيرٍ من روايات الأديب الكبير نجيب محفوظ، كانت ترى في فعل الترجمة عملاً ونحتًا مُجهِدين على وجه الخصوص، لأن الترجمة الأدبية من اللغة العربية لا تشترط في المقام الأول الكفاءة والمعرفة والجدارة اللغوية وحسب، بل الإلمام الثقافي أيضًا.

فرصة نادرة في مهب الأزمة

سافرت دوريس كيلياس في عام 1967 للمرة الأولى إلى بلدٍ عربي، حيث اغتنمت فرصةً نادرةً أتيحت لها لتدرس لمدة فصلين في جامعة القاهرة كطالبة للدراسات العليا رغم أن سلطات جمهورية ألمانيا الشرقية لم تسمح لها بمغادرة البلاد إلا بشرط ترك طفلتها "جيني"، التي كانت لم تبلغ آنذاك الخمسة أشهر من العمر بعد، كنوعٍ من "الرهْن" في برلين الشرقية. بيد أن دوريس كيلياس عرفت أن هذه كانت فرصة العمر، وقد قالت بهذا الصدد في ما بعد: "لقد كنت من المحظوظين القلائل الذين أتيحت لهم هذه الفرصة".

تركت الانطباعات القاهرية الأولى في نفسها أثرًا بالغًا. دوريس كيلياس تتذكر هذه الزيارة الأولى: "وصلت إلى القاهرة في عام 1967 بعد فترةٍ وجيزةٍ على نهاية حرب حزيران حيث كان الجو العام كارثيًا هناك. بالطبع لم يكن ممكنًا أن أتصور وأنا في برلين مدى فظاعة الأجواء التي كانت تسود آنذاك".

لكن الصدمة التي أصابت وعي النخبة العربية والمثقفين العرب من جراء حرب 67 كان لها ما يشبه التأثير الشافي على الأدب العربي، حيث كرّس الكتّاب العرب أنفسهم للمرة الأولى لقضايا مجتمعاتهم الجوهرية والوجودية، وبدأوا فجأة بالتفكير بالذات في مهب الأزمة متسائلين: من نحن وماذا نكون؟

كما سمت فداحة الهزيمة العقل العربي بمعالم جديدة ناقدة للذات لم تكن معروفةً من قبل. لذلك رأت المستعربة الشابة دوريس كيلياس في هذه الحقبة "تطورًا مهمًا وحافزًا خصبًا للإنتاج الأدبي".

احترام مهيب لنجيب محفوظ

كانت دوريس كيلياس شغوفة للغاية بأستاذ الرواية العربي الكبير نجيب محفوظ، رغم أنها ترجمت أعمال كتّابٍ آخرين مثل محمد شكري، وجمال الغيطاني، كما ترجمت في السنوات الأخيرة أعمال ميرال الطحاوي وآخرين.

"كان من الممتع الإصغاء إليه ومراقبته لدى حديثه مع الكتّاب الناشئين متناولاً نصوصهم في أناةٍ وصبر، ومسديًا النصح لهم بحذر". هكذا تصف دوريس كيلياس لقائها الأول مع نجيب محفوظ في مقهى الريش التاريخي في القاهرة. وفيما بعد أقرّت كيلياس صراحةً: "أحب الحياة بالقرب من نجيب محفوظ."

المترجم: جندي مجهول في حقل الأدب

عاشت دوريس كيلياس، كما هو حال كل المترجمين، في ظل الكُتّاب، وأغضبها قلّة تقدير عمل الترجمة وغيابه في أغلب الأحيان، وهو ما دفعها إلى القول ذات مرة: "إنهم يظنون أنه يكتب باللغة الألمانية!"، مستاءةً وساخرةً من النقّاد الذين كانوا يمدحون لغة الكتّاب الذين ترجمت أعمالهم دون تقدير فضلها أو حتى دون ذكر اسمها في بعض الأحيان.

تروي جيني ابنة دوريس كيلياس، التي كتبت تكريمًا معبرًا لوالدتها في صحيفة "برلينر تسايتونغ" الألمانية، إنه عندما كان يطرح على والدتها السؤال حول أجمل ما في الترجمة، كانت تجيب: "أن تكون شخصًا آخر لفترةٍ من الزمن".

كرّست دوريس كيلياس نفسها لعائلتها ورعتها رغم انهماكها بمهنتها. ويسجل الكاتب حسن داوود، رئيس ركن الأدب والفن في صحيفة "المستقبل" اللبنانية، الذي كانت تربطه بدوريس كيلياس صداقة مهنية، متذكرًا في رِثائه لها في صحيفة "المستقبل" المرحلة المؤلمة من حياة المترجمة، التي رعت فيها زوجها المريض بداء السرطان، يسجل أنه لم يتبق لها من القوة لإنجاز ما كان عليها أن تنجزه من مشاريع الترجمة بالدقة والدأب، اللذين اتصفت بهما طيلة حياتها.

نقل ناجح للأدب العربي إلى الألمانية

"لا بد للمرء من أن يحب موضوعه، لكي يستطيع نقله نقلاً جديرًا للآخرين". جسدت دوريس كيلياس هذه القاعدة، التي تعود للشاعر الألماني الكبير غوته طوال مسيرة حياتها المهنية. لقد أحبّت دوريس كيلياس عوالم ومواضيع نجيب محفوظ الأدبية بالأخص، ولعل هذا سبب نقلها الناجح لأعماله الأدبية ومساهمتها في تحقيق شهرته العالمية.
المترجمون الموهوبون الدؤوبون هم في نهاية المطاف من يجعلون الأدب "الغريب" أدبًا عالميًا. لذلك لن يكون من السهل ملء الفراغ، الذي سيخلّفه رحيل دوريس كيلياس في حقل الترجمات الشرقية-الغربية.




تابعونا على فيسبوك