"ومن حسن حظي أني أنام وحيدا ..
فأصغي إلى جسدي .. من أنا لأخيب ظن العدم .. من أنا .. من أنا".
كانت إحدى أبيات من قصيدة للشاعر الراحل محمود درويش التي صور فيها لحظة اقترابه من الموت ثم انفلاته من قبضتها، والتي استهلت بها مؤسسة منتدى أصيلة لقاء تأبينيا لهذا الهرم الشعري، الذي نعته الأمة العربية السبت الماضي.
اجتمعت ثلة من النقاد والأدباء المغاربة والعرب، مساء الاثنين الماضي في رحاب موسم أصيلة الثقافي الدولي، لتنثر كلمات طيبة للذكرى، على ثرى لم يجف بعد، عله يحمل لشاعر القضية رسائل العزاء.
وفي شهادة قدمها بالمناسبة، ذكر محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، أن محمود درويش، شاعر الإنسانية جمعاء، آثر أن يعزف معاناته على إيقاع الشعر والقوافي من أجل الكرامة الإنسانية.
وتذكر الزيارة، التي قام بها درويش إلى موسم أصيلة في بداياته صيف 1979، "فصدح بأصيلة وهي ما تزال مدينة صغيرة، لكنه استطاع أن يصل إلينا بصفائه وعمق إنسانيته ويسقيها من ماء إبداعه"، مشيرا إلى أنه كان قد جرى توجيه الدعوة لمحمود درويش ليكون ضمن المشاركين في دورة هذا الموسم.
وأعلن بن عيسى، خلال هذا اللقاء، أنه سيوجه مقترحا لمجلس بلدية أصيلة، الذي يترأسه، من أجل إطلاق اسم محمود درويش على إحدى حدائق مدينة أصيلة، لتظل روح الشاعر الراحل حاضرة بين ظهراني المدينة وسكانها وزوارها.
ومن جهته، أكد أحمد ماهر، وزير الخارجية المصري السابق أن درويش وإن كان رحل، فإن صوته لن يسكت، فقد كان دائما مدويا في الدفاع عن الشعب الفلسطيني الذي عانى ويعاني الكثير، مضيفا أن محمود درويش كان يحمل الأمل والعمل والجهر، إيمانا بعدالة القضية التي خدمها بجسده وروحه.
وقال "سرعان ما نجفف الدموع لنحمل الشعلة التي حملها وضحى من أجلها ليبقيها أملا في مستقبل أمثل"، مضيفا أن درويش لم يمت وسيظل تلك الشجرة الوارفة التي يجلس الجميع حولها وتحتها.
وفي مداخلة بالمناسبة، أبرز، سليمان إبراهيم العسكري، رئيس تحرير مجلة العربي الكويتية، أن الراحل استطاع تأكيد حضوره في خانة الشعر العربي المعاصر، تاركا للأجيال الجديدة قصائد بإمكانها أن تخلد ويزداد تأثيرها لتصبح شعلة تنير سماء الشعر من المحيط إلى الخليج.
وأشار إلى أن ابتعاد محمود دوريش عن فلسطين جغرافيا، لم يؤثر على درجة التزامه بالقضية سلبا، بل اكتسب بذلك القدرة على توسيع دائرة تأثيره ليتخذ بعدا عالميا فاستطاع لفت انتباه العالم وإغضاب إسرائيل، مضيفا أنه نجح في وضع القصيدة الفلسطينية وشعرها في موضع متقدم في الشعر العربي.
وتحدث الكاتب المغربي مبارك ربيع عن درويش، الذي أسكن فلسطين، الشجرة المعطاء وزرقة السماء، في حنايا كل قلب نابض بشعره وكل قارئ متذوق لبنات كلماته، إذ تميز بفرادة الإيقاع وتميز المعجم وبساطة العبارة.
وأضاف أن درويش "تميز بقوة الموقف في معترك الخلاف وقوة الحسم في خضم التناقضات"، كما كان دائما "صوت الإقناع المُقنِع والإنسان الذي يميزه العقل."
من جانبه، أشار الناقد المصري، صلاح فضل، إلى الرمزية التي تطبع شعر درويش وقدرته على تحويل الكلمات العادية إلى إبداع شعري، فالأم مثلا ترمز لديه إلى الحضن الذي تجسده القدس.
وتطرق إلى الثورة التجريدية التي تميز بها شعر درويش، فكان شاعر القضية، الذي "لم يركن إلى أسلوب واحد ولم يقف عند مرحلة محددة"، ويضع شفرة يتواصل بها مع القارئ فتمكنه من أن يحيل إليها جميع الإشارات والرموز مهما صعبت واستعصت على الفهم.
من جهته، قال الناقد المغربي عبد الرحيم العلام إن درويش وإن لم يترك أولادا، فقد ترك كتبا يتعين رعايتها والحفاظ عليها ليظل إرثه الإبداعي حيا لا يزول، معتبرا أن درويش مثال حي للشموخ، الذي ارتقى الجبال ليسخر منها ومن آلامه تارة، ويهدهدها تارة أخرى.
وأشار إلى أن درويش علم المواطن العربي أن الشعر ليس مجرد كلمات تنظم بل سلوك ومعاملات ونمط عيش، مضيفا أن وطن درويش ليس حقيبة بل سيظل الآن في فلسطين، حيث سيدفن إلى الأبد.
من جانبه، اعتبر الروائي والصحافي حسونة المصباحي، أن درويش كان الشاعر المتألق في أمة حزينة، الذي أنقذ الشعر من حمى السياسة والإيديولجيات، وكان دائم الحرص على تطوير تجربته وفتح آفاق جديدة.
وأشار إلى أن درويش ظل وفيا لروح الشعر دون الابتعاد عن القضية، كما ظل محافظا على الاستقلالية الفكرية وظل الشعر ملاذه الوحيد.
أما الكاتب العراقي صمويل شمعون، الذي ربطته بمحمود درويش علاقة صداقة، فقد تحدث عن تجربته الشخصية مع شاعر "كان منفتحا على أي شيء يخص الإبداع العالمي."
وأوضح أن محمود درويش كان يطالع الكثير من الأعمال، مشيدا بإنسانية وكونية محمود درويش في الشعر.