يطرح الدكتور عباس الجراري، عضو أكاديمية المملكة المغربية، في كتاب قضايا للتأمل برؤية إسلامية، نقاشا موسعا حول مجموعة من القضايا والمواقف.
ويعتبر الكتاب، الذي صدر في يونيو الماضي، عن منشورات النادي الجراري، في 250 صفحة من الحجم المتوسط ثمرة مجموعة من المحاضرات، التي ساهم بها الدكتور الجراري ضمن أحاديث الخميس، التي تنظمها أكاديمية المملكة، أو من خلال الندوات التي شارك فيها سواء داخل المغرب أو خارجه.
ويشمل الكتاب بين دفتيه 19 موضوعا يجمع بينها رابط واحد هو الدفاع عن الثقافة الإسلامية واللغة العربية، وتبيان فضل علماء المغرب في الكثير من المواقف.
ومن خلال مقدمة الكتاب، سعى الدكتور الجراري إلى إبراز الهدف من نشر الكتاب، إذ أكد أن المغرب كسائر البلاد السائرة في طريق النمو، ولا سيما منها العربية والإسلامية، تواجهه مشكلات وقضايا كثيرة، وتحديات عديدة تحتاج إلى أن تثار وتوضح على بساط الدرس والبحث، كما تحتاج إلى أن ينظر فيها بتأمل وتفكر، عبر رؤية واضحة وشفافة، رغم اعترافه بصعوبة حصر هذه القضايا وتناولها كافة.
ويتناول الكتاب بالدرس والتمحيص، مجموعة من القضايا المرتبطة بالثقافة الإسلامية، إذ تحدث عن واقع اللغة العربية بالمغرب، التي اعتبرها قضية كبرى من حيث التحديات التي تعانيها، وانطلق في عرض من أربعة منطلقات، وهي اللغة كجزء مكون لهوية الناطقين بها، ثم الفروع المحلية المرتبطة بالتنوع والتعدد في طبيعتها، وعاداتها وتقاليدها، وكمنطلق ثالث هناك لغات ولهجات محلية لا يتعارض حضورها مع الحضور العام والواسع للغة الرسمية، أما المنطلق الرابع فيتعلق بمصير اللغة، الذي رهنه بمدى الحس الوطني للناطقين بها. وخلص الدكتور الجراري إلى القول إن حال اللغة العربية بخير سواء في المغرب أو غيره من البلدان العربية، ويستدل على ذلك بأن العربية تأتي في المرتبة الرابعة بين لغات العالم، والعاشرة بين اللغات المستخدمة للحاسوب.
وارتباطا بموضوع اللغة، أفرد الدكتور الجراري فصلا للحديث عن التعريب، الذي ربطه بالمستوى الاقتصادي والاجتماعي للمواطنين، وذهب إلى حد القول إن السياسة لها دور كبير في شيوع ظاهرة التعريب، كما أشار إلى وجود من يحارب اللغة الأم، لحساب الفرنسية، مشيرا إلى أن فرنسا تصرف الكثير من المال من أجل فرض الفرنسية كلغة رسمية في العديد من الأقطار، وهو ما يهدد اللغة العربية في العمق.
وخلص إلى القول إن اللغة العربية تحيى داخل المجتمع، ولا بد من توطيد سبل استمرارها من خلال حث الأبناء على دراستها، وفرضها في المجتمعات الرسمية بتشجيع التدريس باللغة الأم، وكذلك تشجيع الترجمة من وإلى اللغة العربية.
وواصل الحديث نفسه في المقال الرابع، الذي عنونه بتأملات في المسألة اللغوية، إذ اعتبر أن اللغة مقوما أساسيا ومكونا رئيسيا للهوية، كما أنها لغة حية ودولية، وأداة تواصل ديني لنحو أزيد من مليار ونصف المليار مسلم، وطالب بضرورة التصدي لمحاولات تمجيد العاميات، ما يهدد اللغة العربية بتحويلها إلى لغة التراث والدين فقط.
بعد ذلك، تحول الدكتور الجراري، إلى الحديث عن الاحتفال بعيد المولد النبوي في المغرب، واعتبره بدعة حسنة يثاب عليها، وأكد أن الدلائل كلها تشير إلى أن الاحتفال بعيد المولد النبوي، انطلق من المغرب، حيث كانت تقام الاحتفالات الرسمية، مؤكدا أن العديد من الأقطار العربية عرفت هذه الاحتفالات عن طريق العلماء المغاربة.
وارتباطا بقضايا الإسلام، طرح الدكتور الجراري سؤال التشيع في المغرب وعالجه من وجهة نظر دينية صرفة، من خلال طرح قضايا أساسية هي دخول الإسلام إلى المغرب، قائلا إنه تأخر كثيرا من الأقطار العربية الأخرى بسبب مقاومة البربر، وأكد أن المغرب ظل دوما متشبثا بالمذهب المالكي، وخلص إلى القول إن المغاربة يعتزون بانتمائهم إلى مذهب السنة على مذهب مالك، الذي وحد المغاربة طيلة قرون.
كما تناول الدكتور الجراري في كتابه موضوع السلفية المغربية، التي ظهرت بوادرها الأولى في المغرب في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله (ت 1790 م)، واستمر الأمر مع المولى سليمان (ت 1822 م)، الذي انتصر للسنة ودعا إلى نبذ المختصرات ومحاربة البدع الضالة، وأضاف الجراري في حديثه أن المد السلفي سرعان ما انتشر لدى بعض العلماء الذين ذكر من بينهم، أحمد بن خالد الناصري السلوي، وإبراهيم بن إدريس السنوسي، وإبراهيم بن محمد التادلي الرباطي، والشيخ أبو شعيب الدكالي، وخلص إلى القول إن الحاجة ملحة إلى الرجوع للنصوص الأصلية في قضية السلفية والإصلاح.
وسعيا إلى إبراز الخصوصية المغربية، تناول الدكتور الجراري قضية الحضور الديني في العادات والتقاليد المغربية، متطرقا إلى مجموعة من العادات ذات الطابع الديني من حيث العبادات والمواسم الدينية، كما تحدث عن عادات المغاربة في الجنازات، والأفراح، والأعياد الدينية، والعقيقة، والختان، وختم الدكتور الجراري بالقول إن المتتبع لهذه الظواهر الدالة على مدى حضور الدين في العادات والتقاليد الشعبية المغربية، لا يلبث أن يلاحظ تجذر الشعور الديني في أعماق المغاربة دون تمييز بين ما هو إسلامي أو غيره ، والسبب حسب الدكتور الجراري هو أن الإسلام امتص العديد من العادات الوثنية القديمة أو عمل على إبطال مفعولها.
ومن جملة المواضيع التي تطرق إليها الكتاب، المواطنة المغربية وسؤال الأزمة، كما تحدث عن مستقبل الإسلام، وأكد في هذا الصدد أن الإسلام عامل فاعل ومؤثر يحمل الكثير من عناصر قوته الذاتية والتاريخية، وهو ما يؤكده انتشاره الواسع في الكثير من بقاع العالم، ما يجعلنا مطمئنين على هذا المستقبل.
ومن المواضيع ذات الراهنية التي جاء بها الكتاب، الحديث عن ثقافة الماء في الإسلام، إذ خلص إلى القول إن للماء مكانة مهمة في الإسلام، إذ ارتبطت الحضارة الإسلامية بشكل وثيق به، ونظرا لأهميته في الحياة، جاءت العديد من الآيات والأحاديث لتدل على هذه الأهمية، وتحث على عدم الإسراف في استعماله.
كما خصص الدكتور الجراري فصولا للحديث عن ثقافة الحوار في الإسلام، وحوار الأديان، ما يؤكد الثقافة الشمولية، التي يتمتع بها الباحث المغربي، وهو ما تأكد جليا من خلال حديثه عن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، والإعجاز في القرآن الكريم وعالمية خطابه، ليختم الكتاب بفصل حول مسألة الهلال بين مسألة الرؤيا والتوحيد.
إن الكتاب بما يحتويه من أفكار ونقاشات، يمثل مساهمة مهمة في طرح جملة من القضايا المرتبطة بالهوية والثقافة الإسلاميتين، كما أنه دليل على شمولية فكر الدكتور الجراري، الذي يتميز بقوة مداركه وأسلوبه السلس في التواصل مع المتلقي، باعتماد الحجية في عرض القضايا، ما أكسبه شهرة واسعة بين المفكرين، ظهرت معالمها من خلال حضوره الدائم في الكثير من الندوات الفكرية والدينية.