تنظر غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف في الدارالبيضاء، في قضية فتاة لم تتجاوز بالكاد عقدها الثالث، تقطن بأحد الأحياء الصفيحية بالعاصمة الاقتصادية.
بدأت كمدمنة على تناول المخدرات وتدخين الشيرا، وتحولت إلى تاجرة معروفة في أوساط حيها، بل انتشرت شهرتها في المدينة كما تنتشر النار في الهشيم.
طلقت طاولة المدرسة في القسم الثالث الابتدائي، ولم تكن ظروفها المادية تساعدها على مواصلة تعليمها لأنها تعلم جيدا أنه من الواجب عليها الدخول إلى سوق العمل لمساعدة أسرتها المعوزة على دواليب الزمن الصعب، (حياة،س) 28 سنة لا تملك من الجمال نصيبا يخول لها التباهي به شأن أخريات في سنها، عملت بمعمل صغير للنسيج بحي التشارك بالدارالبيضاء، بأجرة شهرية لا تتعدى 1200 درهم، هذه الأجرة التي لم تكن كافية لسد متطلبات الحياة الأساسية، ما جعلها تفكر في أي طريقة أخرى للحصول على مورد آخر للمال...
تعرفت حياة على شاب في مقتبل العمر، وأصبح هذا الأخير كل شيء في حياتها، ولم تعرف المسكينة أن هذا الشخص سيكون نقطة سوداء في قاموس حياتها، لأنه من ذوي السوابق العدلية وسبق أن أدانته غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف في الدارالبيضاء، بخمس سنوات سجنا نافذا بعد متابعته بتهمة الاتجار في المخدرات. مرت الأيام وتوطدت العلاقة بين الطرفين، إذ أصبحت "حياة" تعين عشيقها ببعض النقود لشراء مخدر الشيرا، هذه المادة التي كان عبدالله، (م) يتحدث عنها كثيرا، إذ بفضلها ينتقل إلى عالم اللاوعي دون أدنى مجهود. خطط عبد الله كثيرا لجعل حياة رفيقة دربه في الإدمان دون أن تحس بذلك، ونجح في إنجاز مخططه بعد أن أصبحت حياة مدمنة مخدرات، بل الأكثر من هذا، أصبحت تتناول الحبوب المهلوسة معتقدة أنها ستساعدها في نسيان مشاكلها. بعد مدة وجيزة أصبحت حياة في حاجة ماسة للمال ولم تعد أجرتها الشهرية كافية حتى لشراء السموم، الأمر الذي جعلها تترك العمل، وتختار السلوك الإجرامي بمشاركة عبد الله الذي بدأ يتاجر في مخدر الشيرا في الحي الصفيحي (طوما)، أما حياة فكان دورها أساسيا في العملية كونها لا تلفت الأنظار، إذ أصبحت وسيطة تشتري كميات مهمة من مخدر الشيرا من أحد البارونات بالرباط، لتبيعها رفقة عبد الله بالتقسيط. لم تمر إلا شهور قليلة حتى فتح باب المال في وجهها، وهي التي كانت دوما تتمنى أن تكون فتاة ذات نفوذ ومال.
انتقلت حياة من بيت أسرتها لتسكن مع عبد الله، شريكها في تجارة المخدرات، لاتنام ليلا إلا على دخان لفائف الشيرا، وفي الصباح تبيع لعشاق السموم غرامات الشيرا، إلى أن توصلت مصالح الأمن بشكايات ضد حياة وشريكها من بعض المتهمين بحيازة المخدرات.
شرعت عناصر الأمن في البحث عن الملقبة بـ(المعلْمة) التي فاحت رائحة ترويجها للمخدرات، هذا في الوقت الذي أحس فيه عبد الله بالخطر، فلاذ بالفرار إلى وجهة غير معلومة فيما تمكنت عناصر الشرطة من اعتقال حياة بعد نصب كمين محكم لها...
"عشت في أسرة تعاني من الفقر في كل شيء.. فقر مادي.. فقر في العواطف والمشاعر.. في طفولتي الأولى حدث الانفصال بين والدتي ووالدي.. كان كل منهما لا يرغب في الحياة مع الآخر.. دفعت أنا ثمن خلافات الوالدين.. وعشت مع عبد الله الذي علمني تجارة المخدرات وتعاطيها ولم يكن أمامي من حل غير هذا". كلمات جاءت على لسان المتهمة حياة أثناء الاستماع إليها من طرف عناصر الضابطة القضائية، هذه الأخيرة التي أحالتها على غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف في الدارالبيضاء بعد متابعتها بتهمة الاتجار في المخدرات، فيما صدرت مذكرة بحث وطنية في حق شريكها.