كانا شابين في مقتبل العمر، يجلسان في الصف الأخير من الكراسي المخصصة للمعتقلين داخل إحدى قاعات الجلسات باستئنافية البيضاء.
إلى جانبهما، كان يجلس ثلاثة شباب يبدو من ملامحهم، أنهم يتحدرون من إحدى دول إفريقيا جنوب الصحراء، ينظرون إلى كل ما يتحرك داخل القاعة بنظرات مدهوشة، ثم يتكلمون في ما بينهم بصوت خافت، ويعاودون النظر نحو باقي المعتقلين أو الحاضرين، الذين كانوا بدورهم يرمقونهم بنظرات غريبة، ويتساءلون عن وجودهم بين المتهمين، ليكتشفوا أن المتهمين الثلاثة متورطين في قضية تهريب مخدرات عبر المطار.
كانت قاعة الجلسات ممتلئة عن آخرها، رجال ونساء من مختلف الأعمار، منهم من لم يقو على تحمل درجات الحرارة المرتفعة، خاصة النساء الطاعنات في السن، اللواتي افترشن الأرض، وأزحن المناديل عن رؤوسهن قليلا، وشرعن في التلويح بها من أجل التخفيف من شدة الحرارة.
بين الحاضرين، تجلس شابة جميلة، تخفظ رأسها نحو الأرض وكأنها تحاول إخفاء ملامح وجهها الجميلة، التي اعتلتها بعض الندوب الخفيفة، لم تكن تقوى على النظر إلى باقي الحاضرين أو في الجهة المقابلة التي يجلس فيها المعتقلون، وبعد برهة قصيرة، قامت من مقعدها وطلبت من باقي النساء الجالسات إلى جانبها أن يساعدوها على الخروج لأنها منهكة القوى ولا تتمكن من تحمل الاختناق داخل القاعة، وخرجت برفقتها امرأة في الخمسينات من عمرها، وهي تمسك بيديها لتساعدها على المشي، ثم جلست إلى جانبها في أحد الكراسي الإسمنتية، التي تؤثث الفضاء المحاذي لقاعات الجلسات بالمحكمة.
عقارب الساعة تشير إلى الثانية عشرة ظهرا، الحاضرون يجوبون قاعة الجلسات ويسألون رجال الأمن الذين أنهكت قواهم الحرارة المرتفعة.
البعض منهم يخرج قليلا من القاعة ليدخن سيجارة، أو يتجرع قنينة من المياه المعدنية الصالحة للشرب، ثم يعود بسرعة ليسمح لزميل آخر له بالاستراحة قليلا، فيما يستغل الحاضرون خاصة من أقارب المتهمين، أي فرصة للحديث مع أبنائهم أو يستخدمون الإشارات والإيماءات ليطمئنوا على أحوالهم داخل السجن.
وقفت امرأة عجوز إلى جانب أحد رجال الأمن، وطلبت منه أن يسمح لها بالحديث مع حفيدها الموجود بين المتهمين، والذي ستنظر المحكمة في قضيته، فأمرها بالجلوس والحديث معه، وبعد سلسة من الإيماءات والإشارات بينهما، سلمت رجل الأمن كيسا كان بين يديها، وأمرها بالخروج بعد أن طمأنها أنه سيسلمه لحفيدها، المعتقل على خلفية ارتكابه لمجموعة من السرقات.
دخلت هيئة الحكم بعد نصف ساعة تقريبا، وبعد الإعلان عن بداية الجلسة، فتح رئيسها أول الملفات التي كانت متراكمة أمامه، وضرب بيديه بقوة فوق منصة الحكم، آمرا الجميع بالحفاظ على الهدوء داخل القاعة، ثم نادى على المتهمين الجالسين في آخر الصفوف.
وقف الشابان مطأطئي الرأس أمام القاضي، ووقفت إلى جانبهما الفتاة منهكة القوى بعد المناداة عليها أيضا، كانت ترتدي جلبابا وردي اللون، وتضع منديلا يظهر الكثير من شعرها الناعم، وقفت خلفهما مباشرة وكأنها تخشى الاقتراب منهما، قبل أن يطلب منها القاضي التقدم أمامه ليتمكن من سماع تصريحاتها.
سأل القاضي المتهمين الأسئلة المعتادة، وتلى عليهما التهمة المتابعين بها، وعندها ساد صمت غريب وسط قاعة الجلسات، كان الشابان متابعان بتهمة الاغتصاب، والضحية هي الشابة التي وقفت إلى جانبهما.
طلب محاميها من القاضي أن يأمر بجلوسها، لأنها مازالت في مرحلة النقاهة ولا تقوى على الوقوف طويلا.
تعمل الضحية خادمة لدى إحدى العائلات الثرية بالدارالبيضاء، وتتحدر من منطقة قروية بضواحي المدينة، اعترض سبيلها الشابان ليلة الحادث، في حدود التاسعة والنصف مساء، حين خرجت لتتبضع بعض المستلزمات من بقالة تبعد قليلا عن فيلا مشغلها. أما المتهمان فيعملان في أحد الأوراش غير المكتملة البناء بالمنطقة نفسها، وحين رمقا ضحيتهما، اقترب أحدهما منها بدعوى أنه معجب بها ويريد التعرف عليها، وأصر على مرافقتها للبقالة، وانتظرها خارجا ليبدي لها حسن نواياه، ثم طلب منها أن تمنحه قليلا من وقتها ليتعرف عليها أكثر، لكنها رفضت وأصر على ذلك، وحين ابتعدا قليلا عن الفيلا، لحق به شريكه الذي كان يراقب الوضع من بعيد، وأخذاها تحت التهديد بالسكين إلى ورش بناء آخر في طور الاكتمال، خال من العمال، وهناك تناوبا على اغتصابها وغابا عن الأنظار، واستجمعت الضحية قواها بصعوبة شديدة، قبل أن يساعدها أحد الحراس بالتوجه نحو مركز قريب للشرطة، وهناك نقلوها على وجه السرعة إلى المستشفى، ثم دونوا تصريحاتها في محاضر قانونية تضمنت وصفها الدقيق لملامح المعتديين، وأحيل الملف على الشرطة القضائية، التي استطاعت اعتقال المتهمين بعد أسبوعين من فرارهما وأحيلا على المحكمة، وكانت جلسة ذلك اليوم، جلسة الاستماع إلى تصريحات المتهمين والضحية.
حين سألهما القاضي حول التهم المنسوبة إليهما، نفى المتهمان اغتصاب الفتاة، وشددا على أنها رافقتهما عن طيب خاطرها، لكن الضحية واجهتهما بكل ما ارتكباه في حقها، واختلطت كلماتها بدموعها وهي تحكي تفاصيل الاعتداء عليها، وكان القاضي يرمق المتهمين بنظرات حادة تعبر عن غضبه، وهو يصغي باهتمام شديد لأقوال الضحية، قبل أن يأمر بتأجيل القضية إلى وقت لاحق من أجل الاستماع إلى مرافعات الدفاع.