يباشر قاضي التحقيق البحث التفصيلي في ملف مختل عقليا، متهم بمحاولة قتل، بعد أن قضى أربع سنوات بمستشفى الأمراض العقلية ببرشيد.
لتلقي العلاجات اللازمة، إذ كان يعاني من هواجس وأحلام تحمله على ارتكاب حماقات تتجاوز كل الحدود، لتصل إلى محاولة ارتكاب جرائم دموية في حق مرافقيه.
استعدت أسرة (المريض) لنقله إلى مصحة خاصة لعرضه على طبيب نفساني، وفاء بالالتزام الذي تعهد به والده كشرط لمغادرته المستشفى ببرشيد. غير أن المريض كان له رأي آخر وبدأ يفكر في خطة للانتقام من أخته و ابنة أخيه بالاعتداء عليهما بالسلاح الأبيض، في محاولة لقتل الأولى لأنها تحرض والده على نقله إلى المستشفى لعرضه على الطبيب.
تلقت عناصر الأمن مخابرة هاتفية حول وقوع اعتداء بالسلاح الأبيض، كان وراءه شاب مختل عقليا، ارتكبه في حق أخته (فاطمة) وابنة أخيه (زهرة) هذه الأخيرة التي أصيبت بطعنة في البطن فيما تعرضت الأولى إلى طعنات عدة بجسمها. انتقل إلى مكان وقوع الحادث عناصر الأمن وسيارة الإسعاف التي نقلت الضحيتين إلى قسم المستعجلات لتلقي العلاجات اللازمة، أما مرتكب الجريمة، فقد فر إلى وجهة غير معلومة، بعد الإقدام على فعلته ولم يجد عناصر الأمن غير الاستماع إلى ابنة أخ المتهم وهي طفلة صغيرة (13 سنة) لفهم الوقائع و معاينة مكان وقوع الجريمة (البيت) الذي تناثرت فيه الدماء بشكل ملفت للنظر.
بدأت التحريات الأولى بالبحث عن مرتكب الجريمة، بعدما تأكد لرجال الأمن استنادا إلى المعلومات التي استقوها، أن الفاعل الحقيقي هو أحمد (30 سنة) المعروف لدى سكان الدوار بمعاناته من خلل عقلي و بسوابقه العدلية، وبينما كان رجال الأمن يقومون بحملة تمشيطية بالدواوير المجاورة، تمكنوا من إيقاف واعتقال أحمد الذي كانت بقع الدم ماتزال ظاهرة على ملابسه. وبعد تفتيشه، و إبلاغ النيابة العامة بتطورات القضية، جرى وضعه تحت المراقبة الطبية بقسم الأمراض العقلية، واستنادا إلى الوثائق المعروضة مع الظنين و الحالة التي يوجد عليها، حرر الدكتور المشرف عليه تقريرا يؤكد من خلاله، معاناة أحمد من اضطرابات عقلية حادة، و أن قواه العقلية تجعله غير قادر على التمييز. كما خلص التقرير إلى أنه غير مسؤول عن الأفعال المنسوبة إليه.
عاش أحمد حياة مضطربة نفسيا و اجتماعيا، إذ لم تنفع الحياة الزوجية في التخفيف عنه من بعض الكوابيس التي تؤرقه و تمنعه من النوم، عاشت معه زوجته عناء شديدا وتجرعت معه مرارة الحياة، ورغم ذلك بدأ يشك في وفائها و إخلاصها له، و بدأ يعتقد أنه ضحية لبعض أفعال الشعوذة، وهي اعتقادات بدأت تقوده إلى التفكير في التخلص منها و الانتقام لكرامته، ظنا منه أن موتها سيحرره و يضع حدا للكوابيس المزعجة التي يعاني منها كل يوم، ما جعله يقدم على محاولة قتلها بالسلاح الأبيض ويعترف بذلك أمام عناصر الأمن.
بعد عرضه على طبيب مختص، وإخضاعه لخبرة طبية أثبتت خلاصتها ما انتهت إليه الخبرة الأخيرة، تم إيداعه بمستشفى برشيد للأمراض العقلية حيث قضى أربع سنوات من العلاج، و لم يغادره إلا بعد التزام والده و تعهده بإخضاعه للمراقبة الطبية، سيما أن حالته الصحية (بعد مواظبته على تناول الأدوية)عرفت تحسنا ملحوظا.
أكد والد الجاني والضحية في نفس الوقت للضابطة القضائية بأن الاضطرابات النفسية و العقلية التي يعاني منها أحمد، وراثية، استنادا إلى الأعراض التي كان يعاني منها أحد أبنائه الذي وضع حدا لحياته بالانتحار شنقا، و ابن آخر ما زال على قيد الحياة، يعاني من أعراض مماثلة، أما في ما يخص إخوة رب الأسرة فقد أكد هذا الأخير أن له أخ يعاني من خلل عقلي و نفسي.
أثناء الاستماع لأحمد أمام الضابطة القضائية، وجوابا عن سؤالها بخصوص سوابقه، أفاد بعدم وجود أية سوابق عدلية له، سوى محاولة قتله لزوجته معززا جوابه بالأسباب التي حملته على سلوكه الإجرامي. وعن الأسباب التي دفعت أحمد لارتكاب جريمته في حق أخته فاطمة، فقد عزاها للانتقام منها لأنها تحرض والده على أخذه إلى المستشفى، وإبعاده عن الأسرة. كان الظنين يعتقد أن عرضه على الطبيب الذي يتتبع حالته و يخضعه للمراقبة، سيؤدي إلى اعتقاله و حرمانه من حريته، التي استعادها بعد أربع سنوات ببرشيد.
ومنذ عودته إلى البيت، وهو يواظب على تناول الأدوية، إلى أن أخبره والده قبل يومين بموعد زيارة الطبيب دون أي توضيحات إضافية، هذا الخبر الذي تلقاه أحمد دون أن يتفاعل معه ظاهريا و لم يبد أي امتناع، لكنه منذ تلك الليلة بدأ يمتنع عن تناول المهدئات التي وصفها له الأطباء، مما جعل حالته الصحية تتدهور يوما بعد يو. إلى أن تدخل والده وأنقذ حياته بعد نقله إلى قسم المستعجلات، ليجري نقله بعد ذلك إلى مستشفى الأمراض العقلية ببرشيد.