نزاع بين الجيران ينتهي في دهاليز المحكمة

مشتبه به للقاضي: الضحية نتفات ختي وحاماتنا كلنا صحيحة تبارك الله

السبت 19 يوليوز 2008 - 10:52

نظرت الغرفة الابتدائية بالدارالبيضاء، في قضية ثلاثة متهمين متابعين من أجل جنحة الضرب والجرح العمدين.

وأنكر المشتبه بهم أثناء الاستماع إليهم من طرف هيئة المحكمة جل التهم المنسوبة إليهم، رغم أنهم اعترفوا بها أثناء مثولهم أمام عناصر الضابطة القضائية.

مثل كل الأحياء الشعبية، يعرف الحي الحسني بمدينة الدار البيضاء كثافة سكانية كبيرة، إذ تنتشر ظاهرة كراء الغرف داخل البيت الواحد بشكل كبير، وهو ما يجعل مجموعة أفراد يقتسمون البيت نفسه، ويفرض عليهم في بعض الأحيان اقتسام متطلبات الحياة بحلوها ومرها.

داخل منزل يضم ثلاث غرف، اكترت فاطمة الأرملة القادمة من إحدى البوادي القريبة واحدة منها، كانت تستقر فيها بعدما تنتهي من عملها بإحدى المصانع بالمنطقة الصناعية، حيث كانت تشتغل بمعمل لتصدير الخضر والفواكه، ونظرا لضغط العمل وقساوته، كانت فاطمة تعود في ساعات تختلف من يوم لآخر حسب العدد المتوفر من السلع، وبمجرد ما تطأ قدماها عتبة البيت، تأكل قليلا، وتخلد لنوم عميق، لعلها تخلص جسدها من تعب يوم شاق أنهك قواها.

استمرت حياة فاطمة على هذا المنوال، وما كان يثلج صدرها هو أن كلا الغرفتين المجاورتين لها في السكن، تقطناها فتيات في مثل وضعيتها، يقضين النهار في أغلب الأحيان في الكد والعمل، ويأتين في المساء للخلود إلى الراحة، لكن هذا الجو الهادئ لن يستمر طويلا، إذ في إحدى الأيام، وبينما هي تحضر طعام الإفطار، استوقف نظرها سحنة امرأة لم تعتد عليها، فبادرتها بالتحية، وعرفت فاطمة من خلال الكلمات القصيرة التي تبادلاها، أنها جارتها الجديدة، وهي امرأة متزوجة ولديها طفل.

رحبت فاطمة بالجارة، وتمنت لها مقاما طيبا رغم أنها شعرت منذ الوهلة الأولى بأن مقامها، سينقلب هدوءه صخبا وصراخا.

عادت فاطمة في المساء إلى غرفتها متمنية أن تنعم بنوم هادئ تعوض به الإرهاق الذي تعانيه طوال النهار، استلقت فوق سريرها وتركت النوم يداعب مقلتيها، لكن صوتا بالخارج أثار حساسيتها، وأفقدها القدرة على الاسترخاء، وعندما اختلست النظر من النافذة، لمحت منظر طفل يداعب بقدميه الصغيرتين كرة، ما جعل النوم يفارق مقلتيها.

حاولت فاطمة التحمل والصبر، خاصة وأنه أول يوم يقضيه الجيران إلى جوارها، لم تشأ أن تكون المبادرة بفعل قد يفهم من طرفهم على أنه تكبر أو شيء من هذا القبيل.

كابدت صراخ الصبي وتحملت صوت ضربات الكرة وهي تلتطم بجدران الحائط، حاولت أن تسيطر على أعصابها وهي تحدث نفسها بأنه شغب طفولي قد ينتهي بخلود الطفل للنوم.
توالت الأيام على المنوال نفسه، وبدأت فاطمة تشعر بالإرهاق، ويوما بعد يوم، كانت قدرتها على الصبر تنقص، خاصة وأنها تحتاج لكل دقيقة راحة نظرا للمجهود الذي يتطلبه العمل، أكثر من 12 ساعة يوميا تقضيها وقوفا تسابق الساعات لإكمال حصتها من الصناديق التي قد تتعدى العشرين، ولعل ماكان يزيد من توتر أعصاب فاطمة هو كثرة الزائرين الذين يترددون على غرفة الجيران، وتعالي الأصوات بشكل مستفز لا يحترم أدنى شروط الجيران واحترام الآخر.

ذات يوم، عندما كان الطفل في شغبه المعتاد، رمى بقطعة من ألعابه بشكل عشوائي، فارتطمت بزجاج غرفة فاطمة، الذي انكسر ما جعلها تخرج من صمتها. توجهت عند جارتها قصد إبلاغها بشكواها، غير أن الأم لم تتقبل الطريقة التي عمدت فاطمة إلى سلكها في ذلك، وبعد أخذ ورد بينهما، ارتفع مستوى النقاش بينهما، وتطور إلى مشاداة كلامية انتهت بتشابك بالأيدي، قام على إثره أخ الجارة وأختها اللذان كانا في البيت الصغير على إشباع فاطمة ضربا، لدرجة سقوطها أرضا وفقدانها الوعي.

بعد تدخل بعض الناس جرى فض الاشتباك، وتقديم بعض الإسعافات لفاطمة التي سارعت بمجرد استعادتها الوعي إلى التوجه نحو مصالح الأمن، لتقديم شكوى في حق الثلاثة الذين أقدموا على الاعتداء عليها.

بعد استدعاء الإخوة الثلاثة إلى مقر الدائرة الأمنية، جرى الاستماع إليهم في محضر تمهيدي، قبل أن تجري إحالتهم على المحكمة الابتدائية بالدارالبيضاء.

داخل قاعة شبه فارغة، مثل الأشقاء الثلاثة والضحية أمام رئيس هيئة المحكمة، الذي لا يكاد صوته أن يصل إلى الجالسين داخل القاعة، رفع القاضي رأسه نحو شقيق المشتبه بها موجها له الأسئلة المعتادة.

القاضي: سميتك وسميت باك وفاش زايد؟

شقيق المشتبه بها :خالد بن بوشعيب مزيود ف 1986

القاضي: علاش ضربتي هاذ السيدة؟

شقيق المشتبه بها: ما ضربتها ما والو هادوك عيالات بيناتهم خليتهم تناتفو بالعكس أنا جرحوني ف عنقي فاش بديت كنفك...

القاضي: وهاد الضحية قالت قدام البوليس أنك نتا لي زركتي ليها عينها؟

شقيق المشتبه بها: والله أ سيدي ما ضربتها رغا كتبان ليكم فحال هكدا، هاذ الضحية نتفات ختي و حاماتنا كلنا، صحيحة تبارك الله.

لم يجد القاضي أمام جواب شقيق المتهمة، غير إخفاء وجهه وراء محاضر الضابطة القضائية، لخطف ضحكة قصيرة لم يستطع الكشف عنها أمام الحاظرين بالقاعة 5 بالمحكمة الابتدائية بالدارالبيضاء.

أشار القاضي بيده لشقيق المشتبه بها بالجلوس دون أن يكمل أسئلته، متوجها بعد ذلك إلى المشتبه بها سعاد سائلا إياها.

علاش ضربتي هاد السيدة

سعاد: هي لي ضرباتني وضربات ولدي فاش كان كيلعب الكورة.

القاضي: قلتي قدام البوليس أنك ضربتيها؟

سعاد: ماشي ضربتها تناتفنا بجوج وملي غلباتني جا خوي وختي فكونا
تناسلت أسئلة القاضي للبحث في ملابسات الحادث، غير أن المشتبه بهم أنكروا جل التهم المنسوبة إليهم، إذ رفعت الجلسة للمداولة، لينشب صراع آخر بين المشتبه بهم والضحية انتهى بتدخل حارسي أمن أمرا الجميع بالجلوس في انتظار دخول هيئة المحكمة للنطق بالحكم.




تابعونا على فيسبوك