أدانت الغرفة الجنائية الابتدائية بمحكمة الاستئناف بآسفي، أخيرا، متهما بالقتل العمد، بثلاثين سنة سجنا نافذا، بعد متابعته بتهمة "القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد".
وهي التهمة التي توبع بها أمام مصالح الشرطة وقاضي التحقيق بالمحكمة نفسها.
تفاصيل هذه الجريمة مثيرة، وأغرب ما فيها أن المتهم لم يتوقع يوما أنه سيصبح مجرما يقضي بقية عمره وراء القضبان.
انطلقت الوقائع بحب كبير، كان يكنه الضحية لشقيقة المتهم قبل أن يتزوجها، حين فكر في الزواج بعد أن شاهدها بالصدفة، وعلقت صورتها بمخيلته، ولكنه لم يجرؤ على البوح بذلك، لأن الفتاة التي اختارها قلبه وعقله، وافتتن بجمالها وأدبها وأخلاقها، كانت ابنة رجل من أغنياء القرية، وهو مجرد فلاح بسيط، لكنه معروف بين شباب القرية بمنطقة اثنين لغيات التي يتحدر منها، بجديته وحسن أخلاقه وتفانيه في العمل، وصبره وتحمله.
أصبح الضحية يفكر كثيرا في حبيبته، التي اجتمعت فيها محاسن الزوجة الصالحة،
ودخل في موجة من القلق وهو لا يستطيع أن يتفطن لردة فعل والدها تجاه طلبه الزواج منها، وتناسلت في عقله العديد من الأسئلة، حول إمكانية قبوله تزويجها من شاب فقير ، لا يملك سوى حبه وعمله اليومي، لكن بتشجيع من أهله، تقدم إليها في أحد الأيام، وطلب يدها من والدها بكل حزم وثقة، وطأطأ رأسه أمام والدها وهو يترقب كل ردود الفعل الغاضبة لجرأته، لكن والد حبيبته بدد جميع هواجسه، وجعل الفرحة تعلو وجهه، وهو يعلن قبوله ومباركته لهذا الزواج، من منطلق ما عرف عنه من حسن الخلق.
حدد موعد الزفاف، وأخبر والد العروس الضحية أنه سيتكلف بكل مصاريف الحفل، واقتنى للعروسين منزلا جديدا مجهزا بكل حاجيات العروسين ومتطلباتهما، لأنه يعرف أن زوج ابنته لا يملك مالا وفيرا، فشعر الضحية بفرحة غامرة وارتياح شديد، واعتقد أن زواجه من حبيبته، سيخفف عنه من عناء العمل كمياوم في الحقول بالقرية، خاصة أن صهره، يملك مجموعة من الأراضي الفلاحية.
لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فرضى صهره عنه وحبه له، لم يلق بالمقابل سوى الكره والحقد من قبل أشقاء زوجته، الذين رفضوا زواج أختهم من شاب ليس من طبقتهم الاجتماعية، ورغم أنه كان حريصا على سعادة زوجته وحبه لها، وتفانيه في العمل داخل أراضي والدها جنبا إلى جنب معهم إلا أنهم لم يوافقوا على هذا الزواج الذي كانوا يعتبرونه غير متكافئ.
وكان الضحية يضاعف من جهوده في عمله، غير آبه بما يكنه له أشقاء زوجته، وبعد انصرام سنتين من زواجه، ألم مرض بالوالد ألزمه الفراش لمدة فاقت الشهرين، أسلم بعدها الروح إلى بارئها.
أصبح شقيق زوجته الأكبر، هو المكلف بأملاك والده، ووجد الفرصة سانحة كي يظهر لصهره ما يكنه في قلبه تجاه، لينطلق مسلسل الإهانات والتهديدات بالطرد من
المنزل الذي اقتناه والده الراحل، وأيضا منعه من العمل بالأراضي الفلاحية، إن هو لم ينفذ أوامره.
لم يتحمل الضحية تهديدات شقيق زوجته، فقرر الابتعاد عنه والعودة للعمل فلاحا مياوما عوض الذل والمهانة، وفي هذه الفترة، أنجبت زوجته مولودة جميلة، أدخلت الفرح إلى قلبه من جديد، جعلته يتمسك بضرورة الحصول على ميراث زوجته من أملاك والدها، ليستطيعا معا تحمل مصاريف المنزل ومتطلبات الرضيعة.
طلب في البداية من زوجته أن تفاتح شقيقها في موضوع الميراث، لكنها تفاجأت برفضه القاطع لاقتراحها منحها قطعة أرضية رفقة زوجها بل أمرها شقيقها بأن لا تعاود زيارته ببيته، الذي لم يكن سوى بيت والدها المتوفي.
عادت الزوجة ودموعها على خديها، لتخبر زوجها برفض شقيقها وأمره بنسيان الأمر، وحملته مسؤولية الدفاع عن نصيبها في الإرث، ففكر الضحية جيدا وهداه تفكيره إلى التوجه نحو أعيان القبيلة وشيوخها، للتدخل لدى صهره للموافقة على منح زوجته نصيبها، ومساعدته على تحمل أعباء أسرته الصغيرة التي بدأت تكبر مع مرور السنوات، لكن المتهم زاد من عناده وإصراره على رفض الأمر، فما كان من الضحية إلا أن أصبح مثل ظل المتهم، يطارده في أي مكان يحل به، ليطالبه بنصيب زوجته وأمام الملأ، فضاق المتهم من تصرفات صهره، وفكر في وضح حد لها.
في يوم الحادث، خرج الضحية كعادته في الصباح الباكر متوجها لعمله، ففوجئ بعد الابتعاد عن منزله بمسافة طويلة، بشقيق زوجته ينتظره بالممر المؤدي إلى السوق الأسبوعي، فاعتقد الضحية أن الأخير ربما تراجع عن إصراره وقرر تسليمه حق زوجته، لكن حين اقترب منه بادره المتهم بضربة قوية على الرأس بعصا غليظة كان يحملها بين يديه، سقط على إثرها مغشيا عليه، وواصل المتهم ضرباته في أنحاء مختلفة من جسده، ثم كبله وتركه غارقا في دمائه، وتوجه نحو مدينة آسفي، وعاد في اليوم الموالي، ليخبره أفراد عائلته بوفاة الضحية متأثرا بالضربات القوية التي تلقاها، فتوجه تلقائيا نحو أقرب مركز للشرطة وسلم نفسه، معترفا أنه من تسبب في موت الضحية.
وبعد إنهاء التحقيقات أحيل على قاضي التحقيق ثم على غرفة الجنايات التي اعتبرته مذنبا وقضت في حقه بـ 30 سنة سجنا نافذا، وأدانته بتهمة القتل العمد.