نظرت غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف في الدارالبيضاء أخيرا، في قضية متهم متابع بجناية الضرب والجرح المفضيين إلى الموت دون نية إحداثه.
وبعد الاستماع إلى كل الأطراف المتابعة في القضية بمن فيهم الشهود وإنهاء مجريات البحث والتحري جرى الحكم على المتهم بعشر سنوات سجنا نافذا.
تفاصيل قضية شاب سيقبع في السجن لفترة مهمة من حياته لسبب تافه.
في ذلك اليوم الاستثنائي من شهر يونيو، تحول حي بمنطقة درب غلف وسط مدينة الدار البيضاء، إلى ساحة للركض والعدو، بعد سماع صدى عراك طاحن بين صديقين انتهى بجريمة قتل بشعة، اكتفى مواطنون بتتبع فصولها من بعيد، فيما بادرت عناصر الشرطة القضائية، إلى القيام بالإجراءات اللازمة من أجل فك خيوط الواقعة، وكشف ملابسات الجريمة، التي مازالت عالقة في أذهان الكثير من سكان المنطقة، إلى حدود كتابة هذه السطور، بل ويرددونها لأجل الاعتبار بقصة الصديقين اللذين جمع بينهما أكثر من قاسم مشترك، وفرقت بينهما قساوة الزمن اللعين. كواليس القضية وقعت بمدينة الدارالبيضاء وقضت فيها غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالمدينة نفسها.
في حي بسيط من أحياء مدينة الدار البيضاء، نشأت علاقة حميمية بين صديقين منذ أيام الدراسة، (فؤاد.ن وهشام.م)، صديقان جمعتهما السنون في كفة واحدة، أحبطتهما أجواء الدراسة، ولم يكن بإمكانهما أن يستمرا في هذا الوضع، طرقا باب الرزق بعيدا عن ردهات المدارس، في البداية اقترح فؤاد الذي ينتمي إلى عائلة فقيرة نازحة من مدينة الخميسات على صديقه كراء عربة خشبية من أجل التجارة في الفواكه والخضروات، غير أن الفكرة لم تنل إعجاب هشام الذي أصر على بيع الملابس المستعملة في سوق شعبي، وهو، ثالث أربعة ذكور في أسرة لم تنل حظها من التعليم، ما جعلها تخرج إلى الشارع بحثا عن فرص عمل ممكنة، إذ استطاع كل واحد منهم أن يضمن عملا بسيطا بعد سلسلة من المتاعب والمعاناة، غير أن حب هشام للتقنيات المعلوماتية التي تدرب عليها عندما كان تلميذا في مرحلة الابتدائي، جعل طموحه يراوده من أجل الذهاب في المجال بعيدا، إذ حاول كراء محل صغير في منطقة تبعد عن مقر سكناه، غير أن ظروفه الاجتماعية جعلته يعدل عن حلمه، ولم يكن بإمكانه إلا أن يرضخ للأمر الواقع وأن يعيد النظر في حساباته.
بعد توالي الأيام والشهور اجتمع الصديقان من جديد للتأمل في الوضع الحرج، فؤاد يحتاج إلى المال لتدبير شؤونه ولوازمه الشخصية، وهشام ليس له مورد غير أخ سئم من مده ببعض الدريهمات كل يوم، كل الظروف كانت مهيأة للبحث عن عمل دون الاستفسار عن نوعه، شريطة أن يدر مالا، هكذا وصل حد اقتناع الصديقين بالأمر وجلسا سويا عدة مرات يفكران في الأزمة، غير أن الأبواب ظلت موصدة في وجههما.
بحث هشام في كل الأمكنة عن عمل يدر عليه مالا، ويستقبل طموحاته، وأفكاره وإبداعاته، وضع نهج سيرته لدى الكثير من مالكي محلات إصلاح الأجهزة الإلكترونية بالسوق المعروف (درب غلف)، غير أن أماله سرعان ما خابت حين وجد نفسه وحيدا غير مرغوب في خدماته، ظل الحال على ماهو عليه أياما طويلة. وبلغت الصدمة أوجها حين علم بأن صديقه فؤاد تمكن من الحصول على محل محترم في سوق شعبي بالدارالبيضاء، وأخبره أنه لا يستطيع تشغيله معه لأن المحل ليس في ملكيته، توالت الأيام وتوثرت العلاقة بين الصديقين، وطالت شهور الجفاء بينهما إلى أن بلغت أوجها بنشوب نزاع بين الطرفين أمام الناس، انتهى بتدخل رجال الأمن الذين استمعوا للصديقين وحاولوا إصلاح ذات البين ونجحت محاولتهم لتعود المياه إلى مجاريها.
رغم الصلح الذي جرى بين الصديقين، بقي هشام ينتظر فرصة للانتقام من صديقه خاصة بعدما طرد من المحل، هذا المكان الذي كان يأمل أنه سيكون فضاء لتفجير مواهبه وإبداعاته، حاول أن ينسى بمختلف الوسائل، احتسى جرعات من الخمر، ثم تناول بعض الحبوب المخدرة ليدخل عالم اللاوعي من بابه الواسع، واتهم فؤاد بأشياء لم يفعلها أبدا، كان همه الوحيد هو الإساءة إلى سمعة صديقه في الحي، ظل التوثر قائما بين أصدقاء الأمس إلى أن تدخل شباب الحي من جديد لإصلاح النزاع، غير أن المياه لم تعد إلى مجاريها بالشكل الذي كانت عليه في بداية الأمر.
في مساء ذلك اليوم الذي سيتحول إلى ذكرى حزينة، وقع فؤاد في خطأ غير مقصود سيكون نهاية مساره في هذه الحياة، فعوض أن يبيع هاتفا محمولا تابعا لأملاك المحل، باع خطأ هاتف صديقه هشام، ولم يدر بالخطأ الذي ارتكبه حتى وقف أمام عينيه صاحب الهاتف(هشام)، كانت عقارب الساعة تشير إلى السادسة مساء موعد نشوب عراك حامي الوطيس بين الشخصين، انتهى في رمشة عين بطعنة وجهها هشام إلى بطن فؤاد بواسطة مبرد، كان يستعمله هذا الأخير في عمله، أمام تجمهر عدد كبير من سكان الحي، الذين بادروا إلى إخبار مصالح الأمن التي انتقلت إلى عين المكان وألقت القبض على الجاني، فيما جرى م نقل الضحية فؤاد إلى قسم المستعجلات بمستشفى ابن رشد بالدارالبيضاء، غير أنه فارق الحياة قبل تلقيه الإسعافات الأولية.
استمعت عناصر الضابطة القضائية إلى المتهم هشام، الذي صرح لرجال الأمن بأنه لم يكن ينوي قتل صديقه وأنه نادم على كل ما اقترفه من جرم، وبعد إنهاء مجريات البحث والتحقيق، والاستماع إلى عدد من الشهود في القضية جرت إحالة المتهم على غرفة الجنايات، بمحكمة الاستئناف في الدارالبيضاء، بتهمة الضرب والجرح المفضيين إلى الموت دون نية إحداثه، وبعد عدة جلسات للنظر في القضية، قضت هيئة المحكمة بالسجن عشر سنوات في حق المتهم الذي سيدخل عالم ما وراء القضبان نتيجة تهور لا معنى له.