دنت عقارب الساعة ذلك اليوم من الواحدة ظهرا، امتلأت جنبات قاعة الجلسات عن آخرها بالمتقاضين، لكن كان أغلب الحاضرين من النساء.
من مختلف الأعمار، يجلسن جنبا إلى جنب على الكراسي الخشبية التي تؤثت فضاء القاعة، ومنهن من تحمل طفلا صغيرا على ظهرها أو بين يديها، أغلبهم يبكون من شدة الحرارة داخل القاعة، التي أصبحت شبيهة بحمام شعبي، والتي كانت ممتلئة عن آخرها، وما زاد من حرارتها غياب مكيفات هوائية داخل القاعة، إذ تجد الجميع منشغلا بمسح العرق من وجهه، دون أن يفكر أحد في الخروج من القاعة، بل يراوح مكانه ويلتفت يمينا وشمالا وكأنه في مهمة مراقبة من أن يأتي شخص آخر ويسطو عليه.
أما رجال الأمن المرابضون داخل قاعة الجلسات وكأنهم في حالة استنفار أمني بشكل متواصل، يراقبون كل شيء ولا يكفون عن الصراخ في وجه أفراد عائلات المتهمين، الذين هم إما لا يحترمون النظام، أو لا يكفون عن إحداث الشغب والفوضى، أو يتحدثون بصوت مرتفع، وهناك بعض النساء، لا يكفن عن التجول داخل قاعة الجلسات وغيرها من القاعات الأخرى للمحكمة، وما يثير انتباهك أنهن يتشابهن في ملامحهن السافرة، وكذلك في ارتداء جلاليب تقليدية وملابس عصرية مثيرة ومزركشة، تظهر جانبا كبيرا من مفاتنهن، وكل واحدة منهن تصبغ شعرها بلون مختلف فاقع، وتضع أحمر شفاه وطلاء أظافر مثير، إضافة إلى الحلل الذهبية التي يزين بها أعناقهن وأياديهن وحتى أقدامهن، ويحملن بين أيديهن حافظات نقودهن الملونة متوسطة الحجم.
بعد نصف ساعة تقريبا دخل المتهمون، كان من بينهن ثلاث نساء، جلسن خلف المتهمين الرجال، كن شبيهات جدا بباقي النساء اللواتي حججن إلى قاعة الجلسات، اثنتان من النسوة الثلاث، ضبطتا في قضية فساد ودعارة في إحدى الشقق المفروشة، وأحيلتا على المحكمة بتهمة التعاطي للفساد والتحريض عليه، أما الثالثة، فاعتقلت على خلفية قضية نصب واحتيال، إذ كانت تحتال على ضحاياها بإيهامهم بمساعدتهم على الهجرة إلى الديار الإسبانية، بعقود عمل، اكتشف أنها مزورة، ومن الضحايا من نصبت عليه وأخذت ماله واختفت عن الأنظار.
جلست النساء الثلاث يترقبن الحضور بنظرات مسروقة من خلف المناديل، التي يضعنها على رؤوسهن، وتظهر جانبا كبيرا من شعورهن الشقراء، وفي غفلة من رجال الأمن يتبادلن الإيماءات والنظرات والأحاديث رفقة باقي النساء رفيقاتهن، الحاضرات داخل القاعة.
عادة ما تجلس النساء المتهمات خلف باقي المتهمين، وينزوين في آخر كرسي من الكراسي المخصصة للمتهمين، ولا ينظرن كثيرا إلى الحضور الهائل داخل قاعة الجلسات.
طلبت إحدى رفيقات المتهمتين في قضية الدعارة، من أحد رجال الأمن أن يتركها تتحدث إلى رفيقتيها لكنه رفض رفضا قاطعا وأمرها بمغادرة المكان، وانطلقت الهمهات بصوت مرتفع داخل القاعة، معلنة عن استنكارها لما قام به الشرطي، ويبدو أن باقي النساء هن صديقات لهما، إذ أخذت إحداهن تتحدث إلى امرأة قريبة منها وهي تحكي لها عن واحدة من المتهمتين في قضية دعارة، وتقول إنها مسكينة وليس لها حظ في هذه الدنيا، وروت أنها كانت تعمل لدى إحدى العائلات الغنية واعتدى عليها ابن صاحب المنزل، وعندما علمت والدته طردتها شر طردة، فلم تتمكن من العثور على عمل جديد داخل المنازل، لأن الجميع كان يتحين الفرصة للنيل من شرفها، لأنها جميلة جدا، وأمام الفقر والجوع ولأنها المعيلة الوحيدة لأسرتها، التي تقطن بالقرية، احترفت الدعارة، وأضافت قائلة "هاهي مسكينة دابا كدوز في الحبس الله يكون معاها وخلاص".
بهذه الكلمات ختمت المرأة حديثها، وخرجت لبرهة من قاعة الجلسات، وأثارت هيئتها انتباه باقي الحاضرين داخل القاعة، الذين لاحقوها بنظراتهم، سواء النساء أو الرجال منهم.
دخلت هيئة الحكم التي كانت تتكون فقط من قاض واحد وممثل النيابة العامة وكاتب الضبط، وبدأ القاضي بعد افتتاح الجلسة في النظر في الملفات المتراكمة أمامه، ثم نادى على المتهمة المتابعة بالنصب، وأثار مثولها أمام هيئة الحكم حفيظة عدد من الحاضرين من ضحاياها، الذين ارتفعت أصواتهم داخل المحكمة مطالبين بأقصى عقوبة في حقها، فأمر القاضي بإخراجهم جميعا من قاعة الجلسات حفاظا على الهدوء، ثم واصل النظر في قضيتها معلنا تأجيلها من أجل إعداد الدفاع. أما المتهمتان بالفساد، فأدرج القاضي ملفهما في المداولة من أجل النطق بالحكم إلى آخر الجلسة.