فيما يقدم البعض سيدي إيفني وكأنها ساحة للدم والنار والفتنة والدمار

كم دولا عبر العالم تنشئ لجانا برلمانية للتقصي عقب وقوع مظاهرة؟

الجمعة 04 يوليوز 2008 - 08:37

الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة، هي وحدها المطلوبة في أحداث 7 يونيو بمدينة سيدي إيفني.

ولهذا الغرض تشكلت لجنة التقصي النيابية، واشتغلت في الرباط، ثم انتقلت إلى ساحة الأحداث، التي أسالت، وما زالت تسيل، الكثير من المداد، من زوايا نظر مختلفة، إذ عمد كل واحد ممن نقلوا الأحداث إلى ركوب رؤيته للأشياء، أو إلى تخيلاته، ما جعل المواطن، المتعطش للخبر، أمام روايات تكذب الواحدة منها الأخرى.

يجب القول، هنا، إن هناك من تعمد إعطاء صورة مغلوطة ومزعومة، إذ، ومباشرة عقب انطلاق الأحداث، قدم البعض مدينة سيدي إيفني وكأنها ساحة للدم والنار، وأن المحتجين كان يحركهم إذكاء الفتنة، عبر تخريب كل ما كان في طريقهم، لتحويل المدينة إلى دمار. ولم يقف هؤلاء عند هذا الحد، بل تعمدوا تجاوزه إلى حدود قصوى، مستعرضين حصيلة وهمية من القتلى، من نسج الخيال.

أما الذين لم يجدوا جرحا مفتوحا لاستغلاله كمطية لنواياهم، فقد فضلوا العزف الرخيص على وتر العواطف، بالوقوف طويلا على حالات افتراضية للاعتداء الجنسي والسرقة.
أمام هذه الأقوال، قدمت السلطات العمومية تكذيبا، أكدته شهادات موثوق بها لرئيسة الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، التي لا تجامل المغرب، إلى جانب تقرير كل من الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، والمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، الذي رفع الحجاب، يوم الثلاثاء الماضي بالرباط، عن الأكاذيب المقصودة والمغرضة.

والمأمول الآن، بعد هذه التوضيحات، التي مست العمق، أن نعفي اللجنة البرلمانية للتقصي، المشكلة لهذا الغرض، من أي مناخ مشحون ومتوتر، من أجل أن تستمع في ظروف مواتية للشهود، وتتمكن من تحليل وتجميع المعطيات والأخبار، ومن أي نشاط تقمصي للأدوار، وأي جوقة إعلامية تحاول اتهام البعض، والتشويش على البعض الآخر.
إن المواطن بسيدي إيفني، كما في باقي الجهات، لا يحتاج سوى إلى الحقيقة، ولكي تسطع هذه الأخيرة في وضح النهار، فإن المكلفين اليوم يجب أن يتجنبوا، هم، ويقع الحرص على تجنيبهم أيضا، كل ما يمكن أن يؤثر على أشغالهم، أو الضغط على وتيرة أجندتهم.

ويبدو أن الأمر ليس هكذا، عندما نعلم أن بعض الجمعيات تستمر في الاحتجاج أمام أبواب قاعات تلقي الشهادات، في الوقت الذي تعمد أخرى إلى توزيع بلاغات مغلوطة، وكل هذا في سباق محموم مع الساعة، وهو سباق غير بريء.

وإذا كانت أحداث سيدي إيفني لا تقبل التقزيم، باعتبارها تتعلق بمظاهرة مشروعة، فإنها، في الوقت نفسه، لا تقبل أن تعطى لها أبعاد أكثر من حجمها.

إن تدخل مصالح الأمن فرضه الحصار، الذي ضرب على مصالح عمومية طيلة عدة أيام، دون الحديث عن خسائر بالملايين تكبدها مواطنون آخرون، والاقتصاد المحلي، والمجتمع بشكل عام.

إن مثل هذه الأحداث تقع في جميع بلدان العالم دون استثناء، في الدول الأكثر ديمقراطية، كما في الدول الأقل منها.

ويمكن أن تكون هناك بعض حالات الانفلات المعزولة، أو تجاوزات فردية، وإذا جرى التحكم فيها وضبطها بالحجة، فإن القوانين يجب أن تطبق على المتورطين فيها، على اعتبار أن كرامة المواطن لا مجال للتفاوض بشأنها، ولا يمكن التضحية بها فوق مذبح أي كان.

لكن، عندما نلهو بتقديم مصالح الأمن على شاكلة غزاة، فإننا نبتعد ونحيد عن النقاش الوطني، وندخل في "علم" التجهيل غير المحسوب العواقب.

وفي مثل هذه المواقف، فإن المهم هو ألا نضيع الرؤية الوطنية للمواطنة، وضرورة امتثال كل واحد للقانون ولأعراف الأخلاق العامة، التي تعتبر المكمل الطبيعي للقانون. وقبل ذلك وبعده، يمكن لأي نزيه أن يسأل: كم عدد الدول عبر العالم، التي تنشئ لجانا برلمانية للتقصي، عقب وقوع مظاهرة في الأزقة؟




تابعونا على فيسبوك