شاب يعتدي على والده بالضرب

المتهم: كليت شي فانيدة داك النهار ومعقلتش بلي ضربتو حتى للكوميسارية

الأحد 22 يونيو 2008 - 09:57

كان من بين المتهمين، الجالسين بازدحام شديد في المكان المخصص لهم، شاب في مقتبل العمر، كان يرتدي سترة عسكرية وسروالا من الجينز أسود اللون.

وشعره الطويل ونصف وجهه مغطى بقبعة سوداء اللون، ملامحه الحادة تدل على أنه شاب قوي البنية.

كان يتطلع نحو الحضور في الجهة اليمنى المقابلة، من إحدى قاعات المحكمة الابتدائية بالدارالبيضاء، بنظرات مختلسة، من تحت قبعته التي كانت تغطي نصف وجهه، وكأنه يبحث عن شخص ما وسط هذا الكم الهائل من الأشخاص الذين تغص بهم قاعة الجلسات وجنباتها.

ينظر مرات عديدة ثم يطأطئ رأسه نحو الأرض ولا يكلم أحدا، وكان يجلس إلى جانبه ثلاثة شباب أفارقة من دول جنوب الصحراء، وإلى جانبهم انخرط العديد من المتهمين في الحديث إلى أفراد عائلاتهم، والاطمئنان عن أحوالهم.

أما رجال الأمن فيراقبون كل التحركات داخل القاعة، ويمنعون الأمهات والآباء والاشقاء والزوجات من الاقتراب من المتهمين أو تسليمهم الأكياس البلاستيكية سوداء اللون التي يحملونها بين أيديهم.

إحدى الأمهات، قالت لرجل شرطة يرابض بالقرب من منصة الحكم، وهي تبكي "اسي البوليسي راه والله غير شوية ديال الخبز فيه الفرماج ودانون بغيت نعطيهم لولدي، راه باقي صغير ومسكين غير ظلموه، رق رجل الشرطة إلى حال الأم، ثم أخذ منها الكيس وفتشه جيدا، وسألها عن ابنها فأعطاه إياه وأمرها بالعودة إلى مكانها.

دخل إلى قاعة الجلسات، بعد نصف ساعة من فتح أبوابها، رجل في الخمسينيات من العمر، كان يحمل مجموعة من النذوب والجروح التي مازالت آثارها على وجهه، وكانت يده اليمنى مكسورة، أثار انتباه الجميع الذين التفتوا نحوه، وبدأ البعض منهم يقوم من مكانه ليتركه يرتاح عليه، ووقفت إلى جانبه امرأة في عقدها الرابع، وشابة في العشرينات من عمرها. وبعد أن أخذ الرجل مكانه بين الحاضرين، التفت نحو المكان المخصص للمتهمين، وأشار بيده اليسرى السليمة نحو الشاب الذي كان يرتدي السترة العسكرية والقبعة، في حين اغرورقت عينا الشاب وهو يرد على تحية والده، وشرعت المرأة والفتاة، وهما والدة المتهم وشقيقته في مسح دموعهما المنهمرة أيضا، فقد اعتقل الشاب من طرف رجال الشرطة قبل عشرة أيام، وأحيل على المحكمة، التي حددت جلسة النظر في قضيته ذلك اليوم، وكان سبب الاعتقال اعتداؤه على والده بالضرب والجرح، حين تناول بعض الأقراص المهلوسة، ودخل في عراك مع والده انتهى بكسر في يده اليمنى وعدد من الجروح وزج به وراء القضبان.

ابتسم الأب في وجه ابنه وهو يحمل ورقة بيضاء بين يديه، في حين دخل الحاضرون الذين يجلسون إلى جانبه في حديث مطول وهم ينددون باعتداءات الأبناء على آبائهم وأمهاتهم، ويستنكرون إدمان الشباب على المخدرات والأقراص المهلوسة التي تكلفهم حياة أقربائهم وسنوات طويلة من أعمارهم في السجون.

نادى العون القضائي بأعلى صوته "محكمة"، معلنا بداية الجلسة، ودخلت هيئة الحكم وممثل النيابة العامة وكاتب الضبط، وبعد أن افتتح القاضي الجلسة، بدأ في النظر في عدد من الملفات التي تعرض عليه لأول مرة محددا تاريخا لتأجيلها، ثم نادى على الشاب صاحب القبعة باسمه، وتوجه نحوه أحد رجال الأمن، وأمسك بيده وأمره بنزع القبعة عن رأسه، ورافقه نحو منصة الحكم.

القاضي وبعد أن سأل الشاب الأسئلة المعتادة، نادى على والده بصفته المطالب بالحق المدني، فوقف إلى جانب ابنه وهو يمسح بيده السليمة عينيه ووجهه، نظر إليه القاضي نظرة حسرة ورق لحاله، وتوجه نحو المتهم بلهجة حادة سائلا إياه "واش هدا باك؟.
المتهم: نعم
القاضي: ومالك معاه، واش انت الي هرستيه؟
المتهم: صمت لبرهة وتوجه بنظراته نحو المكان الذي يقف فيه والده، وأجاب قائلا
والدموع تملأ عينيه "اييه السي القاضي، أنا الي ضربتو ..راني ماكنتش عارف اشنو كندير "
القاضي: كنتي مقرقب؟ وريني ايديك نشوف
المتهم: "اييه السي القاضي راني كليت شي فانيدة هاداك النهار...ومعقلتش راني ضربتو... وما شعرتش حتى لقيت راسي في الكوميسارية، كنطلب منو يسمح ليا ... وتوقف مرة أخرى عن الكلام وشرع في البكاء، قبل أن يضيف قائلا: " والله السي القاضي معمرني فكرت ندير هادشي .. الواليد عزيز عليا والله ما نبقا ندير شي حاجة".

أمره القاضي بالتزام الصمت، واستمع لتصريحات الأب الذي اختلطت كلماته بدموعه، قبل أن يسلم الورقة البيضاء للقاضي ليخبره أنه تنازل عن الدعوى القضائية التي يتابع بها ابنه.

حجز القاضي القضية للمداولة، بعد أن استمع لدفاع المتهم، وفي آخر الجلسة، قضى في حقه بثلاثة أشهر حبسا نافذا.




تابعونا على فيسبوك