أصدرت الغرفة الجنحية التلبسية بالمحكمة الابتدائية بالدارالبيضاء، في ساعة متأخرة من ليلة الأربعاء - الخميس، أحكاما بلغ مجموعها 10 سنوات حبسا، وتراوحت بين سنتين وأربع سنوات حبسا نافذا، في حق المتهمين الثلاثة، المتابعين في ملف "محرقة شركة الأثاث روزامور" بلي
التي أودت بحياة 55 عاملا وعاملة، وخلفت أزيد من 12 جريحا.
وأدانت الغرفة المتهم الأول رب العمل، عبد العالي مفرح، بأربع سنوات حبسا نافذا، وأداء غرامة قدرها ألف درهم، بعد إدانته بتهم "عدم توفير متطلبات وتجهيزات السلامة اللازمة للحفاظ على صحة الأجراء، والقتل الخطأ، والجرح الخطأ والإصابة غير العمدية"، وبرأته من تهمة عدم تقديم المساعدة لأشخاص في خطر.
في حين حكم على ابنه عادل مفرح، المسؤول عن إدارة الشركة، بالسجن سنتين وأداء الغرامة نفسها، بعد إدانته بالتهم ذاتها.
كما حكمت المحكمة على العامل هشام مكافح، بأربع سنوات حبسا نافذا مع أداء غرامة قدرها ألف درهم، بعد إدانته بتهم "التسبب عن غير عمد في حريق أملاك عقارية ومنقولة نتج عنها موت أكثر من شخص وإصابة آخرين بجروح".
وقضت هيئة الحكم بإرجاء البت في المطالب المدنية، التي تقدمت بها هيئة الدفاع عن الضحايا في مذكرات مطلبية، إلى حين البت في الدعوى المدنية أمام محكمة حوادث الشغل.
ومر النطق بالأحكام في أجواء عادية جدا، خاصة أن أغلب الأرامل وعائلات الضحايا غادروا المحكمة بسبب تأخر الوقت وبقي عدد قليل منهم، حتى أنهم لم يدركوا منطوق الحكم وخرجوا يستفسرون هيئة الدفاع عن ذلك.
وأشارت مصادر مقربة من الملف أن هيئة الحكم، ربما تعمدت إصدار الأحكام في وقت متأخر من الليل، خوفا من ردة فعل الضحايا وعائلاتهم، الذين كانوا يهددون بالتصعيد فور سماع الأحكام.
وخلال جلسة النطق بالأحكام، أول أمس الأربعاء، التي دامت من الثانية بعد الظهر إلى الواحدة و45 دقيقة ليلا، استمعت هيئة الحكم إلى ممثل النيابة العامة، الذي طالب بتطبيق أقصى العقوبات في حق المتهمين، وقال "إن العقوبات الجزائية أمام القضاء الجنحي لا تتعدى خمس سنوات كأقصى عقوبة، ولو كانت أكثر من ذلك لطالبنا بها، ليكونوا عبرة لغيرهم، ولمن تسول له نفسه اللعب بحياة البشر".
وأوضح ممثل النيابة العامة، خلال مرافعته التي دامت ساعة تقريبا، أن رب العمل تتوفر فيه شروط الركن المعنوي في الجرائم، الذي يتجلى من خلال تصرفات وأفعال خاطئة، والمتهم، يضيف ممثل الحق العام، يعرف أنه مخالف للقانون ومخطئ، لأنه كان يشغل العمال في ظروف مزرية كالعبيد ويستغلهم، انطلاقا من تصريحاتهم التي أدلوا بها أمام الضابطة القضائية، كما أنه يعمل دون ترخيص، ولا يوفر لهم شروط العمل الصحية، كما جاء في تقرير الوقاية المدنية، خاصة أنه كان يغلق النوافذ بشبابيك حديدية، ويغلق الأبواب أثناء عملهم، ولم يوفر السلالم وقنينات إطفاء الحريق مع غياب سطح، إضافة لبنائه طوابق أخرى دون ترخيص.
واستطرد ممثل النيابة العامة في شرح فصول المتابعة وإظهار أبعادها وأركان الجريمة، إذ اعتبر أن الإهمال وعدم الاحتراس وعدم الحصول على ترخيص وعدم تقديم المساعدة للعمال، الذين كانوا في خطر، كلها صور للركن المعنوي للجريمة المتجلي في إثبات عمل محظور.
وقال ممثل النيابة العامة "رب العمل يعرف أنه مسؤول وخارق للقانون وعليه أن يتحمل نتيجة إهماله وتقصيره".
كما ركز ممثل النيابة العامة على الأسس القانونية للمتابعة، واستعرض مسلسل الحادث منذ البداية وسلسلة التحقيقات المنجزة، التي أظهرت مسؤولية رب العمل وابنه والعامل أيضا، واعتبر أن فصول المتابعة في موقف صائب تجاه التكييف القانوني الذي كيفت به الواقعة.
وفي بداية الجلسة استمعت هيئة الحكم إلى دفاع المطالب بالحق المدني، إذ طالب المحامون، سعد أجياش والعربي الشواش وعبد القادر الشنتوفي، عن هيئة دفاع الضحايا، هيئة المحكمة، بتطبيق أقصى العقوبة في حق المتهمين، والدفع بعدم الاختصاص النوعي للمحكمة للبت في القضية، كما التمسوا إحضار الأطراف المدخلين في الدعوى، ومتابعتهم كأشخاص وليس كمؤسسات، لتحديد مسؤولياتهم تجاه الحادث، انطلاقا من قيام العلاقة السببية بين مهامهم والحادث المأساوي، لأن مسؤوليتهم التقصيرية قائمة، وطالبوا أيضا بالتعويض الشامل والكامل للضحايا، والتعويض المباشر في حق رب العمل وابنه.
من جهته نفى دفاع صاحب الشركة وابنه، مسؤوليتهما عن التسبب في الحريق، وطالب ببراءتهما، أما دفاع العامل، فطالب بأقصى ظروف التخفيف، لأن موكله ورغم اعترافه بتدخين السيجارة، إلا أن هذا لا يحدد مسؤوليته، لأن المدة الزمنية بين تدخينه السيجارة واندلاع الحريق كانت طويلة جدا.
من جانبه، نفى دفاع شركة المناولة شيرباكاد، المحامي سعيد بوزردة، المسؤولية عن الشركة في هذه القضية، معتبرا أن المادة 8 من قانون المسطرة الجنائية، تحدد قيام الدعوى المدنية على سبيل الحصر، ضد الفاعل والمشارك والمساهم، والشركة ليست أي واحد من هؤلاء، والأمر يتعلق بضرر ناتج عن فعل جرمي مؤطر بالقانون العام، وليس بقانون خاص مجاله حوادث الشغل، وأضاف قائلا إن التعويض في هذا الملف قد يحرم المطالبين بالحق المدني من التعويض في مساطر حوادث الشغل.