خلد الشعب المغربي، أمس الأربعاء، الذكرى 54 لليوم الوطني للمقاومة والتحرير، الذي يقترن بذكرى استشهاد البطل محمد الزرقطوني، الذي يعتبر واحدا من رموز الشعب المغربي الكبار، الذين قدموا أرواحهم ودماءهم فداء لوطنهم وملكهم، ما يجعل تمسك المغاربة، إلى اليوم، بإحي
وبعد العودة المظفرة لأب الأمة وبطل التحرير، أبى جلالة المغفور له محمد الخامس إلا أن يجعل يوم 18 يونيو، يوما للمقاومة والتذكير والاعتزاز بتضحيات كل الشهداء، الذين استرخصوا أرواحهم فداء للوطن، وسجل جلالته وقفة تاريخية يوم 18 يونيو 1956، أمام قبر الشهيد محمد الزرقطوني، مجسدا قيم الإكبار لتضحيات الشهداء، والاعتزاز بنضالات المقاومة، وليقول إن "الشعب المغربي مفطور على الاعتراف بالجميل، ولن ينسى عمل أولئك الذين كان لهم فضل المقاومة، سواء بالسلاح أو اللسان أو المال، وإنه لجدير بذكرى المكافحين أمثال الزرقطوني وعلال أن يخصص لهم يوم يكون أحد أيامنا المشهودة لتكون ذكرى لائقة بنضالهم ناطقة بعظمة كفاحهم...".
"المغربية" اختارت، بهذه المناسبة الوطنية، الحديث إلى أحد الرموز المؤسسة لحركة المقاومة وجيش التحرير، الأستاذ الغالي العراقي الالحسيني، لتطرح معه جانبا من ملاحم التحرير، يهم العلاقات التضامنية مع الثورة الجزائرية، تلك العلاقات التي كتبت صفحاتها بالذهب والمجد، في حين يأتي اليوم من لا يرعوي عن الباطل والبهتان للتعريض والتنقيص من تلك العلاقات الجهادية، والتشكيك في الرموز المغربية، في محاولة يائسة للمس بملك البلاد المحرر محمد الخامس، وولي عهده آنذاك الأمير مولاي الحسن، مس اعتبره محاورنا مسا مغرضا بمشاعر مختلف مكونات الشعب المغربي.
في ما يلي نص الحديث.
*** الأستاذ الغالي العراقي، ونحن نعيش أجواء تخليد اليوم الوطني للمقاومة، نود أن نبدأ حوارنا، في هذه المناسبة، بالجدل الأخير، الذي أثارته تصريحات محمد حسنين هيكل عن تواطؤ مزعوم للعاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني مع المخابرات الفرنسية، في خطف طائرة المجاهدين الجزائريين. باعتباركم عشتم جانبا من تلك الأحداث، هل يمكن أن تحدثنا عما وقع؟
- قبل الجواب على تصريحات حاقدة وسخيفة، أعود إلى تلك الظروف التي وضعتني في دائرة الأحداث. كانت البداية مع الدكتور عبد الكريم الخطيب، الذي كان في طريقه إلى العاصمة الإسبانية، يوم 18 أكتوبر سنة 1956، في مهمة كلفه بها جلالة الملك محمد الخامس، وولي عهده الأمير مولاي الحسن، إذ أبلغني الدكتور أن هناك موعدا مرتبا مع القادة الجزائريين الموجودين آنذاك بمدريد، لإبلاغهم موقف جلالة الملك والدولة المغربية، من رغبتهم الملحة في تنسيق ثنائي، مغربي جزائري، قبل حضور الاجتماع الثلاثي، المزمع عقده بالعاصمة التونسية يومي 23 و24 من الشهر نفسه، في سياق أول زيارة رسمية للعاهل المغربي إلى الشقيقة تونس، ودراسة مستقبل المنطقة المغاربية، والبت في تطلعات شعوبها.
وفي سياق هذا الإخبار، تبادلنا الرأي والمعلومات الأولية حول احتجاز القوات البحرية الفرنسية للباخرة "آطوس 2"، التي كنت أشرفت على اقتنائها باسم المقاومة وجيش التحرير المغربي، والتي اتفقت القيادة المركزية على إعارتها لحركة التحرير الجزائرية، فيما تقرر أيضا تسليم الإخوة الجزائريين ما كانت تحمله من عتاد وذخيرة وأسلحة، ووفق ما أوردته ليلة 17 أكتوبر عن وكالة "فرانس برس"، إضافة إلى ما أعقب ذلك من تعاليق الصحافة الفرنسية، وشكلت هذه العملية قرصنة نفذت بالمياه الإقليمية المغربية، إذ جرى اقتياد الباخرة قسرا إلى القاعدة الحربية بـ"مرس الكبير" بالتراب الجزائري المحتل.
كما أبلغني الدكتور الخطيب رغبة جلالة الملك في التحاقي بمدينة تطوان، والعمل بجانب الأستاذ عبد الخالق الطريس، من أجل تحضير رحلة صيد ستقام بناحية تطوان، كتغطية للرحلة الأميرية إلى المنطقة، التي ستستثمر في الاجتماع مع قادة الثورة الجزائرية، على أساس أنه في حال وافق الإخوان الجزائريون على المجيء إلى عاصمة الشمال، فسيصلها ولي العهد قبلهم، للاجتماع بهم وإبلاغهم رسميا وجهة نظر الملك، حول القضايا، التي ستثار وتدرس في اجتماع تونس، خصوصا مسألة تمثيلية الشرعية الجزائرية، في جبهة التحرير وحدها، ثم مسألة استمرار الكفاح المسلح المغاربي إلى أن تتحرر الجزائر، مع التأكيد على موقف المغرب المؤيد للجبهة الجزائرية، ومساندة كفاحها العادل والمشروع.
وفعلا أتذكر أنني كنت في الموعد يوم 20 أكتوبر، تلبية للرغبة الملكية، بجانب الأستاذ المجاهد عبد الخالق الطريس، في استقبال الأمير ولي العهد، الذي وصل باكرا بالطائرة، لينتقل رأسا إلى خارج المدينة في طريقه إلى جماعة "أنجرة"، التي تقع على بعد 60 كلم في اتجاه القصر الصغير، حيث هناك ضيعة عبارة عن محمية للقنص، كانت تحت تصرف المقيم العام الإسباني، وسلمت إلى السلطات المغربية.
ورجعت ثانية إلى مطار تطوان، رفقة الأستاذ الطيب بنونة، في استقبال طائرة "إيبيريا" القادمة من مدريد، فنزل منها الدكتور الخطيب، والدكتور حافظ إبراهيم، مرفوقين بأعضاء الجبهة الجزائرية، أحمد بن بلة، ومحمد حيضر، ومحمد بوضياف، والحسين آيت أحمد، ومصطفى الأشرف، امتطى الجميع السيارات في اتجاه "محمية القنص"، حيث كان ولي العهد، رفقة الأستاذ الطريس، في انتظار الضيوف الأشقاء.
مباشرة عقب الوصول، حوالي الواحدة ظهرا، انعقدت جلسة مغلقة بين ولي العهد، والإخوة الجزائريين، بحضور الأستاذ عبد الخالق الطريس والطيب بنونة وعبد الكريم الخطيب وحافظ إبراهيم وعبد ربه، دامت إلى غاية الرابعة بعد الظهر، أبلغ ولي العهد، خلالها، الحضور، أنه بتعليمات من والده، يتشرف باستقبال الضيوف المجاهدين نيابة عنه، وأن محمد الخامس يجدد تضامنه مع المكافحين الجزائريين، ويضع نفسه رهن إشارتهم، وأنه بمناسبة سفره إلى الديار التونسية، تلبية لدعوة من باي تونس، ورئيس حكومته الحبيب بورقيبة، جعل من أولوياته، التي يعمل من أجلها، ويسعى إلى تحقيقها، الوصول إلى اعتراف الجميع بالكيان الجزائري، وبممثله الشرعي والوحيد في شخص جبهة التحرير.
وأكد ولي العهد أن جلالة الملك يؤيد كل ما توافق عليه حركة التحرير الجزائرية، ويرفض كل ما تعارضه ولا تقبل به، وشدد على أن "حضوركم بتونس شيء ضروري وواجب، لهذا لبى رغبتكم، وبعثني لاستقبالكم، لكي أبسط أمامكم كل المجهودات، التي بذلت، ويبقي لكم وحدكم حرية القرار"، ونبه ولي العهد إلى أن وضع الحكومة الفرنسية آنذاك غير قار، لأسباب تخص كيان الجمهورية الرابعة المحتضرة.
بعد هذا العرض المقتضب، فتح نقاش حول كل ما جاء به ولي العهد، وما ينتظره الإخوة الجزائريون من ملك المغرب، ومن ولي عهده، وأبرزوا أن خطوتهم تصب في قيام تنسيق وطيد مع الجانب المغربي، تحسبا لكل طارئ واقتراح ملغوم أثناء جلسات الاجتماعات الثلاثية بتونس.
هذا باختصار كبير ما جرى، وما طرح في هذه المقابلة.
*** عقب نهاية الاجتماع، لم يكن واردا، حسب المعطيات المتوفرة، انتقال القادة الجزائريين إلى الرباط، فماذا حدث؟
- أؤكد أنه عند نهاية الاجتماع، وقبل تناول الغداء، لم تقع مطلقا إثارة مسألة الانتقال إلى الرباط، بل لم تكن واردة أصلا، كما لم تدرس لا وسيلة النقل، ولا طريقة وصول الجزائريين إلى تونس، واعتقدت، في حينه، أن هذا شيء يخص الإخوة أنفسهم، وأنهم رتبوه قبل بداية رحلتهم.
بعد وجبة الغداء، التي تأخرت إلى غاية الخامسة مساء، قفل الجميع عائدين إلى مدينة تطوان، حيث أقام الوفد الجزائري تحت عناية آل عائلة الشريف الحاج محمد بركة، والتحق بهم ولي العهد في التاسعة ليلا، وبعد مأدبة عشاء أقيمت على شرفهم، بدأ الحديث عن عزم الوفد الجزائري مرافقة ولي العهد إلى الرباط، لتقديم الشكر والثناء إلى الملك. لم أتدخل، لأنني فوجئت بهذا القرار، واعتبرت المسألة محسومة، مادامت هذه رغبة القادة الجزائريين، التي أحرزت موافقة ولي العهد.
*** لماذا فوجئت بالقرار؟
- يمكن القول إنني تحفظت على القرار، بسبب وسيلة النقل المعتمدة، وهي الطائرة. وقبل مغادرتي منزل آل البركة في ساعة متأخرة من الليل، وبحضور الدكتور الخطيب وحافظ إبراهيم، أبديت وجهة نظري من انتقال الإخوة إلى الرباط، فأجاب بن بلة وبوضياف "نود أن نسمع من محمد الخامس بعض الأشياء الحاسمة، التي ستجعل قرار المشاركة في المؤتمر نهائيا أو مرفوضا". فعقبت "حتى لو كنتم غير مقتنعين بما أبلغكم إياه ولي العهد، وحسب معلوماتي، فهو صحيح وثابت، لم ستذهبون إلى الرباط عن طريق الجو المفضوحة، عوض استعمال طريق البر، بوسائل المقاومة، وهو طريق يتحكم فيها الإخوان بكيفية فاعلة؟". فكان الجواب "لقد تقررت الرحلة، ونعتبر أن مرافقة ولي العهد إلى الرباط بالطائرة أضمن من طريق البر وعوائقها بين المنطقتين".
*** سنعود إلى هذه النقطة. قبل ذلك، نود أن نعرف هل كان القادة الجزائريون على علم باحتجاز الفرنسيين للباخرة "آطوس 2"، الذي حدث قبل الاجتماع بثلاثة أيام؟
- بعد مأدبة العشاء بتطوان، أخذت الأخ بن بلة إلى جناح آخر بعيد عن الضوضاء، واستفسرته عن الباخرة، التي احتجزت، والتي كانت موضوع الخبر المستعجل لوكالة "فرانس برس". وتبين لي آنذاك أنها هي الباخرة "سان بري إفيلس"، التي كنت أعرتها للجبهة، لأنها ملك للمقاومة المغربية وجيش التحرير لنقل السلاح إلى المناطق المغربية الشمالية الحدودية، وتغير اسمها مؤقتا، بطلب من المصريين، وحملت اسم "آطوس 2"، وهي عبارة عن يخت كان في ملك أميرال بريطاني متقاعد، اقتنيته من مال المقاومة وجيش التحرير، في اسم المجاهد العربي والمغاربي، السوداني الأصل، إبراهيم النيال وبواسطته، ولا دخل لأي من المصريين والجزائريين في عملية شراء الباخرة، التي سلمتها شخصيا في بيروت لبن بلة، بعد موافقة مسؤولي القيادة المركزية لجيش التحرير، وفي مقدمتهم الدكتور الخطيب، ومسؤولو المقاومة وعلى رأسهم الفقيه البصري، وهناك توصيل كنت تسلمته، يحمل توقيع بن بلة بتاريخ يوليوز 1956، يفيد أن الباخرة سلمت على سبيل الإعارة. واحتوت حمولتها على سلاح وذخيرة مفصلة بالنوع والعدد، في وصل آخر، بالتاريخ نفسه، موقع أيضا من بن بلة، باسم جبهة التحرير، مع ثلاثين ألف جنيه إسترليني، كمساندة ومساعدة من المقاومة وجيش التحرير المغربي إلى الإخوة الجزائريين. وقصة شراء هذا السلاح طويلة ومعقدة، واكبتها ظروف يطول شرحها. والدور الوحيد، الذي لعبه فيها مسؤول الهيئة المصرية المكلفة بالعلاقات مع حركات التحرير بشمال إفريقيا، الكولونيل فتح الديب، هو اعتراضه المطلق على إتمام هذه الصفقة لدى المصنع والسلطات الإيطالية، لأنه اعتبر أنني تجاوزت تعليماته، وهو محق في هذا، ولم يتراجع عن اعتراضه إلا بتدخل فاصل من الرئيس جمال عبد الناصر شخصيا، بطلب مباشر من أحمد بن بلة، الذي كنت وسطته في هذه النازلة لمصلحة حركة التحرير المغربية، والذي توفق في حلها، جزى الله الجميع خيرا.
*** هل كان الجزائريون على علم باحتجاز الباخرة؟
- لم يكن الأخ بن بلة يعلم كثيرا عن احتجاز "آطوس 2"، والمسؤول عنها إبراهيم النيال، سوى ما بثته وكالة "فرانس برس"، وما صدر من تعاليق محدودة في الصحافة الفرنسية، التي تعرضت للموضوع يوم 18 أكتوبر 1956. وعلى غرار موقفنا، اعتبر بن بلة أن ما جرى قرصنة من قبل القوات الاستعمارية، وتفاصيلها أكدها في ما بعد المناضل إبراهيم النيال، بعد إطلاق سراحه، بتدخل من الملك محمد الخامس، ثم من طرف الحكومة السودانية، قبل استقلال الجزائر بمدة وجيزة.
كما أفهمني الرفيق أحمد بن بلة صعوبة الظروف، والوضعية الدقيقة، التي تجتازها الثورة الجزائرية على كل الجبهات، والتي كان من ذيولها انعقاد مؤتمر الصمام، الذي نتجت عنه بعض التدهورات والاختلالات، أفسحت المجال لضغوطات كثيرة ومتنوعة في حق الشقيقة مصر ورئيسها الشجاع، وتصاعدت التهديدات الاستعمارية، وتوجت بالعدوان الثلاثي (فرنسا وإنجلترا وإسرائيل) لينذر بما لا تحمد عقباه، وعلق بن بلة "لكل هذا، يجب أن نعود من جديد، بعد انتهاء مؤتمر تونس، لنحيي، كما في السابق، تعاوننا، ونسترجع فعالية التضامن النضالي، الذي رسخناه في الماضي".
*** هل استوضحته عن موقف السفر إلى الرباط؟
- أكد لي بن بلة، بهذا الصدد، أنهم اتفقوا جميعا مع ولي العهد على الذهاب لزيارة محمد الخامس بالعاصمة، تقديرا منهم لمواقفه التضامنية، وتأييده الشجاع لحركة التحرير الجزائرية. لكنني لم أسأله عن مصدر الاقتراح، واكتفيت بالمعلومات، التي أفادني بها.
وفي الصباح الباكر، رافقت الإخوة إلى مطار "سانية الرمل"، الذي وصله ولي العهد، وأمر معاونيه فسح المجال لركوب القادة الجزائريين، رفقة الخطيب وحافظ إبراهيم. ولما نودي علي، اعتذرت لولي العهد، وأمام استغرابه من موقفي، بسطت له أسباب عدولي عن الرحلة إلى الرباط، لظروف الحدث، الذي يستوجب اليقظة وتتبع تطورات احتجاز الباخرة "آطوس"، فأكد لي مساندته وتعاطفه.
وهكذا، لم أرافق ضيوف الملك إلى الرباط، التي وصلوها وكلهم تطلع إلى المستقبل الواعد، رغم المخاطر، التي كانت تحف بهم. قضوا ليلتين بالعاصمة كلها اتصالات ونقاشات، وبعدما خلص الاجتماع الأول والثاني مع جلالة الملك، بحضور ولي عهده، وبعدما أحرزوا من جلالته على كل متطلبات الجبهة وأكثر، بشهادة بن بلة نفسه، برزت وسيلة النقل إلى تونس. وفي هذا الصدد، وأمام كثرة الادعاءات الموسمية، والروايات الملتوية، والاتهامات السخيفة المتداعية، وبما أنني لم أكن موجودا بجانبهم بالعاصمة، ولم أكن برفقتهم ساعة القرصنة، فسأذكر فقط بما اعتبرته وأعتبره واضحا وبينا في حينه، لأنه يتطابق مع الواقع، ولأنه هو الحقيقة، التي يحاول البعض تحريفها، من حين لآخر، بمغالطات وادعاءات، يحاول أصحابها در الرماد في العيون، عملا بالمثل الشعبي المغربي، الذي يقول "نسي الكذاب وسولو".
وأذكر هنا بإفادة المجاهد الصريح الأستاذ الحسين آيت أحمد، في تصريحه الأخير، الذي يفيد أنه "لم يكن من الوارد سفر الوفد الجزائري إلى تونس في الطائرة الملكية، رغم أن محمد الخامس لم يكن يمانع في ذلك، حين أبلغه ولي العهد، بتحذيري ومخاوفي بخصوص المخاطر، التي قد تتعرض لها طائرة الملك".
لقد دحض الحسين آيت أحمد، في إفادته، مزاعم هيكل، ونفى بالمطلق أن يكون العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني، وهو ولي للعهد آنذاك، تواطأ مع المخابرات الفرنسية في خطف الطائرة، التي كانت تقل، من الرباط إلى تونس، خمسة من القادة الوطنيين الجزائريين في 22 أكتوبر 1956، معتبرا هذا الادعاء "كذبة سخيفة وغريبة، ليس من شأنها سوى تشويه الحقائق".
ويضيف المجاهد آيت أحمد أنه اقترح بنفسه استعمال طائرة ثانية للسفر على متنها مع بقية القادة الجزائريين.
ويبرز آيت أحمد كيف أن الملابسات، التي أحاطت بتحويل اتجاه الطائرة، التي كانت وضعت رهن إشارة القادة المجاهدين من جبهة التحرير، حجم الاتهامات المجانية لشخص ولي العهد بضلوعه في استدراجهم إلى الرباط، ليسهل اختطافهم، مؤكدا أن هذه الاتهامات ليست سوى ادعاءات باطلة، ولا ترتكز على أسس ثابتة، وأن الخاص والعام يعلم أن الاستخبارات الفرنسية المدنية والعسكرية، كانت ما تزال قابعة فوق التراب الوطني لكل من المغرب وتونس والجزائر، وأن تطبيق معاهدة 2 مارس 1956 ما تزال فتية، وبنودها بدأت فقط تتحسس مسارها، ويبرز نورها تدريجيا، فتوظيفات الباطل، وترويج أكاذيب سخيفة وغريبة ليس سوى تزييف للحقيقة وللتاريخ.
ويعزز المجاهد الالحسين آيت أحمد كلامه حول هذا التزييف والكذب بشهادة كان قدمها قبل سنوات "ماكس لوجون"، كاتب الدولة الفرنسية في القوات المسلحة الفرنسية، حول قرصنة 22 أكتوبر 1956، خلال برنامج "ملفات الشاشة" سنة 1982، التي بثته القناة الثانية الفرنسية، وشارك فيه آيت أحمد شخصيا كأحد المخطوفين، إلى جانب الوزير لوجون كأحد الأمرين بقرصنة العصر، إذ يقول الوزير الفرنسي "كان الأمر يتعلق باعتراض سبيل طائرة عادية يشك في حمولتها، طلب اعتراضها الجنرال القائد العام بالجزائر، والجنرال قائد المنطقة الجوية بشمال إفريقيا".
ويوضح لوجون، في شهادته، أنه لم يكن بإمكانه أن يترك الطائرة تمر أمامهم في الوقت الذي كان العسكريون يطالبون باعتراضها، ثم يبرر "لم يكن بوسعي ولا بوسع أي وزير في مكاني أن يصدر أمرا غير ذلك الذي أصدرته، والأمر هنا يتعلق بحرب في منطقة من التراب الفرنسي، وليس بعملية حفظ النظام".
لكن الشيء الذي لم يقله الوزير، هو أن القرصنة نفذت خارج الفضاء الجوي الإقليمي الجزائري، وأن ربان الطائرة، رغم أنه فرنسي الجنسية، هدد بإسقاط طائرته، لما امتنع، في أول الأمر، عن تنفيذ تعليمات سلاح الجو الفرنسي، معللا قراره بأن طائرته توجد في ممر جوي خاص برحلتها من الرباط إلى تونس، وليس من حقه تغيير هذا الممر، إلا بموافقة هيئة المراقبة المدنية الجوية. لكنه أمام تهديدات متكررة للطائرات الحربية، واقتراب الخطر بسبب اعتراض مسارها، وبعدما تيقن من نواياها العدوانية، اضطر للانصياع مرغما، ونزل، تحت التهديد الإجرامي، بمطار الجزائر العاصمة.
ويفيد الحسين آيت أحمد أن هذه الشهادة، في حد ذاتها، تفند كل اتهام للمغرب ولمسؤوليه في هذه الغطرسة الاستعمارية، وتنزع كل مصداقية عن الذين يتفنون في تلفيق التهم المجانية، لأن المسؤولين الفرنسيين، كانوا يعتبرون أنفسهم منخرطين في حرب شاملة بشمال إفريقيا، وليس أمامهم سوى الهروب إلى الأمام، واستغلال كل الظروف المتاحة، بما فيها تلك التي ظهرت بوادرها قبل وأثناء مؤتمر واد الصمام يوم 20 غشت 1956، الذي أرخ لبداية مرحلة الصراع على السلطة في حرب التحرير بين قادة الداخل والخارج، حاولت من خلاله عدة جهات استغلالية إثارة النعرة الجهوية والقبلية، لإجهاض الثورة الشعبية الجزائرية، فضلا عن تعنت العسكريين الاستعماريين المتطرفين، والمعمرين الفرنسيين، الذين تعززت صفوفهم، وتقوت شوكتهم، لما تزعمهم اليساري جاك سوستيل، الذي أسندت له مسؤولية الحاكم العام للمقاطعة الفرنسية بشمال إفريقيا.
*** كيف، إذن، يمكن أن تفسروا دلالات هذه العملية الاستعمارية ضد قادة الثورة الجزائرية؟
- إن قرصنة الطائرة لم تكن معزولة عما سبقها، إذ تندرج، في إطار عقلية استعمارية كانت سائدة في أوساط قادة الجيش الفرنسي، وتصرفات الإدارة العامة الفرنسية، وهي تذكرنا، نحن المغاربة، بجريمة 20 غشت 1953، باختطاف محمد الخامس من قصره بالرباط، ونفيه وعائلته إلى أقصى الجنوب الإفريقي، بواسطة متطرفي جيش الاحتلال نفسه، الذي أعاد الكرة في الأجواء الدولية، بالعقلية الاستعمارية نفسها، بخطف واعتقال القادة الجزائريين، وهم ضيوف الملك المغربي المجاهد نفسه، محاولين تلغيم المؤتمر المغاربي المقرر انعقاده بتونس يومي 23 و24 أكتوبر 1956، وهم متلبسون بجريمتهم النكراء، التي كانت تعكس حالة يأس، إثر هزيمة "ديان بيان فو". لقد كانوا يستهدفون تغيير المعادلة السياسية، وإجهاض المخططات التحريرية بالشمال الإفريقي، التي أصبح تمركزها وتطورها يفرض نفسه، يوما بعد يوم، وتعاكس وجودهم ومقاصدهم ونشاطهم الاستغلالي المقيت، ويناهض تصرفهم الاستعماري العتيق.
فعمليات القرصنة والنصب والخداع والتآمر باتت، آنذاك، عملة رائجة في معجم جيش الاحتلال، وفي عقليات السياسيين الاستعماريين، وكانت تتغذى أكثر كلما تعرض وجودهم لهزات تمس حقيقتهم، وتفضح ممارساتهم الاستغلالية، غير عابئين بمصالح شعوب تواقة إلى الحرية والانعتاق.
وفضلا عما تقدم، هناك شهادة أخرى قوية صدرت عن وزير خارجية فرنسا، خلال فترة القرصنة واختطاف ركاب الطائرة الجزائريين، يقول فيها إن "ملك المغرب لم يغفر لنا أبدا هذا التصرف، وبالتالي، فإننا خسرنا من هذا الجانب بعض الآمال، وتسببنا في تذمر الرأي العام الدولي في حقنا". وهذا النوع من شهادات المسؤولين الفرنسيين أنفسهم يدحض كل أنواع الاتهامات، ويبين أن قادة الجيش الفرنسي لم يكونوا في حاجة إلى متعاونين لتنفيذ قرصنتهم، أولا لأن قادة جبهة التحرير الجزائرية لم تكن تنقلاتهم تحاط بسرية مطلقة، كما لم تكن مشاركتهم في مؤتمر تونس سرية، أو فرضت عليهم، هذا مع العلم أن قادة جيش الاحتلال كانوا يعتبرون أنفسهم في حرب مفتوحة مع جبهة التحرير الجزائرية، ثانيا يجب ألا ننسى أجواء تلك المرحلة الدولية، ووضعية الحالة العامة بالمغرب وتونس، بعد اعتراف فرنسا بالواقع، والتسليم بحقهما في الحرية والاستقلال، وبداية تصفية نظام عهد الحجر والحماية، الذي عانت منه تونس أكثر من سبعة عقود، والمغرب أكثر من أربعة، إذ كان البلدان آنذاك لا يزالان في حاجة إلى الكثير من العمل لتدقيق وتحصين الوضعية الأمنية، التي كانت مطبوعة باستمرار بقايا الوجود الأجنبي، والتي جرت في سياقها قرصنة طائرة الزعماء الجزائريين، ثالثا، مجيء حكومة غي مونيه، التي شكلت فرصة أمام إدغار فور، للقيام بزيارته العاجلة إلى العاصمة الجزائرية، التي أراد من ورائها تدشين سياسة جديدة بالمقاطعة الفرنسية الإفريقية، صحبة الضابط المقتدر الجنرال كاترو، لتنصيبه كوزير مقيم بالجزائر، مهمته البحث عن الحل المستقبلي للمعضلة الجزائرية. ورغم كفاءة الجنرال كاترو، ومهارته التفاوضية، ورتبته العسكرية العالية، فقد استقبل، هو ورئيس الحكومة، استقبالا غير لائق، من طرف المعمرين المتطرفين، الذين اتهموهما بالخيانة، والتخلي عن فرنسا ما وراء البحار، مما جعلهما يعودان إلى العاصمة صفر اليدين، تاركين وراءهما حرب إبادة استعمارية على أشدها في حق الشعب الجزائري المكافح. هذه بعض الملابسات التي جرت في أجواء عملية القرصنة يوم 22 أكتوبر 1956، التي خططت ونفذت قبلها قرصنة أخرى أبشع، هي عملية اختطاف الملك الشرعي للمغرب من فراشه ليلة عيد الأضحى المبارك، الموافق ليوم 20 غشت 1953.
*** كيف تفسر إذن خلفيات هيكل في إطلاق الاتهامات المزعومة؟
- أولا يجب أن نعلم أن هذه لم تكن هي المرة الأولى، التي يطبخ فيها هيكل ويروج لتهم باطلة ضد ولي العهد الأمير مولاي الحسن، وضد المملكة المغربية. فما زلنا نذكر الكثير من الاتهامات، التي كان يطلقها هنا وهناك، وأحيانا دون مناسبة، للنيل من رموز المملكة، دون أن يعرف أحد أسباب هذه العقدة المرضية، التي تدفع كاتبا صحافيا كبيرا إلى التجني على الحقيقة، وافتراء أحداث مزعومة، تحرف الحقيقة وتقلب قائع تعود إلى أكثر من نصف قرن، يجري صنعها قسرا، رغم أن عددا من الشهود عليها ما زالوا أحياء، أطال الله في أعمارهم، وتقع فبركتها عن سابق قصد وترصد، للمس بشخص الملك محمد الخامس، وبولي عهده الأمير مولاي الحسن، الذي هو مس بمشاعر شعب برمته، وبمبادئ التضامن الأخوي مع شعب شقيق، ما يعني أن هناك استهتارا وجهلا بذلك الرباط المقدس، الذي يجمع الملك محمد الخامس والعائلة الملكية بالشعب المغربي الوفي والمكافح، وبذلك الدعم المطلق، الذي كان المغرب، ملكا وشعبا، يخص به الشقيقة الجزائر.
لهذا، فإن ما كتب وقيل من بهتان حول التآمر المزعوم لا يبرره أي عقل سليم، ولا منطق حكيم، لأنه أولا وأخيرا مخالف جملة وتفصيلا للشهادات، التي أدلى بها الوزراء الفرنسيون، أو تلك التي أكدها الزعماء الجزائريون، ومنهم أول رئيس شرعي للجزائر المستقلة، المناضل أحمد بن بلة، الذي شدد على هذه الحقيقة، في جوابه على سؤال الصحافي أحمد منصور، في برنامج "شاهد على العصر"، بقناة "الجزيرة"، حول علاقته بالملكية المغربية، واتصاله بمحمد الخامس. فأعاد بن بلة التأكيد على ما سبق أن صرح به لي ولغيري في أكثر من مناسبة، إذ قال "قبل اجتماعي بمحمد الخامس، أعددت لائحة مطالب الجبهة، وكانت تحتوي على عشرين مطلبا، لقد دام الحديث بيننا طويلا، ولما غادرت قاعة الاجتماع، تبين لي أن الملك لبى كل الطلبات، وزاد في تنسيقها، حتى لا تتعرض إلى نقصان أو نسيان"، ثم أشاد بن بلة بمواقف المغرب، ومساندته للكفاح الجزائري، وتأييده المطلق في المحافل الدولية لحق الشعب الجزائري الكامل في الحرية والاستقلال.