تشرع غرفة الجنايات الاستئنافية (الدرجة الثانية) بمحكمة الاستئناف في الدارالبيضاء، غدا الأربعاء، في الاستماع إلى مرافعات هيئة الدفاع عن المتهمين الـ 17 المتابعين في قضية "الشريف بين الويدان".
واستمعت هيئة الحكم المكلفة بالنظر في هذا الملف، الأربعاء الماضي، إلى مرافعة ممثل النيابة العامة، لما يزيد عن الساعتين، تطرق خلالها إلى مجموعة من النقاط، كان أهمها استغراب ممثل الحق العام من التعليلات التي اعتمدتها هيئة الحكم (في المرحلة الابتدائية) في الحكم الجنائي الابتدائي الصادر في حق المتهمين، إذ أوضح ممثل النيابة العامة، أن هيئة الحكم أخطأت في مسألة التقادم التي أسقطت من خلالها عددا من التهم التي كان يتابع بها بعض المتهمين، واعتبر أن هذه الجرائم تدخل في إطار الجرائم الوقتية المتتابعة والمتوالية، التي تقوم بأفعال متعددة تجمع بينها وحدة الحق المعتدى عليه ووحدة الغرض الإجرامي المستهدف منها.
ووصف ممثل النيابة العامة، خلال مرافعته الطويلة، التي كان يصغي لها بانتباه شديد، الجميع داخل قاعة الجلسات رقم 5 بالمحكمة نفسها، إلى أن العقوبة السجنية التي أدين بها محمد الخراز، المتهم الرئيسي في هذه القضية، الملقب بـ"الشريف بين الويدان"، بـ"الضعيفة جدا"، لأنها لا تتلاءم والأفعال التي ارتكبها، ولا تعبر عن خطورة الجرم، والتمس سريان ما سبق في حق شقيقه المتهم عبد العزيز الخراز، وشريكه المتهم محمد عياد، المدانين ابتدائيا بخمس سنوات سجنا نافذا، معتبرا أن شقيق الخراز وعياد، ينتميان إلى شبكة اجرامية واحدة.
كما أشار ممثل النيابة العامة إلى أن محمد الخراز ، واصل نشاطه في الاتجار في المخدرات إلى حدود سنة 2006، بمعنى قبل أشهر قليلة من اعتقاله على ذمة القضية، وأنه خلال هذه الفترة، لم يثبت أنه مارس نشاطا مختلفا، والتمس من هيئة الحكم مصادرة جميع ممتلكاته دون تحديد مبلغ معين، على اعتبار أن المتهم ارتكب أفعاله الاجرامية منذ سنة 1994 إلى حين إلقاء القبض عليه.
كما طالب ممثل النيابة العامة بمصادرة أموال أصوله وفروعه، بناء على تصريحاته السابقة أمام الضابطة القضائية التي يؤكد فيها أن عددا من ممتلكاته كتبها في اسم أفراد عائلته، وشدد ممثل الحق العام على أن ممتلكات الخراز اكتسبها من أموال غير مشروعة وصفها بـ"القذرة"، معتبرا أن هذه الأموال تعيق التنمية الاقتصادية ويجب التصدي لها بتطبيق القوانين الخاصة في هذا المجال من قبيل القانون الخاص بتبييض الأموال.
وطالب ممثل النيابة العامة في آخر مرافعته من هيئة الحكم، بضرورة إصلاح وترميم العيوب التي طالت الشق القانوني من الحكم الابتدائي الصادر في حق المتهمين، وإدانتهم بناء على ما جاء في التقرير الاستئنافي ومواجهتهم جميعا بالأفعال المرتكبة من طرفهم، والحكم بعقوبة ملائمة لها.
وكانت الغرفة نفسها، أنهت الاستماع إلى المتهمين المتابعين في الملف نفسه، خلال ثلاث جلسات، على عكس المرحلة الابتدائية، بعد أن خصصت جلستين للنظر في الملف خلال أسبوع واحد، وهي جلسة الأربعاء بعد الظهر، والجمعة صباحا.
ونفى جميع المتهمين من جديد التهم المنسوبة إليهم، إذ أكد المتهم الرئيسي الخراز من جديد على اتهام عناصر الشرطة القضائية بتلفيق جميع الأقوال الموجودة في المحضر المنسوبة إليه، كما نفى الخراز أن يكون منح لبعض المتهمين ضمن الملف نفسه، من المسؤولين الأمنيين، خاصة عبد العزيز إيزو ويوسف العلمي لحليمي وفريد الهاشمي وعبد العزيز الطريبق، رشاوى من أجل التغاضي عن نشاطه في مجال المخدرات، الذي أكد مجددا أنه ابتعد عنه منذ سنوات وقبل اعتقاله.
أما المتهم عبد العزيز إيزو، المدير السابق لأمن القصور الملكية، فأكد ما جاء في تصريحاته أمام هيئة الحكم في المرحلة الابتدائية، لكنه فضل الإجابة على أسئلة الهيئة ونفى كل ما نسب إليه، وعدم أخذ الكلمة والدفاع عن نفسه كما جرى في المرحلة الابتدائية.
ويتابع المتهمون بهذا الملف بتهم "الاتجار في المخدرات، والتهريب على الصعيد الدولي والإرشاء والارتشاء واستغلال النفوذ والتستر على مجرم مبحوث عنه من طرف العدالة، وتهجير أشخاص إلى الخارج بطرق غير مشروعة وبصفة اعتيادية، والمساعدة على الهجرة غير الشرعية بصفة غير مشروعة والمشاركة".
وكانت هيئة الحكم بقاعة الجلسات رقم 5 بالمحكمة نفسها، استمعت إلى الدفوعات الشكلية التي تقدمت بها هيئة الدفاع، وعرفت شدا وجذبا بين هذه الأخيرة وممثل النيابة العامة، الذي طالب هيئة الحكم برفضها جميعا، لأن هيئة الدفاع تتمسك بالدفوعات الشكلية نفسها التي تقدمت بها في المرحلة الابتدائية من هذه المحاكمة، فيما أجلت هيئة الحكم، البت في الدفوعات الشكلية لهيئة الدفاع إلى حين بداية المناقشات، وقررت ضمها إلى جوهر القضية، وبداية الاستماع إلى المتهمين.
وركزت هيئة الدفاع في دفوعاتها الشكلية على عدم الاختصاص المكاني للمحكمة بالنظر في القضية، كما طالبت بإلغاء محاضر الضابطة القضائية، لأن بعض المتهمين لم يجر اعتقالهم بمدينة الدارالبيضاء، كما أن محاضر الشرطة القضائية، تشير إلى تواريخ مخالفة للتواريخ الحقيقية التي اعتقل فيها المتهمون.
والتمست هيئة الدفاع من هيئة الحكم، العودة إلى تصريحات المتهمين والشهود، الذين مثلوا أمام المحكمة، في المرحلة الابتدائية، ونفوا جميع تصريحاتهم المدونة في محاضر الشرطة، إذ أكد أغلبهم أنهم لا يعرفون المتهمين ولم يقفوا على عمليات الاتجار في المخدرات أو تلقي الرشاوي.
وكانت الغرفة الجنائية الابتدائية بالمحكمة ذاتها، أدانت فبراير الماضي، بأحكام متفاوتة، تراوحت ما بين 8 سنوات سجنا نافذا والبراءة في حق المتهمين.
وتعود وقائع هذه القضية، التي أعادت إلى الأذهان محاكمات الفساد المالي والإداري، واستغلال النفوذ والاتجار في السموم البيضاء، حين اعتقل الشريف بين الويدان، في صيف العام الماضي 2006، الذي تبين، حسب تصريحات سابقة، أنه كانت تربطه علاقات متشابكة ومتداخلة، مع عدد من عناصر الأمن والدرك والقوات المساعدة، من رتب ومستويات مختلفة، وهو ما أدى إلى متابعة عدد من المسؤولين في هذه المصالح، وفق قرار الإحالة الذي يتكون من 700 صفحة.
يشار إلى أن التحقيق في هذا الملف، في بدايته، أحيط بسرية تامة، ومنع تسليم محاضر الضابطة القضائية المتعلقة بالملف للمحامين، إذ رفض قاضي التحقيق السماح لهم بتصويره، وفرض عليهم الاطلاع عليه فقط بمكتبه، قبل أن ينعقد لقاء بمقر وزارة العدل، اتفق خلاله على ضرورة تسهيل مأمورية الدفاع وتمكينه من الاطلاع على الملفات ونسخ وثائقها والحصول على محاضر الضابطة القضائية كيفما كانت درجة حساسية وسرية هذه الملفات.