يخلد الشعب المغربي، وفي طليعته أسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير، غدا الأربعاء، الذكرى 54 لليوم الوطني للمقاومة، الذي يقترن بذكرى استشهاد البطل محمد الزرقطوني رحمة الله عليه.
الذي يشكل تجسيدا لقيم الوفاء لأرواح شهداء ملحمة الاستقلال والوحدة.
كما تقترن هذه المناسبة بالذكرى 52 للوقفة التاريخية لجلالة المغفور له محمد الخامس، طيب الله ثراه، على قبر هذا الشهيد، إجلالا وتقديرا لتضحيات وبطولات الشهداء، وأعمالهم الجليلة في ملحمة الاستقلال والوحدة، وتجسيدا لقيم الوفاء لأرواحهم الطاهرة، والإشادة بنضالهم الخالد من أجل عزة الوطن وكرامته، والدفاع عن مقدساته والحفاظ على مقوماته.
وكتبت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، في مقال بهذه المناسبة، أن ثورة الملك والشعب اندلعت بقوة راسخة، وعزيمة لا تلين، وبالتحام متين بين العرش والشعب لمواجهة مؤامرة المستعمر، الذي حاول بكل الوسائل فرض هيمنته ووجوده، فأقدم في 20 غشت 1953، على فعلته الشنيعة بنفي بطل التحرير، جلالة المغفور له محمد الخامس رضوان الله عليه، وأسرته الكريمة.
واعتقد المستعمر أنه سيخمد بذلك جذوة الكفاح الوطني، ويحكم سيطرته ونفوذه، ولكن الشعب المغربي المتعلق بمقدساته الدينية والوطنية، فجرها ثورة عارمة، مضحيا بالغالي والنفيس من أجل عودة الشرعية، ورجوع الملك الشهم، الذي فضل المنفى على أن يرضخ لمخططات المستعمر، وانطلقت المظاهرات الشعبية وأعمال المقاومة الفدائية لتزعزع أركان الوجود الاستعماري، وتضرب مصالحه وتستهدف دهاقنته وغلاته.
وفي هذا المضمار، كانت مدينة الدار البيضاء مهد المقاومة والتحرير، قلعة كبرى للنضال، حيث تكونت خلايا ومنظمات المقاومة المسلحة بهذه المدينة، وبمثيلاتها من مدن المغرب وقراه، بإسهام شباب متحمس هب لإعلاء راية الوطن، وفاء لشعار المغرب الخالد: "الله، الوطن، الملك".
وكان الشهيد محمد الزرقطوني، رحمة الله عليه، أحد هؤلاء المقاومين الأفذاذ والرموز الخالدين، الذين أسسوا لانطلاق المقاومة وتخطيط أهدافها وتعزيز تنظيماتها، إذ كان بطلا من أبطال الكفاح الوطني المجيد، حريصا على تقوية تنظيمات المقاومة وامتداداتها، عاملا بكل جهده بتنسيق وتخطيط مع رفاقه في النضال دفاعا عن مقدسات الوطن إلى أن لقي ربه مستشهدا يوم 18 يونيو 1954، حينما تمكنت سلطات الحماية من إلقاء القبض عليه.
وفضل الشهادة حفاظا على أسرار المقاومة وتضحية من أجل استمرارها وتواصل أعمالها، معطيا بذلك المثال على روحه الوطنية الصادقة، وتفانيه في الدفاع عن مقدسات وطنه، هذه الروح الخالدة التي جسدها الشهداء الأبرار، عبر كل جهات المغرب، والمقاومون وأعضاء جيش التحرير الأفذاذ، متحملين كل الشدائد إيمانا بحرية بلادهم واستقلالها وصيانة لمقوماتها وثوابتها.
كان حتميا انتصار إرادة العرش والشعب وعودة بطل التحرير جلالة المغفور له محمد الخامس، محفوفا برفيقه في الكفاح، الملك الموحد جلالة المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراهما، والأسرة الملكية الكريمة من المنفى في 16 نونبر1955، مظفرا، ومعلنا بشرى انتهاء عهد الحجر والحماية وبزوغ فجر الحرية والاستقلال.
وأبى الملك المحرر جلالة المغفور له محمد الخامس، رضوان الله عليه، إلا أن يجعل يوم 18 يونيو 1954، يوما للمقاومة والتذكير والاعتزاز بتضحيات كل الشهداء الذين استرخصوا أرواحهم فداء للوطن، إذ قام طيب الله مثواه بوقفته التاريخية يوم 18 يونيو 1956، أمام قبر الشهيد محمد الزرقطوني، مجسدا قيم الإكبار لتضحيات الشهداء، والاعتزاز بنضالات المقاومة.
وقال طيب الله مثواه "إن الشعب المغربي مفطور على الاعتراف بالجميل، ولن ينسى عمل أولئك الذين كان لهم فضل المقاومة، سواء بالسلاح أو اللسان أو المال، وإنه لجدير بذكرى المكافحين أمثال الزرقطوني وعلال أن يخصص لهم يوم يكون أحد أيامنا المشهودة لتكون ذكرى لائقة بنضالهم ناطقة بعظمة كفاحهم...".
وأضاف قدس الله روحه مشيدا بملاحم المقاومة "لقد كنا في منفانا شهد الله نتلهف شوقا إلى أخبار مقاومة أبطالنا، وكان يقيننا راسخا في أن تلك المقاومة - وكنا أول من حمل مشعلها - ستظل تستفحل يوما بعد يوم حتى تستأصل جذور الباطل، وها نحن اليوم نستظل بدوحة الحرية التي غرسناها وسقاها فدائيون بزكي دمائهم".
ومنذ ذاك والمغرب يحتفي بهذا اليوم الخالد إكبارا لملاحم البطولة والكفاح الوطني وإشادة برموزه وأبطاله،وتذكيرا بأمجاد ثورة الملك والشعب المجيدة.
ومن المقولات المأثورة في حق الشهداء الأبرار، ما جاء في رسالة سامية لجلالة المغفور له الحسن الثاني قدس الله روحه، حيث قال "إن أشرف وسام يحمله المرء على صدره هو وسام الدفاع عن أرض الوطن، وأقصى ما يمكن أن يفعله الإنسان من أجل تحقيق هدف سام أو نصرة قضية مقدسة، هو بذل النفس والتضحية بالحياة، فالاستشهاد هو أقصى مراحل الصدق وأبرز علامات الإيمان...".
وإن من أبلغ مظاهر الإكبار والاعتبار والتمجيد للشهداء الأبرار، ما خص به جلالة الملك محمد السادس في 20 غشت 1999، هذه الطلائع المتوهجة إيمانا ووطنية، حيث قال جلالته مشيدا بملحمة العرش والشعب وأبطالها، ومؤكدا على الاعتزاز بمعانيها ورموزها، والتذكير والتعريف بفصولها وتضحياتها "ونحرص على أن نؤكد أننا التزاما منا بالميثاق النضالي الذي سلمه إيانا والدنا بعد أن تسلمه من جدنا يرحمه الله وإياه، ومتابعة للبناء الشامخ الذي أقاماه وتشبثا بالآصرة المتينة التي تشدك إلينا وتشدنا إليك، نحيي هذه الذكرى الوطنية المجيدة، وسنواصل إن شاء الله إحياءها باعتبارها ذكرى أمة كلها، تحتم علينا على الدوام استحضار أرواح جميع المقاومين للتزود من جهادهم المتفاني، والتذكير بما بذلوا من تضحيات كبيرة في شتى الأقاليم ومختلف المواقع، مع إشادة خاصة بالعلماء ورجال الفكر والسياسة، وطبقة العمال والفلاحين، والتنويه بدورهم العظيم في تحرير البلاد، ومزيد من العناية بأسرهم، والترحم على شهدائهم الأبرار، ودعوة العلي القدير أن يجعلهم إلى جانب والدنا وجدنا المكرمين مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا".
إن تخليد هذه الذكرى المجيدة والاحتفاء بأبطالها يتوخى استلهام قيمها لتتشبع بها الأجيال الصاعدة واللاحقة والمتعاقبة في مسيراتها الرائدة في ظل العهد الجديد لباعث النهضة المغربية، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، لصروح الوطن والارتقاء به في مدارج الحداثة والتقدم على صعيد كافة الميادين والمجالات، والتعبئة الشاملة، والتجند الدائم دفاعا عن مقدسات الوطن وحفاظا على هويته ومقوماته.
واحتفالا بهذه الذكرى المجيدة، تنظم المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير مهرجانا احتفاليا بالدار البيضاء بتعاون مع السلطات المحلية والهيئات المنتخبة والفعاليات التربوية ومنظمات المجتمع المدني.
ويتضمن هذا البرنامج الوقوف بمقبرة الشهداء أمام قبر الشهيد محمد الزرقطوني، والترحم على روحه وأرواح شهداء الاستقلال والوحدة، والوقوف أمام المعلمة التذكارية المخلدة لذكراهم.
كما يشمل البرنامج إقامة مهرجان خطابي بمقر عمالة مقاطعات عين السبع الحي المحمدي، وتكريم ثلة من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، ولقاء علميا في موضوع "دور البحث العلمي في صيانة الذاكرة الوطنية" بقاعة أنوال التابعة لجماعة المعاريف، إضافة إلى تقديم دروس دينية بالمساجد، وإقامة معارض متنوعة وندوات ومحاضرات، وبرامج إعلامية استحضارا لأبعاد ودلالات هذا الحدث التاريخي المجيد.