عجزت رئاسة المؤتمر الثامن للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، المنعقد في بوزنيقة، منذ الجمعة الماضي، عن استئناف أشغال الجلسة العامة للمؤتمر، صباح أمس الأحد، وظلت الأشغال متوقفة.
ولم تستأنف إلا ظهر اليوم نفسه، بيد أنها كانت تتعرض، بين الحين والآخر، للتوقف أو التعليق، بسبب ارتفاع حدة الصراع بين مكونات المؤتمر، إلى درجة أن بعض المؤتمرين رفعوا مطلب انتخاب رئاسة بديلة لتلك التي يرأسها محمد الخصاصي.
وفي حدود الواحدة ظهر أمس الأحد، احتل مؤتمرون منصة قاعة الجلسات العامة، ما اضطر رئاسة المؤتمر إلى توقيف الجلسة والانسحاب، فيما يسير الاتجاه العام للمؤتمر نحو تمديد الأشغال أياما أخرى، وقدرت المصادر ألا تنتهي قبل يوم غد الثلاثاء، في أحسن الأحوال، أو تعليقه إلى موعد آخر في أسوئها.
وكان من المتوقع أن تعلن لجنة الفرز نتائج مداولاتها في عضوية المؤتمرين، قبل أن ينتفض مجموعة من الشباب الاتحادي، قالت مصادر إنهم محسوبون على إدريس لشكر، عضو المكتب السياسي، لتلتحق بهم مجموعة من الشباب ينتمون إلى فروع مختلفة، من بينهم نجل الكاتب الأول المغادر، محمد اليازغي، ومجموعة تيار الاشتراكيين الجدد، وينظمون مسيرة داخل القاعة، ويحتلون المنصة، ويرددون شعارات مناهضة لحكومة عباس الفاسي، ومطالبة بانسحاب الاتحاد الاشتراكي منها. ومن بين الشعارات التي رددوها "اليوسفي يا رفيق، ما زلنا على الطريق"، و"المؤتمر ها هو، واليازغي فينا هو"، و"عليك أمان عليك أمان، لا حكومة لا برلمان". وانسحب بعد ذلك نجل اليازغي والمحسوبون عليه من المسيرة، بعد رفع شعارات مناهضة للحكومة.
ورغم تدخل عناصر محسوبة على إدريس لشكر في محاولة لإنهاء المسيرة والاعتصام، رفض باقي المحتجين الخضوع للقرار، واستمروا في الاحتجاج.
وتوقفت المسيرة بعد نصف ساعة من انطلاقتها، وعادت رئاسة المؤتمر بأعضائها الخمسة إلى المنصة، ليلقي رئيسها محمد لخصاصي كلمة لتهدئة الوضع، مذكرا فيها بنضالية الحزب وتاريخه، قبل أن يعطي الكلمة لمقرر لجنة فرز العضوية لتلاوة نتائج مداولاتها، والمصادقة عليها، والشروع في توزيع البادجات على المؤتمرين، الذين كان محل خلاف حول مشروعية انتدابهم كمؤتمرين.
وكان مؤتمرون من مراكش استأنفوا النقاش، في غياب رئاسة المؤتمر، التي تتكون من الخصاصي رئيسا، وعضوية عائشة الخماس، وحسن الصبار، والحبيب الشرقاوي، وإدريس أبو الفضل، وتناولوا مشاكل مرتبطة بـ"غياب النزاهة" في انتخاب مؤتمري مدينة النخيل.
من جهة أخرى، أفاد مصدر من المؤتمر أن علي بوعبيد، نجل الزعيم الراحل عبد الرحيم بوعبيد، وحسن طارق، قررا الانسحاب من لائحة عبد الواحد الراضي، بعد انضمام جمال أغماني، وزير التشغيل والتكوين المهني، إليها، لخرق الراضي الاتفاق مع بوعبيد وطارق، بعدم ضم أي وزير إلى اللائحة.
وكان أغماني، حسب مصدر اتحادي، قرر سحب لائحته، بعد توافق مع الراضي، لتفادي "بلقنة" المكتب السياسي.
وشهد المؤتمر الثامن للاتحاد لحظات حرجة، إذ لم يكن أعضاء المكتب السياسي توصلوا، إلى حدود ظهر أمس، إلى توافق في ما بينهم، ما أثر على الأشغال. وساهم الخلاف حول ترتيب المرشحين في اللوائح في تأخر الأشغال، وفي هجرة المرشحين من لائحة إلى أخرى.
وأمام تعدد اللوائح، شرع بعض المؤتمرين، وقياديون في اللجنة التحضيرية، يعبئون المؤتمرين حول موقف إلغاء نظام الترشيح باللائحة، لتفادي "بلقنة" المكتب السياسي، وذهب في هذا الطرح أعضاء بالمجلس الوطني، سبق أن صادقوا على المشروع في الدورة الأخيرة.
ويقر مشروع المقرر التنظيمي بانتخاب المؤتمر أعضاء المكتب السياسي الخمسة وعشرين، 25 في المائة منهم نساء، عن طريق الاقتراع السري باعتماد نظام اللائحة، على قاعدة التمثيل النسبي، مع مراعاة مبدأ تجديد ثلثي أعضاء المكتب المنتهية ولايته.
من جهة أخرى، واصل المندمجون (الحزب الاشتراكي الديموقراطي سابقا) اجتماعاتهم، ظهر أمس، على هامش المؤتمر لتنسيق مواقفهم، وتوحيد قراراتهم.
وكانت بداية المؤتمر عرفت توترا وتعثرا، إذ فقد المكتب السياسي، ورئاسة المؤتمر، زمام الأشغال، وانفلت منهم المؤتمر، وبدا أن تدخلات المؤتمرين تتجه عكس الكلمة التي تقدم بها محمد اليازغي، والتقرير السياسي للمكتب السياسي للحزب، الذي تلته رشيدة بن مسعود، عضو المكتب ذاته، فيما ذهب آخرون بعيدا، معتبرين كلمة الكاتب الأول المغادر، محمد اليازغي، في افتتاح المؤتمر، لا تهم سوى اليازغي.
وساد نقاش حاد أجواء المؤتمر، يوم السبت، خلال الجلسة العامة للنقاش والمصادقة على التقريرين الأدبي والمالي، ذهب إلى حد المطالبة بمحاكمة المكتب السياسي، إذ قال مؤتمر من كلميم، في الجلسة ذاتها "يجب محاكمة أعضاء المكتب السياسي، أمام قاض عادل، يصدر الحكم عليهم بالإعدام شنقا، في ساحة عمومية، أمام الجماهير الشعبية".
وطالب مؤتمرون في تدخلاتهم، أثناء نقاش التقريرين المالي والأدبي، بانسحاب الاتحاد الاشتراكي من الحكومة، والعودة إلى المعارضة، و"الارتباط بالجماهير الشعبية، لإعادة الحزب إلى سابق عهده".
كما انتقد متدخلون تجربة الحزب في الحكومة، وطالبوا بإصلاحات دستورية وسياسية، مشيرين إلى أن التقرير السياسي تناول هذه النقطة بشكل "محتشم"، وانتقدوا تدبير المكتب السياسي للحزب في مرحلة ولايته، واعتبروه مساهما في ما آل إليه الوضع التنظيمي، وحملوا مسؤولية تراجع الحزب في الاستحقاقات الانتخابية لسابع شتنبر 2007 للمكتب السياسي.
من جهتها، اعتبرت رشيدة بن مسعود، في معرض ردها على المداخلات باسم المكتب السياسي، أن المداخلات، في مجملها، "قيمة مضافة ستساهم في إغناء تجربة الحزب ونواقصه، وتصوراته المستقبلية".
وأضافت بن مسعود أن المداخلات "محكومة بهاجس الغيرة على الرصيد النضالي الاتحادي، موجهة وموسومة بنبرة القلق الحاد، خوفا على مصير الحزب"، مشيرة إلى أن القلق نفسه "يتقاسمه مع الاتحاديين أصدقاؤهم في الأحزاب الصديقة".
وأشارت بن مسعود إلى أن كلمتي المكتب السياسي واليازغي "منسجمتان، من دون تناقض، وموجهتان نحو المستقبل"، واستعرضت الإنجازات التنظيمية والسياسية للحزب خلال الولاية التي أدار فيها المكتب السياسي الحزب.
وتواصلت أشغال الجلسة العامة إلى الثانية من صباح أمس الأحد، إذ وقع تأجيل المصادقة على التقريرين الأدبي والمالي إلى ما بعد الحسم في عضوية المؤتمرين، وحل المشاكل العالقة، وساهم التشكيك والطعن في انتخاب مؤتمرين في تأخير البت في العضوية بالمؤتمر إلى أمس الأحد.
وعاش المؤتمر أجواء صعبة ومشحونة، بلغت إلى حد الاحتجاج ورفع شعارات تتهم الحزب باستقطاب أباطرة المخدرات، "هذا حزب النضالات ما شي حزب المخدرات"، خاصة بالنسبة لفروع الشمال، التي نظم بعض أعضائها مسيرة احتجاجية، واقتحم المتظاهرون القاعة، لتتوقف الأشغال، ووزعوا بيانا يوضح أسباب احتجاجهم، وأدانوا "الخروقات، التي شابت عملية انتخاب المؤتمرين في المنطقة".
وبلغ الصراع بين الاتحاديين في هذه المنطقة إلى تبادل الضرب، وتدخل سيارة الإسعاف لنقل أحد المصابين.
ولم يقتصر التشكيك في عملية انتخاب المؤتمرين على فرع من دون غيره، بل شمل فروعا عدة، فبين الفينة والأخرى، كان ينتفض المحتجون والمشككون في نزاهة انتخاب المؤتمرين، مثل فرع في مراكش، وثان في آسفي، وثالث من فاس.
ولوحظ، خلال أشغال الجلسة العامة، غياب قيادة الحزب عن القاعة، وعلق مصدر على ذلك بأن "سيناريوهات المؤتمر تعد من خارج الأشغال، عبر توافقات مهندسي الحزب".
وكانت الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الثامن لحزب القوات الشعبية، مساء الجمعة، تميزت بتلاوة تقريرين باسم قيادة الحزب، كلمة الكاتب الأول السابق محمد اليازغي، وتقرير المكتب السياسي، الذي تلته، باسم المكتب السياسي، رشيدة بن مسعود، في سابقة هي الأولى من نوعها في الاتحاد، وجرت في جو بارد، من دون ترديد الشعارات، إلا النشيد الحزبي.
وطالب محمد اليازغي في كلمته بـ"تجديد قيادة ونخب الاتحاد، وصقل اختياراته وهويته، وتحديث بنياته وهياكله"، ورهن تحقق ذلك بـ"تملك ناصية الممارسة والسلوك والثقافة الديمقراطية على كل المستويات".
من جهتها، استعرضت رشيدة بنمسعود، في كلمة باسم المكتب السياسي، في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، يوم الجمعة الماضي، تجربة الحزب التنظيمية والسياسية ما بين المؤتمرين، وأكدت أن المؤتمر الوطني الثامن للحزب يشكل "منعطفا تاريخيا على مستوى التأطير والتنظيم والتفكير، من أجل إنجاز مراجعة شاملة لأوضاع الحزب، في مختلف مراتبها، وإعادة بناء أداتنا الحزبية، بما يخدم مبادرة الانفتاح، وممارسة سياسة القرب الجماهيري، والتجديد في الفكر السياسي والأداء النضالي".
وفي استشرافها للمستقبل، قالت بنمسعود، باسم المكتب السياسي، "نطمح إلى تقييم خطنا السياسي العام وتحيينه، على ضوء تقويم موضوعي لتجربة الانتقال الديمقراطي، التي يمكن أن تكون استنفدت شروط وجودها المرحلية"، مشيرة إلى أن المؤتمر الثامن "سيكون، بإرادة الجميع، موعدا تنظيميا وسياسيا، يمثل استثناء نوعيا، ومناسبة لإعادة بناء الذات الاتحادية، ومراجعة نقدية لمسيرتنا، على مستوى كل الأصعدة، من أدائنا الحكومي والبرلماني الجماعي".
واعتبرت أن المشاركة الاتحادية في حكومة التناوب، التي "تناغمت مع الإرادة الملكية، أثمرت نتائجها فتح أوراش البناء في مختلف المرافق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي مجال الحريات العامة، وتحقيق المصالحة مع الذاكرة، وطي صفحة الماضي".
وأضافت أن من خلاصات هذه التجربة أيضا "تحقيق الانفتاح الديمقراطي، على تنوعنا الثقافي وتعدد ذاتنا الهوياتية، من خلال تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، والتشريع لقضية المرأة وإنصافها، بالإعلان عن مدونة الأسرة، التي تمثل منعطفا في إرساء حقوق المرأة المغربية، وصون كرامتها، ومراجعة قانون الجنسية، وبعض مقتضيات مدونة الشغل والقانون الجنائي".
وبخصوص القضية الوطنية، أكد المكتب السياسي أن "الحكم الذاتي الموسع المقترح لإنهاء الصراع المفتعل حول الصحراء تحت السيادة المغربية، وفي إطار الشرعية الدولية، يشكل الحل العادل، والسقف الحاضن والضامن لمصلحة شعوب المنطقة المغاربية برمتها"، مضيفا أن "أحقية هذا الموقف الوجيه، الذي تبنته بلادنا، تأكدت من خلال تعاطف كثير من البلدان الوازنة في المنتظم الدولي مع المقترح المغربي، دلالة على الفهم والاستيعاب الإيجابي لعدالة قضية الوحدة الترابية".