أكد وزير الداخلية، شكيب بنموسى، أول أمس الأربعاء، أن تدخل قوات الأمن لوضع حد للحصار المضروب على ميناء ومدينة سيدي إيفني، جاء بعد استنفاد جميع السبل لإيجاد حلول "واقعية ومعقولة" لهذا الوضع.
مشددا على أنه جرى تأجيل هذا التدخل لمدة 24 ساعة عن موعده، نزولا عند رغبة المنتخبين والأعيان، الذين طلبوا مهلة إضافية للقيام بمساع جديدة للحوار، لم تؤت أكلها، أمام إصرار المحتجين على الاستمرار في حركتهم الاحتجاجية المخلة بالنظام العام.
وأوضح بنموسى، في معرض رده على سؤال محوري بمجلس النواب، تقدمت به مجموعة من الفرق النيابية، حول "أسباب وتداعيات الأحداث التي شهدتها مدينة سيدي إيفني نهاية الأسبوع الماضي"، أنه لم يبق أمام السلطات العمومية سوى تحمل مسؤولياتها لإرجاع الأمور إلى حالتها الطبيعية عن طريق تدخل القوات العمومية، بعد فشل الحوار وإقرار كل الوسطاء بأنه لا أمل في إقناع المحرضين بوضع حد لتصرفاتهم، ومواجهة المخاطر البيئية التي أصبحت تهدد المدينة.
وبعد أن أكد أنه جرى إبلاغ الأشخاص الذين يخوضون الاعتصام بعزم القوات العمومية على التدخل، أوضح أنه "عوض الرضوخ للأمر الواقع، تمادى المحرضون في غيهم، بل ودفعوا بأفراد عائلاتهم إلى النزول للشارع عشية التدخل لثني القوات العمومية عن القيام بعملها وبما يفرضه القانون".
وفي معرض توضيحه لخلفية هذه الأحداث، قال بنموسى، إنه "على إثر الإعلان عن النتائج العملية للقرعة التي أجريت في 30 ماي 2008، من طرف بلدية سيدي إيفني، لتوظيف ثمانية عمال للنظافة ودون تسجيل أي اعتراض على ظروف إجراء القرعة أو نتائجها، قام حوالي 150 شخصا بتحريض من مجموعة قليلة من الأشخاص، معروفين بتهورهم، بالتوجه نحو ميناء المدينة حيث نظموا اعتصاما غير قانوني، شل نشاط هذا الميناء وأرغم ما يقارب 100 شاحنة محملة بحوالي 800 طن من السمك على المكوث بداخل الميناء".
وأضاف أن هذا التصرف تسبب في خسائر مادية مهمة بلغت قيمتها حوالي 600 مليون سنتيم، وأضرار بيئية خطيرة، فضلا عن معاناة عمال وأطر الميناء وسائقي الشاحنات وصيادي السمك الصغار من آثار الحصار والعطالة التقنية، التي وجدوا أنفسهم مرغمين على تحمل تبعاتها دون أن يكون لهم يد في الموضوع.
وأوضح أن مدينة سيدي إيفني "عاشت خلال ليلة 6 إلى7 يونيو، على إيقاع أحداث خطيرة مست النظام العام وتمثلت في تنظيم مسيرات غير مرخصة طوال الليل، تخللتها أعمال شغب، إذ جرى إضرام النار في سيارة المصلحة تابعة لقائد المقاطعة الحضرية الثانية، وجرى رشق مقر مفوضية الشرطة بالحجارة، ووضعت الحواجز في عدد من الشوارع والممرات لعرقلة تدخل قوات الأمن، مع ترديد الدعوات للعصيان ومواجهة قوات الأمن".
وقال إن الهدف من وراء تدخل القوات الأمنية "توخي رفع الحصار عن الميناء ووضع حد لمعاناة العاملين به، الذين ظلوا محاصرين طوال مدة الاعتصام، وكذا معاناة الصيادين الصغار الذين منعوا من كسب قوتهم اليومي، والحيلولة دون تفاقم الوضع الأمني بالمدينة، ومنع أي انزلاق لا تحمد عقباه، فضلا عن إعادة الأمن إلى المدينة وحماية أرواح الناس وممتلكاتهم"، مشيرا إلى أن بعض المحرضين هددوا بإضرام النار في محطة للتزود بالوقود.
وأوضح بنموسى أنه بعد وصول التعزيزات الأمنية الضرورية من أكادير، صبيحة يوم سابع يونيو، والتي بلغ قوامها حوالي 1300 عنصر، جرى نشرها لتحقيق هذه الأهداف، "حيث جرى في أقل من ساعة من الزمن إخلاء الميناء وفتحه في وجه العمال والموظفين، واعتقال من واجه القوات العمومية والمحرضين على اقتراف الأعمال غير القانونية، وهم فئة قليلة جدا"، مشيرا إلى أن جزءا آخر من هذه القوات توجه نحو المدينة للحفاظ على الأمن بها.
وأكد على ضرورة استحضار بعض الحقائق لتقييم موضوعي لعملية التدخل الأمني هاته، التي تتمثل في أن "قوات الأمن لم تلجأ إلى استعمال الأسلحة النارية رغم ما تعرضت له من استفزازات، ورغم إصابة عدد كبير من أفرادها خلال هذا التدخل"، مؤكدا أنه "جرى بالفعل استعمال القوة في بعض الأحيان من طرف رجال الأمن ضد فئة قليلة من الأشخاص كانوا عازمين على مواجهتها"، وهو التصرف، يقول بنموسى، الذي تلجأ إليه قوات الأمن حتى في الدول العريقة في الديمقراطية، وتفرضه ضرورة فرض احترام القانون وواجب الدفاع عن النفس أمام تهديد محتوم.
وأضاف أنه بعد نجاح قوات الأمن في فض الاعتصام أمام الميناء "لجأ عدد من المحرضين على القيام بأعمال الشغب إلى المدينة والمرتفعات المجاورة، تعقبتهم قوات الأمن من أجل اعتقالهم، واضطرت لاقتحام بعض المنازل تنفيذا لأوامر النيابة العامة، التي جرى التدخل الأمني تحت سلطتها المباشرة".
وسجل وزير الداخلية أنه "بعد تناسل الإشاعات المغرضة، التي كانت وراءها جهات معينة، من قبيل استعمال العنف المفرط من قبل قوات الأمن، وسقوط قتلى وحدوث اغتصابات، شهدت مدينة سيدي إيفني يومي السبت والأحد تنظيم بعض المسيرات التي جرى تفريقها من طرف قوات الأمن حفاظا على الوضعية الأمنية بالمدينة".
وعلى إثر هذه الأحداث، يضيف الوزير، جرى اعتقال 182 من المحتجين، أطلق سراح أغلبهم بعد توقيع التزام بعدم خرق القانون وتكرار ما وقع بضمانة من أفراد عائلاتهم، بينما جرى تقديم 10 أشخاص للعدالة، ويتعلق الأمر بمدبري الأحداث التي أخلت بالأمن العمومي، وبأشخاص وجدت بحوزتهم قنينات حارقة وسلاح للصيد، وشخص اعترف أنه هو من أحرق سيارة رجل السلطة".
وجدد بنموسى التأكيد على أن "تدخل قوات الأمن لم يسفر، خلافا لما أشيع، عن سقوط أية ضحية، وإنما جرى تسجيل إصابة 48 شخصا بجروح خفيفة (28 من عناصر الأمن الوطني والقوات المساعدة و20 من المتظاهرين)، غادروا كلهم المستشفى في اليوم نفسه بعد تلقيهم للإسعافات الضرورية".
وأوضح أن "وزارة الداخلية لم تتوصل لحد الآن بأية شكاية رسمية بخصوص ما ادعته بعض الجهات من حصول حالات اغتصاب، وسرقات لأمتعة السكان أثناء تدخل القوات الأمنية"، مبرزا أنه "في غياب هذه الشكايات، فإن الأمر يبقى مجرد ادعاءات لا تستند إلى وقائع أو أدلة ملموسة".
وشدد على أن وزارة الداخلية تبقى "على استعداد تام لفتح تحقيق في شأن أي ادعاء، وإنزال العقوبة في حق أي مخالف"، مشيرا إلى أن مثل هذه الأعمال إن حدثت فإنها تبقى تصرفات غير مقبولة ومخالفة لمنهج تدبير المظاهرات".
وبخصوص تأجيل تدخل قوات الأمن لـ 24 ساعة، أوضح بنموسى أن السلطات العمومية، وفاء لنهجها في تدبير التظاهر والتجمهر في الشارع العمومي المتسم بالمرونة الضرورية، وحتى لا يجري المساس بالسير العادي لامتحانات الباكلوريا، فضلت التريث وإعطاء كل الفرص للمؤسسات الرسمية وللمنتخبين ولكل ذوي النيات الحسنة لإقناع المتظاهرين بالعدول عن تصرفاتهم.
وذكر بأن لجنة توجهت في هذا الإطار من عمالة تزنيت إلى عين المكان يوم 30 ماي 2008، أي منذ اليوم الأول لبدء الاعتصام، وبقيت في حوار مستمر مع محتجين انضم إليها يوم 2 يونيو والي الجهة، الذي قام بعقد لقاء مع المعنيين بسيدي إيفني ثم لقاء آخر يوم 3 يونيو مع أعيان المنطقة.
كما تلت ذلك، يضيف بنموسى، محاولات تصب في الغرض نفسه قام بها المنتخبون والبرلمانيون والأعيان، غير أن المحرضين على خرق القانون أصروا على تعنتهم ورفضوا رفع الحصار على الميناء في تجاهل تام لهذه المساعي، وفي تحد واضح للسلطات العمومية.
وأشار إلى أن الإمعان في انتهاك القانون من طرف فئة قليلة من الأشخاص الذين حركتهم مجموعة من المحرضين، قابله حرص السلطات المركزية والمحلية، ومنذ أعوام على معالجة الوضع في مدينة سيدي إيفني، بحكمة وروية، مستعملة في ذلك كل سبل التواصل والإقناع والحوار، مع تعزيز هذا التوجه بمبادرات ميدانية لتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة.
وقال إن هذه المنطقة استفادت على غرار كل المناطق التي تعرف ضعفا في بعض مؤشرات التنمية، من مجهود خاص هم مشاريع تأهيل مدينة سيدي إيفني، وتدعيم البنى التحتية، بما في ذلك كهربة الدواوير وتزويدها بالماء الشروب وبناء الطرق، وفي مقدمتها تلك الرابطة بين سيدي إيفني وجماعة فم الواد، ومشاريع التطهير وتوسيع الكورنيش لتصبح المنطقة قطبا سياحيا ومركزا لجلب المستثمرين، وعاملا مساعدا على إنجاز مشاريع اقتصادية لامتصاص البطالة.
وأكد أن كل مصالح الدولة ستبقى مجندة للإصغاء لآراء واقتراحات المنتخبين وممثلي السكان وفعاليات المجتمع المدني المسؤولة، لوضع مخططات تنموية، بالإضافة إلى ما جرى إنجازه لحد الآن من مشاريع وما جرت برمجة إنجازه في السنوات المقبلة.
كما أكد حرص الحكومة على مواصلة السهر على تنفيذ المشاريع التنموية المبرمجة، وإنجاز المزيد من المشاريع بمنطقة سيدي إيفني، لمحاربة ظاهرة بطالة الشباب والخريجين على الخصوص، وجدد التزامها بمواصلة تشجيع المستثمرين في قطاع الصيد على إنجاز مشاريع بالمنطقة، مشيرا إلى أن الوزارة المعنية أجرت اتصالات ودراسات للتوصل لأحسن السبل لتحقيق هذه الغاية.
وأضاف في هذا السياق أن الدولة لن تدخر أي جهد في توفير الظروف الملائمة، والدعم المادي والمعنوي لنجاح أية عملية استثمارية، ومنها دراسة وتحديد الميادين الاقتصادية الواعدة التي بإمكانها أن تشكل قاطرة لاقتصاد المنطقة، داعيا بالمناسبة كل الفعاليات المحلية إلى بذل ما في وسعها لتوفير المناخ الملائم لتشجيع الفاعلين الاقتصاديين على الاستثمار في المنطقة.
ولم يفت بنموسى التنويه بالمصالح الأمنية على ما أبانت عنه خلال هذه الأحداث من مهنية وحس عال من المسؤولية وضبط النفس رغم كل ما ووجهت به من استفزاز، مما مكن من تحقيق أهداف التدخل الأمني وإعادة الأمور إلى نصابها وإعادة الطمأنينة لسكان المنطقة دون المساس بكرامة المواطن وبأقل الخسائر الممكنة.
كما أشاد بالجهود، التي بذلها كافة منتخبي وأعيان المنطقة، وتجندهم لتجاوز هذه الوضعية، منوها في الوقت ذاته بالفاعلين الاقتصاديين المحليين على صبرهم وتفهمهم للاعتبارات التي كانت وراء تأخر تدخل القوات العمومية لأزيد من أسبوع.
وعبر وزير الداخلية أيضا عن تقديره لسكان قبائل أيت باعمران، المعروفة بجهادها على مر التاريخ للدفاع عن الوطن وثوابته ومؤسساته، والذين استنكروا بالإجماع، ومنذ الوهلة الأولى، لجوء فئة من المحرضين لهذه التصرفات ضدا على إرادة الأغلبية الساحقة لسكان المدينة.
وفي معرض رده على تعقيب النواب، الذين أجمعوا على ضرورة نهج مقاربة تنموية شاملة وعادلة بالنسبة لجميع جهات المملكة، وإيجاد حلول عاجلة لتخليص المنطقة من مظاهر الفقر والبطالة التي تقف بالأساس وراء مثل هذه الأحداث، أكد بنموسى "الاستعداد التام للوزارة لتعبئة كل مصالحها لمساعدة وتقديم المعطيات الضرورية للجنة التقصي، إذا ما تقرر إحداثها من قبل البرلمان".