حرارة مرتفعة ورقاب تشرئب لسماع ما يدور داخل قاعة الجلسات

السبت 07 يونيو 2008 - 08:44

نادى القاضي بإحدى قاعات الجلسات بالقطب الجنحي بالدارالبيضاء، على أربعة متهمين، ثلاثة شباب في حالة اعتقال وامرأة في حالة سراح مؤقت، مثلوا أمام الهيئة وهم يضعون أيديهم خلف ظهورهم.

ورؤوسهم تنظر إلى الأرض، كانوا شبابا في مقتبل العمر، ووقفت خلفهم المتهمة، امرأة في الأربعينيات من عمرها، سمراء البشرة، وضعيفة البنية، وترتدي جلبابا بني اللون وتضع منديلا بشكل عشوائي على رأسها، ويظهر من ملامحها أنها شقيقة أحد المتهمين الثلاثة.

حين تأكد القاضي من هوياتهم، نادى على سبعة أشخاص آخرين، خمس نساء وثلاثة رجال، وقفوا في الجانب الأيسر من منصة الحكم، وهم المطالبين بالحق المدني في هذه القضية، كانت من بينهن شابة جميلة بيضاء البشرة، شعرها أشقر، ترتدي زيا عصريا يظهر الكثير من مفاتنها، وقفت خلف باقي النساء، وأصبحت محط أنظار الحاضرين.

إنها الجلسة الأولى التي سينظر فيها القاضي في هذه القضية، التي تبادل خلالها عدد من أبناء الجيران وأمهاتهم، العراك في ما بينهم وتبادلوا الضرب والجرح إلى أن وصل الخبر إلى رجال الشرطة، وأنهوا الصراع وأحالوا الجميع إلى المحكمة.

سأل القاضي كل متهم الأسئلة المعتادة "اسمك ... اسم باك... اسم امك...مهنتك..."ثم يخبره عن التهمة الموجهة إليه، ويسأل عن دفاعه.

وقف إلى جانب الضحايا محام واحد، الشيء نفسه بالنسبة للمتهمين.

كانت قاعة الجلسات تعج بالحاضرين والمتهمين، وكادت جنبات القاعة أن تلتهب من شدة الحرارة، ويثير انتباهك منظر المناديل البيضاء الورقية، وهي تعلو الجبين أو تمرر على الوجوه، لمسح العرق المتصبب من الحرارة المرتفعة داخل القاعة.

ومن النساء، خاصة الطاعنات في السن، من اتخذت من بعض جنبات القاعة مجلسا ترتاح فيه، بعد أن انتزعت حداءها من رجليها وأزاحت قليلا من غطاء شعرها، لأنها لم تجد مكانا لتجلس فيه وتتابع المحاكمات ولو عن بعد.

كما تلاحظ داخل هذه القاعة الممتلئة عن آخرها، الرقاب تشرئب لترى المتهمين أو سماع أسئلة القاضي وتصريحات المتهمين والمطالبين بالحق المدني والشهود أيضا، نظرا لغياب مكبرات الصوت والميكروفونات.

أمر القاضي الشهود في هذه القضية بالخروج من قاعة الجلسات، ثم شرع في المناداة عليهم الواحد تلو الآخر لسماع إفادتهم، كان القاضي يكرر الأسئلة ذاتها على الشهود ويدقق في تصريحاتهم ويأمر كاتب الضبط بتسجيلها.

غادر المطالبون بالحق المدني وكان أولهم تلك الفتاة الجميلة، التي لم تسلم من تعليقات بعض المتهمين، ولو بصوت خافت، وانتبه لهم أحد رجال الأمن داخل القاعة، وأمرهم بالتزام الصمت.

كان المتهمون وهم من أعمار متقاربة يطالعون كل شيء داخل القاعة، ويستغلون الفرصة للحديث إلى ذويهم، إحدى الأمهات بدأت في البكاء داخل القاعة، وهي توحي لابنها الجالس بين المتهمين، يرتدي سترة عسكرية خضراء، أن أصدقاء السوء، الذين كان يصاحبهم من أوقعوه في قبضة الشرطة، وحجزوا له مكانا بين المتهمين، كانت تشير له بإيماءات بأنه لم يسمع كلامها ونصائحها وهاهو الآن خلف القضبان، وانهمرت دموعها ولم تتمالك نفسها فطردها الشرطي خارج القاعة، وهي تردد عبارة أنه ابنها الوحيد وأن مصاريف "القفة" اليومية لا تقوى عليها.

طأطأ الشاب رأسه نحو الأرض قبل أن يطالع والدته وهي تبكي ورجلاها لا تقويان على حملها، وتثاقلت خطواتها وهي تلتفت حوله وتمسح دموعها راجية من الله أن يحكم عليه بحكم مخفف، كونه متهما في قضية سرقة.

نادى القاضي على متهم آخر وفتح ملفه أمامه، وبعد أن سأله الأسئلة المذكورة، وجه له سؤالا حول تعاطيه للأقراص المهلوسة، وقال القاضي: وريني يديك.

المتهم : هاهي السي قاضي، والله ما كندير شي حاجة

القاضي: كيفاش ما تدير والو ، وأنت يديك كلهم مشرطين، غير كتبقى تتقرقب وتشرك في اديك.

المتهم: لا السي القاضي والله...

القاضي: ما تحلفش قرب يديك مزيان نشوف

يقترب المتهم مبديا يديه إلى القاضي، ويبادره هذا الأخير بالقول: ودابا شكون الي دار فيك هاد الحالة

المتهم: راه غير تعدى عليا واحد الشمكار..

أمره القاضي بالسكوت، وطالع ملفه قليلا قبل أن يأمر بتأخير قضيته أسبوعا كاملا لتعيين محام له في إطار المساعدة القضائية.

واصل القاضي النظر في الملفات الكثيرة أمامه، في حين ارتفعت أصوات المتنازعين من الجيران من جديد وسط بهو المحكمة، لم ينهها سوى تدخل رجال الأمن، وتهديدهم بعرضهم جميعا على وكيل الملك بالمحكمة، ليلقى عليهم القبض بتهمة الازعاج.




تابعونا على فيسبوك