العون القضائي موظف غير عاد وشرطي حازم داخل قاعة الجلسات

السبت 31 ماي 2008 - 09:02

جلس عدد من الحاضرين بشكل متزاحم داخل إحدى قاعات الجلسات بمحكمة القطب الجنحي، ينتظرون دخول هيئة الحكم من أجل النظر في عدد من الملفات، التي رصها العون القضائي بانتظام شديد فوق منصة الحكم.

كانت الملفات ذات لون أخضر فستقي أو وردي، يجلبها العون القضائي من كتابة الضبط بالمحكمة في عربة حديدية كبيرة رمادية اللون، يجرها بمساعدة رجل أمن، وحين يضعها على منصة الحكم، تنطلق مهمة أخرى وهي رصها حسب وثيقة يحملها بين يديه.

يراقب الحاضرون داخل المحكمة، النساء والرجال وحتى الأطفال، عمل العون القضائي باهتمام شديد، فهو شخص ضعيف البنية، وشعره اعتلاه بعض الشيب، ووجهه رسم عليه الزمن أخاديد سنواته، يرتدي بذلة زرقاء داكنة اللون، محافظا على أناقته بشكل يثير الانتباه، وهو شخص عملي جدا وموظف غير عاد، لا يتعب ولا يكل، طوال الوقت تلاحظ أنه في حركة دؤوبة، يقوم بأعمال كثيرة في الوقت ذاته.

فالعون القاضي بالمحكمة الابتدائية، على غرار باقي الأعوان القضائيين بالمحاكم المغربية، يحضر الملفات ويحرص على مراقبتها، وداخل القاعة وبعد انطلاق جلسة المحاكمة، تلاحظ أنه تحول إلى رجل أمن مرابض داخلها، يحافظ على الأمن وكأنه شرطي حازم، يراقب كل شيء حتى حركات الحاضرين والمتهمين المعتقلين، وفي حالات كثيرة يتدخل لطرد أحد الحضور، خاصة من النساء، بسبب الإزعاج الذي يتسببن فيه.

في انتظار دخول هيئة الحكم، يخرج بين الفينة والأخرى لارتشاف سيجارته، ولكن قبل ذلك ينادي على عون قضائي آخر زميل له ليراقب الملفات داخل قاعة المحكمة، إلى حين عودته.

في كل مرة ينتقل العون باتجاه غرفة الهيئة القضائية ليستعلم عن الوقت الذي ستدخل فيه هذه الأخيرة إلى القاعة، وخلال ذلك، يتبادل الأحاديث مع رجال الأمن داخل القاعة.
فجأة، يثير انتباهك أن العون يمشي بخطى متسارعة نحو منصة الحكم، ويقف منتصبا بالقرب من المكان المخصص لكاتب الضبط، ويطلب من جميع الحاضرين الوقوف، ثم يصرخ بأعلى صوته "محكمة"، في إعلان منه عن انطلاق جلسة المحكمة.

تدخل هيئة الحكم ويقف الجميع احتراما لها قبل أن يأذن رئيسها للجميع بالجلوس، ويشرع في النظر في الملفات أمامه.

يبدأ القاضي النظر في الملفات الجديدة، التي سينظر فيها لأول مرة، معلنا تأجيلها إلى الأسبوع المقبل من أجل إعداد الدفاع أو تعيين محام للمتهمين المتابعين فيها في إطار المساعدة القضائية، وإن رغب المتهم في الدفاع عن نفسه، يخبره القاضي بموعد الجلسة، بعد أن يكرر على مسامعه أكثر من مرة أن المحكمة ستتكلف بتعيين محام له.

أثناء ذلك، ترى أن العون القضائي في مهمة جديدة، فهو يطلب من المتهم أن يقف بكل احترام أمام الهيئة، وإن كان أحد المتهمين يرتدي قبعة، فإنه يأمره بنزعها ووضعها وراء ظهره، أو يأخذها منه إلى حين انتهاء مثوله أمام المحكمة.

يفهم العون القضائي كل حركات رئيس الجلسة وممثل النيابة العامة، دون أن يتكلما، بل يفهم كل ما يأمرانه به من خلال نظرات أعينهما فقط، وتراه أخذ هذه الوثيقة من النيابة ويسلمها إلى هيئة الحكم والعكس، أو إلى كاتب الضبط، أو يأخذها من هيئة الدفاع إلى رئيس الجلسة، وطول المدة الزمنية التي تستغرقها جلسة الحكم، يقف بانتباه شديد يراقب كل شيء، أو يجلس على كرسي قريب من كاتب الضبط، وفي حالة رغب في الخروج من قاعة المحكمة، فإنه يطلب الإذن من رئيس الجلسة أو من ممثل النيابة العامة.

لا يسلم عائلات المتهمين من مراقبة العون القضائي، وفي حالات كثيرة، تجده يتكلم بملامح وجهه وبحركات وإيماءات واضحة، ليعبر عن غضبه من تصرفاتهم أو ليخبرهم بالكف عن الإزعاج داخل القاعة لأن رئيسها سيطردهم منها، وفي حالات كثيرة يوجه أوامر صريحة للحاضرين بالتزام الصمت أو الخروج من قاعة الجلسات، والصرامة نفسها تسري على المتهمين، وحتى الصحافيين، فهو يحترمهم جدا، ويتعاون معهم بشكل كبير، لكنه لا يسمح بالخطأ أو الإزعاج داخل قاعة الجلسات التي تعتبر مملكته الصغيرة، والتي يحرص على نظامها وحسن سيرها وعدم الإخلال داخلها بواجب الاحترام لهيئة الحكم أو ممثل النيابة العامة.




تابعونا على فيسبوك