يوم أمس الأربعاء كان يوما عاديا، رتيبا، مثل باقي أيامنا الاعتيادية، القطار مليء بالموظفات والموظفين، وأطر ومستخدمات ومستخدمي القطاع الخاص.
فتاة تعمل في مركز للنداء بالرباط، قالت إنها لم تعلم أن هناك إضرابا إلا في الصباح، ردت صديقتها، الموظفة بمحكمة، أنها كانت على علم بالإضراب منذ يومين، واستطردت "ولكن ما عرفتشي شكون النقابة اللي دايرا الإضراب"، قاطعتها الأولى "ما كاين لا نقابة لا سيدي زكري".
خارج هذا المقطع الحواري اليتيم، الذي لم يستغرق أكثر من دقيقة، لم تسمع كلمة الإضراب طوال المسافة الفاصلة بين القنيطرة والدارالبيضاء، وعند الوصول، كانت الحياة في الطرقات والمصالح والمرافق العمومية عادية، لا شيء تغير، الحياة تمضي باعتيادية كل يوم. "لا جديد تحت الشمس"، على الأقل في الرباط، عاصمة جيوش الموظفين الجرارة، والدارالبيضاء، عاصمة وعصب الاقتصاد الوطني.
صحيح كانت هناك وقفات لمضربين أمام مقرات بعض المرافق العمومية، لكنها وقفات خجولة، وأعداد المشاركين فيها تحصى بالآحاد، لم تكن تثير حتى فضول المارة، الذين عادة ما يتحلقون حول أي شيء يقع، وأحيانا قد يتحلقون حتى حول الفراغ، أو اللاحدث، ومع ذلك تتحدث النقابة عن "النجاح الكبير" للإضراب، وتتحدث عن نسب لا تهمنا مدى صدقيتها من عدمها.
المضحك الوحيد، في هذه الأجواء، بروز بعض التخوفات، هنا وهناك، من احتمالات الانفلات والانفجار، إلى درجة أن بعض المديرين والأطر التربوية بمؤسسات تعليمية منحوا التلاميذ عطلة في هذا اليوم، اتخذوا هذا القرار، في الغالب، حرصا على ما يعتقدون أنه "تأمين سلامة الصغار وإبعاد لاحتمال تعرضهم لأي مكروه". خارج حسن النية، يبين القرار أن هؤلاء أحرقوا الزمن إلى الوراء، وأنهم ما زالوا مسكونين بإعراب وصرف أفعال الماضي. ففي العقود السابقة، كان الاحتقان سيد الموقف في الساحة الاجتماعية، وكانت مظاهر التوتر والصدام تطبع علاقات أطراف الإنتاج، وأساسا بين النقابات والحكومة، إذ كانت المقاولات تستأسد على عمالها مستكينة إلى حماية الأجهزة القمعية، وكل طرف كان يمارس الحوار بطريقته الخاصة: النقابات بتهييج الشارع، وتأزيم عالم الشغل، وشل الحركة الاقتصادية والإدارية، والحكومة بالهراوات، والاعتقالات، والمحاكمات، والزج بالمناضلين النقابيين في السجون. والحصيلة: سنوات رصاصية، وانتفاضات جماهيرية، من دموية الإضراب العام ليوم 20 يونيو 1981، إلى حرائق الإضراب العام ليوم 14 دسمبر 1990، وبينهما "ضيافات" درامية في معتقلات سرية، من درب مولاي الشريف، إلى الكوربيس.
في تلك السنوات البائدة، كان ما يميز الحركات الاحتجاجية والإضرابية، بشعاراتها الاجتماعية، هو وضع مطلب الحوار في مقدمة أولوياتها.
كل البيانات النارية، والملفات المطلبية، كانت تشترك جميعها في المطالبة بـ "فتح حوار جاد ومسؤول"، ما يعني أن باب المفاوضة كان مغلقا بالتمام، وكان سببا في إذكاء فتيل الاحتقان، لأن حكومات ذلك الزمان، كانت تفهم الجلوس إلى مائدة الحوار بمثابة رفع الراية البيضاء وإعلان الهزيمة. وهذا بالذات هو الفارق الجوهري بين ما كان، وما تحول إليه اليوم المآل.
مهما كان، نعتقد أن الحوار هو الكفيل بإخراج عالم الشغل من واقع التأزيم، إلى وضع جديد، يتأسس على الثقة والحماس والفعالية والإنتاجية، والانتقال من حالة التوتر والاصطدام، إلى حالة الصفاء والاستقرار. وفي هذا السياق، يفترض أن يراجع كل طرف نفسه، الحكومة والباطرونا والنقابات، وفي الانتظار، وأخذا بالاعتبار الهالة، التي أعطيت لحدث الأربعاء، يفترض أن تكون المراجعة النقابية جوهرية، إذ أن ما جرى أمس يبين أن التنظيمات النقابية، وليس الكونفدرالية وحدها، لم تعد تغري أحدا، وأضحت عاجزة عن الاستقطاب والنهوض بدورها التأطيري للشغيلة، لتستمد من أعدادها المنتمية إليها القوة والقدرة على استعراض العضلات، وفرض ما تراه "مطالب مشروعة"، والتصدي لما تعتبره "هجومات الباطرونا المتوحشة". فكثير من أجراء القطاعين العام والخاص إما رفضوا إضراب أمس، وإما استثمروه كيوم عطلة، واستهبلوا الفرصة لتفسيح العائلة، أو قضاء أغراض البيت، أو اللقاء مع الأصدقاء للعب الورق، أو"تقرقيب الناب"، أو البحلقة في مؤخرات فتيات وصدور نساء يتعمدن المشي بتأن وغنج وخيلاء، أمام مقاهي الرصيف، متباهيات بما يستثرنه في الرجل من عبارات التحرش والغزل.