تخلد أسرة الأمن الوطني ومعها الشعب المغربي، اليوم الجمعة، الذكرى 52 لتأسيسها.
وهي مناسبة للوقوف على المجهودات الجبارة، والأعمال الجليلة، والمسؤوليات الجسيمة التي مافتئت تبذلها هذه المؤسسة الوطنية، التي حرصت دوما على الجمع بين مهامها الأمنية الصرفة والأدوار الاجتماعية والاقتصادية والتنموية لفائدة المواطنين، وكذا الوقوف على التحولات التي شهدتها في ظل المتغيرات الوطنية والدولية، مواكبة بذلك المستجدات التي عرفها مفهوم الأمن، والتحديات التي يواجهها المجتمع المغربي.
وشكل تأسيس الأمن الوطني، الذي أعلن عنه المغفور له محمد الخامس في 16 ماي 1956، حدثا مهما، جاء لتأكيد رغبة المغرب الراسخة في ممارسة استقلاله من خلال مؤسسات وطنية، تمثل سيادته المستعادة، وتمكن أبناءه من الانخراط في معركة الجهاد الأكبر، المتمثلة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
منذ ذلك التاريخ وإلى اليوم، شهدت مؤسسة الأمن الوطني تحولات عميقة، سعت من خلالها إلى مواكبة المستجدات التي عرفها مفهوم الأمن، ومواجهة التحديات التي يعرفها المجتمع المغربي، حيث انتقل عمل أسرة الأمن من مفهومه الكلاسيكي إلى مفهوم حديث يرتكز على العمل عن قرب مع السكان، والمساهمة في إيجاد حلول فعالة ودائمة للمشاكل الأمنية التي تقلق المواطنين، واستبدال منطق الاستجابة المنتظمة لنداء السكان بمنطق استباق الانشغالات، والعمل على أن تكون الشرطة على الصورة التي يريدها المواطنون من خلال آلية للحوار والتحاور.
وعلاوة على المهام المرتبطة بالدفاع عن مقدسات الوطن وإرساء الأمن والطمأنينة بالبلاد، والحرص على تطبيق القانون ضمانا لسلامة أمن الضحايا وحماية ممتلكاتهم، تعمل مؤسسة الأمن الوطني جاهدة من أجل الانفتاح على المواطن والمجتمع، وإقامة علاقات جيدة ومتواصلة معه من أجل إرساء جو من الثقة المتبادلة.
ومن أجل مواكبة التحولات الجارية في العالم في هذا المجال، شهد التنظيم الهيكلي للأمن الوطني عدة تعديلات فرضتها المتغيرات الاقتصادية الظرفية والاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها العالم، إلى جانب حرص الإدارة على مواكبة التطورات التي عرفها مجال الأمن سواء على صعيد تطور الجريمة أو طرق مكافحتها.
وفي هذا الصدد، أضحت المديرية العامة للأمن الوطني تضم عدة مديريات، تمثل كل منها مجالات العمل الأمني، كما تنوعت المصالح الإقليمية بحيث أصبحت تتوزع ما بين ولايات الأمن، ومديريات الأمن الجهوي، ومديريات الأمن الإقليمي، ومناطق أمنية ومناطق إقليمية ومفوضيات شرطة.
و شكل تطوير آليات العمل، وتقنيات التدخل، وتوسيع نطاق مجالات التواجد الميداني، وتطوير مناهج التكوين وتأهيل العنصر البشري، وحسن تدبير الموارد البشرية، محط اهتمام دائم بالنسبة لمؤسسة الأمن الوطني منذ إحداثها.
ففي مجال التكوين، حرص المعهد الملكي للشرطة منذ تأسيسه على تكوين وتأهيل رجال أمن مدربين تدريبا عاليا، يساهمون في ضمان المناخ السليم لممارسة الحريات الفردية والجماعية في إطار دولة الحق والقانون.
من جهة أخرى، شكلت أسرة الأمن الوطني مكونا أساسيا ومحوريا في تأمين سلامة المواطنين وممتلكاتهم في مختلف الظروف التي استهدفت ثوابت الأمة واستقرار البلاد، وذلك في إطار تجاوب وتلاحم كبيرين مع المواطنين.
وفي هذا الإطار، عملت الإدارة العامة للأمن الوطني، في ظل الأحداث الإرهابية التي عرفتها المملكة في 16 ماي سنة 2003، وتطور أشكال الجريمة، خاصة تلك التي تعتمد التقنيات المتطورة، على تهيئ نفسها بشريا وتقنيا، وعصرنة عملها لمواجهة هذه التحديات الأمنية الجديدة، كما بلورت استراتيجية جديدة وبرنامجا يروم تعزيز مصالح الأمن الوطني عددا وعدة، وتقريبها من المواطن، وتنويع خدماتها حتى تتمكن من مواجهة كل متطلبات الأمن الراهنة والمستقبلية.
ولم تغفل الإدارة العامة للأمن الوطني جانب العلاقات العامة كوسيلة لها أثرها الجلي في تقوية الروابط بين أجهزة الشرطة وبين أفراد الشعب الذي تنتمي إليه.
فالشرطي هو قبل كل شيء مغربي، غيور على وطنه وعلى المواطنين، ومتشبع بروح المواطنة الحقة والمسؤولية، وما حمله لشارة الشرطي إلا دليل على وطنيته واستعداده للذود عن الوطن ومقدساته.
وظلت أسرة الأمن الوطني يقظة وحريصة على تأمين سلامة المواطنين وممتلكاتهم في جميع الظروف، إذ تجسد ذلك التلاحم الذي يتميز به المغاربة بالتزام تام ووعي وتعبئة شاملة، كلما استهدفت ثوابت الأمة ومقدساتها.
ولعل أسطع دليل على ذلك، هو تلك المجهودات الجبارة التي بذلتها أسرة الأمن الوطني إثر الأحداث التي شهدتها مدينة الدار البيضاء في أبريل 2007، إذ برز بشكل جلي ذلك التجاوب الكبير القائم بين أفراد أسرة الأمن الوطني وجميع المواطنين، كلما استشعروا أن هناك خطرا يهدد أمن المملكة ومؤسساتها.
ومعنى ذلك أن مهمة رجال الأمن ليست على الإطلاق مهمة مكتبية أو إدارية محضة، ولكنها مهمة تنصب بالأساس على توفير الأمن والقيام بالعمل الميداني، الذي يكسب رجال الشرطة مهارات وينمي لديهم القدرة على القرب من أفراد الشعب والإحساس بمشاكلهم، ولهذا كانت تلك الأحداث الآثمة والغريبة عن الشعب المغربي وتقاليده العريقة، مناسبة عبر فيها الشعب المغربي بكل مكوناته، ومنها أفراد أسرة الأمن الوطني، عن تعبئته الدائمة وتجنده المستمر وراء جلالة الملك محمد السادس، صونا لمؤسسات البلاد وحماية لثوبتها ومقدساتها، ودفاعا عن وحدتها واستتبابا لأمنها.
ونظرا للدور الحيوي لأسرة الأمن الوطني في استثباب الأمن، وضمان أمن المواطنين وحماية ممتلكاتهم، حرص صاحب الجلالة الملك محمد السادس على إيلاء عناية خاصة لأفراد أسرة الأمن الوطني، وهو ما يتجسد في الجهود المبذولة لفائدتهم وذويهم في مجال الخدمات الاجتماعية، خاصة منها الضمان الصحي والسكن الاجتماعي، والقروض والتأمين والعمل الاجتماعي والتربوي والتأطيري حتى يقوموا بعملهم في أحسن الظروف.
ومن هذا المنطلق يشكل الاحتفال بالذكرى 52 لتأسيس الأمن الوطني مناسبة لأسرة الأمن الوطني للوقوف على حصيلة عمل امتد على أزيد من نصف قرن، وكذا فرصة للتفكير في الخطوات والتدابير الواجب القيام بها لمواكبة التطورات التي تشهدها البلاد.