كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية عشر بعد الظهر حين وقف وسط الساحة الفسيحة أمام القاعة رقم 8 بالمحكمة الابتدائية، القطب الجنحي، بالدارالبيضاء، مجموعة من الأشخاص.
نساء ورجال وأطفال وشيوخ، تظهر من ملامحهم أنه تربط في ما بينهم صلة قرابة، فقد كان من بينهم الأم والابن والأب والزوجة..، لتعرف من خلال الأحاديث الدائرة بينهم أنهم من عائلات ضحايا شركة "روزامور" أو ما أطلق عليها لقب "محرقة الدارالبيضاء".
كان هذا اليوم، تاريخ الجلسة الثانية للنظر في قضية محرقة شركة الأثاث بمنطقة ليساسفة التي أودت بحياة 55 عاملا وعاملة، احتراقا.
وقف أفراد العائلات أمام الباب الرئيسي لقاعة الجلسات في انتظار أن يسمح لهم بالدخول، وفضل البعض منهم الجلوس على الكراسي الإسمنتية الطويلة بجنبات القاعة، والدخول في أحاديث مطولة أو تصفح الجرائد التي تتطرق لموضوع المحرقة وتتبع تطوراته.
بعد عشر دقائق سمح لأفراد العائلات والناجين من المحرقة بالدخول إلى القاعة، التي امتلأت عن آخرها. رجال الأمن الرابضون داخل القاعة وخارجها، وضعوا الحواجز الأمنية لمنع كل متطفل من الدخول لأن القاعة لم تستوعب الكم الهائل من أفراد العائلات الذين ظل أغلبهم في الخارج ووراء الحواجز الأمنية، في حين خصص للمحامين كراسي إضافية خلف المكان المخصص لهيئة الدفاع، فقد فاق عدد المحامين، سواء هيئة الدفاع عن المتهمين أو من حضروا عن لجنة التضامن مع عائلات الضحايا، العشرين محاميا.
أما الصحافيون الذين حجوا لتغطية الحدث، سواء ممثلو المنابر الإعلامية الوطنية أو العربية أو القنوات الأجنبية والعربية، فقد خصص لهم جزء من المكان المخصص للمعتقلين خلف هيئة الدفاع، لأن القاعة عرفت اكتظاظا غير عادي، وكان الحضور أكثر من المتوقع، ويبدو أن هيئة الحكم التي تنظر في الملف، قررت أمام هذا الوضع أن تنظر في عدد قليل من الملفات المعروضة عليها ذلك اليوم، أما عدسات كاميرات المصورين الصحافيين فلم تهدأ، وكانت تصور كل شخص يلج إلى القاعة أو يخرج منها، المحامون وعائلات الضحايا وحتى رجال الأمن.
حين بلغت عقارب الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر، فتح رجل أمن الباب الذي يدخل منه المتهمون، فالتفت الجميع لمشاهدة المتهمين الثلاثة المتابعين في هذه القضية، رب العمل وابنه والعامل الذي يشتبه في أنه المتسبب في اندلاع الحريق،
دخل أحد المتهمين، كان يرتدي قميصا أبيض، رجل في الثلاثينيات من العمر، ضعيف البنية، كانت ملامحه هادئة، يرفع عينيه من حين إلى آخر إلى الحضور المكثف في قاعة الجلسات، وتبادل التحايا مع بعض الحاضرين، في حين تعالت الهمهمات والأصوات الخافتة المنددة، لقد كان هذا المتهم هو العامل الذي تسبب في الحريق، حسب محاضر الشرطة، وكانت إشارات الامتعاض والكره بادية على ملامح بعض أفراد العائلات، ومنهم من قال بصوت خافت "الله ياخد فيه الحق .. راه نيت تيشبه لكارو ماركيز".
فتح الشرطي الباب من جديد، ليدخل متهم طويل القامة ودو بنية قوية وكأنه محترف في إحدى الرياضات، اعتقد الجميع أنه ابن رب العمل المتهم في القضية، لكنه فقط كان أحد تجار المخدرات، الذي سينظر في قضيته قبل قضية الشركة.
وبعد خمس دقائق، دخل صاحب الشركة وابنه إلى قاعة الجلسات، كانا أنيقين جدا، يرتديان سترات سوداء اللون، يظهر من ملامحهما ومشيتهما ثقتهما العالية بالنفس، وما إن دخلا حتى تعالت أصوات أفراد عائلتهما، الذين حجوا بدورهم بكثافة إلى الجلسة.
جلس العامل، المتهم الثالث، رفقة تاجر المخدرات، فيما جلس خلفهما صاحب الشركة وابنه، وبعد دقائق دخلت هيئة الحكم، وانطلقت الجلسة، بالمناداة على المتهم بالاتجار في المخدرات، الذي أجل ملفه إلى تاريخ لاحق، ثم نادى رئيس الجلسة على المتهمين الثلاثة، الذين وقفوا جنبا إلى جنب أمام منصة الحكم، وبعد أن تأكد القاضي من هوياتهم، وسجل حضور دفاعهم، تقدم منه أحد المحامين ليخبره عن تنصيب عدد من المحامين من هيئات مختلفة أنفسهم للتضامن والدفاع عن الضحايا وعائلاتهم، وطلب منه القاضي أن تسلمه هيئة الدفاع أسماء المحامين أعضاء لجنة التضامن، في حين تقدم بعض المحامين بملتمسات التأخير للاطلاع على الملف.
بعد نصف ساعة، رفع القاضي جلسة المحاكمة معلنا تأجيلها للأسبوع المقبل، في حين تسابق أفراد عائلة صاحب الشركة وابنه للاطمئنان عليهما والحديث معهما، أما العامل فغادر وحيدا مطأطئا رأسه، وكانت بادية عليه علامات الحزن والأسف، وهو ينظر إلى عيون بعض أفراد عائلات الضحايا، الذين لم تجف دموعهم بعد وشرعوا في البكاء داخل القاعة، وانطلق مسلسل أخذ التصريحات من أفراد عائلة المتهمين وبعض عائلات الضحايا من طرف الصحافيين.