انتقل إلى رحمة الله، الوطني الغيور، الصحفي البارع، المحلل السياسي المحنك والشاعر المبدع، فقيد الدين والعلم والوطنية، الأستاذ أحمد بن سودة، الذي أفضى إلى ربه وروى مرقده الأخير بعد حياة حافلة، في السياسة والمقاومة والتصوف والثقافة، وبعد أن أدى واجبه كقائد ح
حيث تطالب به السلطات القضائية المغربية، التي كانت وراء إيقافه في سبتة المغربية المحتلة، إثر إصدار مذكرة اعتقال دولية في حقه، جرى تأكيدها من طرف الأنتيربول.
وأحمد بنسودة كما عرفته، ويعرفه العديد من أبناء جيلي، لا يتمتع فقط بشخصية الرجل الإشعاعي، الذي لعب دوره الوطني( السياسي) الإعلامي برضى وارتياح، على مدى عقود من الزمن، ذلك لأن صفاته وطباعه وخصائصه وتربيته الصوفية ومبادئه الإنسانية، تجعل من هذه الشخصية علما بارزا في تاريخنا الوطني، على الباحثين والمؤرخين تناولها بالكثير من التأني، مما لها من ارتباط بأحداث ورجال وتفاعلات هذه الفترة من تاريخنا السياسي والثقافي.
إن حياة الراحل تغمده الله برحمته الواسعة لها في اعتقادي جانبان تاريخيان. جانب سياسي (إعلامي) إبداعي. وهو المعروف عند العامة، وجانب إنساني صوفي / ذاتي، يتصل بموروث أسرته السودية، التي انغمست في العلم والفقه والبر والإحسان، لعقود طويلة من الزمن، كما يتصل بالأولياء والصالحين ورجال الله، ممن عاصرهم وعاشرهم وخدمهم في حياته الخاصة، البعيدة عن الصخب السياسي والإداري المعروف عند الخاصة، وهو ما جعل منه رائعة صوفية من روائع القراء المحدثين، أحد العلماء بكتاب الله وسنة رسوله، وأقدر السياسيين والأدباء المبدعين، على فهم القرآن العزيز والنفوذ إلى أغواره وأسراره خارج كل ادعاء وبعيدا عن كل افتراء.
إن حياة الأستاذ أحمد بنسودة، رحمة الله عليه، أو حياة جهاده في حزب الشورى والاستقلال، ثم بعد ذلك في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ونضاله من أجل بناء دولة الاستقلال إلى جانب جلالة محمد الخامس، ثم إلى جانب جلالة الحسن الثاني رحمهما الله، تكاد تكون معروفة لأبناء هذا الجيل من زملائه ومن الصحفيين والمفكرين والسياسيين من أبناء جيله، والأجيال اللاحقة به، ومن السهل الرجوع إليها في الصحف والأطروحات والكتب العديدة التي اعتنت بهذه الفترة من التاريخ الوطني، ولكن الجانب الإنساني الآخر، من حياة هذا الرجل سيظل في حاجة ماسة إلى البحث والاستقصاء. خاصة ما يتعلق منها بصفات قد تكون بعيدة عن ما يعرفه العامة من الناس عن سيرته السياسية، وحياته الإعلامية.
إن الرجل، وطيلة حياته، التزم بإيمانه القوي بالنظام الإلهي القادر على إنقاذ البشرية من الشرور، وبقناعاته بالقيم الدينية الحنيفة التي تضمن للبشرية سعادتها الكاملة في الدنيا والآخرة. وهو ما جعله في كل مراحل حياته، قبل مرضه وبعده، يجمع بين التفقه في شؤون الدين، وبين براعته وإبداعه في شؤون الدنيا، يخضع تفقهه في شؤون الدنيا والسياسة، إلى تلك القيم الصوفية العميقة التي تسكنه منذ ولادته وحتى رحيله.
إن الأستاذ أحمد بنسودة رحمه الله، ينتمي إلى أصل صوفي، فهو فرع سامق من أصل أصيل، والده سيدي يحيى رحمه الله، من المربين الكبار الذين لمعوا في بداية القرن الماضي، في مجالس الفقه والعلم والصوفية، فهو مؤسس أول مدرسة حرة بالعاصمة العلمية -فاس، رباه على العلم والمعرفة فأحسن تربيته، ووجهه نحو الوطنية والنضال والمقاومة فأحسن توجيهه. وقد ورث عن والده تعلقه بالعلماء والأولياء والصالحين وأهل الذكر،. وهي الخصال التي ميزت شخصيته وحياته، وجعلته ـ بلا شك ـ شخصية قوية، وهمة عالية، وأخلاقا رفيعة، صبورا، مؤمنا، لم يترك نوائب الحياة تسيطر عليه أو تعوقه عن متابعة مساره الإحساني والإنساني، حتى في الوقت الذي أقعده المرض، وهده العياء.
لقد كان الفقيد العزيز، في مقدمة طلائع المجاهدين الأبرار، المؤمنين الأخيار، أولئك الذين أدوا رسالتهم الدينية والوطنية، فكان انطلاقا من نشأته الأولى في بوتقة الدعوة الإصلاحية.
وما كان الراحل المنعم ـ وهو يجمع بين الثقافة والإعلام والدين والسياسة، ويحكم التوفيق بينهما، ليهمل الجانب الروحي -الصوفي، فانخرط في حلبته شاعرا ومتعبدا وزاهدا، وهي خصال قل نظيرها في هذا الزمن.
وليس غريبا على رجل ينتمي إلى هذه الأسرة، التي لم تعرف في تاريخها منذ قدومها من الأندلس، وحتى اليوم، سوى بدور مشعة مضيئة، من العلماء والخطباء والمقرئين والفقهاء والقضاة، والمحسنين، أن تتخذ حياته ذلك المسار المزدوج، القائم بين العلم والسياسة، بين الدين والأدب، بين الإحسان والصوفية.
من إنجازاته، ذلك الحصن الإحساني الذي أسسه رفقة شقيقه سيدي محمد بنسودة الوزير، في أفق ثمانينيات القرن الماضي، لنشر كتاب الله بين الأطفال الفقراء، وإنقاذهم وذويهم من الفقر والفاقة، ويتعلق الأمر بجمعية الزاوية الخضراء للتربية والثقافة، التي عرفت توسعا ملحوظا على المستوى الوطني، حتى أصبحت اليوم تحتضن حوالي خمسة آلاف من الأطفال الأيتام والفقراء والمهمشين في العديد من المدن المغربية ومن إنجازاته الإحسانية أيضا، تأسيسه لمكتبة ثقافية على مستوى علمي مهم، وفتحها بمدينة فاس في وجه الطلبة والأستاذة والعلماء وعموم القراء، واعتبارها وقفا علميا وثقافيا، بعدما زودها رحمه الله بأمهات المصنفات العلمية والدينية والثقافية، وأوقفها صدقة جارية من أجل طلبة العلم والمعرفة، في عاصمة المولى إدريس الأزهر.
ومن إنجازته أيضا، إصلاحه لعدد بيوت الله ومن أضرحة العلماء ورجال الدين وأولياء الله الصالحين من ماله الخاص بعدد من المدن والقرى، في صمت وسرية، بعيدا عن أي إعلان أو بهرجة أو لغو ليبقى العمل خالصا لوجه الله تعالى.
ومن إنجازاته كذلك، نشره لعدد مهم من الكتب والمراجع العلمية والدينية، وتوزيعها بأثمان رمزية، أو بالمجان، وخاصة منها كتب الفقهاء والعلماء والصالحين، من آل بنسودة، أو من الذين حالت ظروفهم دون نشر أثرهم العلمي أو الديني.
ومن إنجازته الأخرى، دعمه الذي استمر لسنوات طويلة لعدد من طلبة العلم الفقراء والمعوزين في جامعة القرويين، والجامعات الأخرى، بمنح سرية كان رحمه الله، يرفض أن يعلم بها حتى المقربين إليه، وذلك من أجل الدفع بالطبقة الفقيرة، لتتبوأ مكانها في المشهد العلمي والثقافي، رغما عن ما تعانيه من فقر وخصاص.
إن هذا الجانب الخفي، المشع بالتقوى والإحسان، وبالقيم الإسلامية النبيلة، وبروائع المواقف والصور، وثمين العظات والعبر لم يكن يشركه فيه من أهله ودويه، سوى شقيقه سيدي محمد بنسودة الوزير، الذي رافقه طيلة حياته في عافيته ومرضه، في انبعاته وذبوله، وخاصة في رحلته الإحسانية والصوفية، كمؤتمن على أسراره، وخاصة منها ما يتعلق بالجوانب الروحية والصوفية التي تشكل قاسما مشتركا بينهما، ولأجل ذلك، فإننا إذ ندعو اليوم، لأخينا وأستاذنا سيدي أحمد بنسودة بالرحمة والمغفرة، راجين له ما عند العلي القدير من جزاء أوفى مما أعطى وأبدل، ندعو الله لشقيقه سيدي محمد، بطول العمر والصحة والعافية وأن يكلأه الله بعنايته ويحفظه برعايته، حتى يحقق بالخير والإحسان، ما كان يصبو إليه شقيقه الراحل من أعمال خير وصدقات وأعمال إحسان.
إنه على كل شيء قدير.