وزير الفلاحة والصيد البحري في منتدى ماروك سوار 90 دقيقة للإقناع

عزيز أخنوش: نطمح إلى فلاحة تبادلية تضمن الأمن الغذائي

الثلاثاء 06 ماي 2008 - 21:31

قال عزيز أخنوش، وزير الفلاحة والصيد البحري، إن الهدف الأساسي، الذي نخطط له، في إطار "مخطط المغرب الأخضر"، هو أن تنتقل فلاحتنا لتصبح في أفق 2010، فلاحة تقوم على المبادلات والتسويق العصري.

وأوضح أخنوش، الذي حل ضيفا على منتدى "90 دقيقة للاقناع"، بمقر مجموعة ماروك سوار، يوم الثلاثاء المنصرم، أن المخطط، بقدر ما يركز على الفلاح الصغير، من خلال توجيهه وإرشاده ودعمه بالوسائل المادية والمعنوية، يهتم أيضا بمسألة الأمن الغذائي للبلاد، عبر تغطية الحبوب نسبة لا تقل عن 80 في المائة من الحاجيات من هذه المادة الأساسية.

وتوقع الوزير رفع معدل الاستهلاك الفردي من الحبوب، خاصة القمح اللين، في أفق 2020، إلى 270 كيلوغراما للمواطن، وهو اليوم في حدود 250 كيلوغراما، ومع الأخذ في الحسبان ارتفاع عدد السكان إلى نحو 36 مليون نسمة، يجب أن نخطط، لبلوغ نسبة من 60 في المائة إلى 80 من المائة من حاجيات البلاد للحبوب.

وتابع قائلا "في اعتقادي، حتى في حال بلوغ نسبة 100 في المائة، لن يكون ذلك أمرا مجديا إذا لم تنتقل فلاحتنا لتصبح تبادلية، ويمكن أن ننتج مزروعات أخرى بقيمة مضافة، وتساهم في الرفع من النمو الاقتصادي وتعود على الفلاحين والمزارعين بنتائج مالية أفضل".

وفي معرض حديثه عن الاهتمام المفروض أن يوجه إلى الفلاحين الصغار، قال الوزير إن الدولة تمول 60 في المائة من تكاليف السقي، بالنسبة إلى الفلاحين الذين يطمحون إلى فلاحة مسقية، مشيرا إلى أن هذا العمل يدخل في إطار برنامج يهدف إلى سقي 550 ألف هكتار.

وفي مجال انخراط الفلاحين الصغار في منظومة الإنتاج العصري، شدد أخنوش على أهمية انخراط البنوك في الاستثمار الفلاحي، والدفع بها لتنمية الفلاحة الوطنية، وقال "إننا عازمون على الرفع من مستوى الإنتاج بشأن كل المزروعات ذات القيمة المضافة".

نرحب بكم في البداية، ونود أن تعطونا تقييما لنتائج المعرض الدولي للفلاحة، الذي انعقد أخيرا في مكناس، ما هي الأهداف التي حققتها الدورة السادسة هذه؟

كما تعلمون زار المعرض أزيد من 700 ألف زائر، وهنا لابد من الإشارة إلى أن المنظمين قاموا بمجهود جبار، وبخصوص ما إذا كنا حققنا الأهداف المرجوة، أعتبر أن غاياتنا تجسدت في تشجيع الفلاحين على التواصل وربط علاقات تجارية، وكذلك دعم المزارعين من خلال ترسيخ دور أكبر للمديريات الجهوية التابعة لوزارة الفلاحة، وتمثل هذا الدور أيضا، في تعبئة الفلاحين وأرباب المشاتل، وتمكينهم من المشاركة في المعرض، والاطلاع على التقنيات الجديدة في عالم الفلاحة.

وكما تعلمون، فالقطاع الفلاحي في بلادنا في أمس الحاجة إلى مثل هذه التظاهرات، بهدف عصرنته وتطويره. إنه مجال يتوقف عليه الأمن الغذائي لـ 30 مليون مغربي.

تحدثتم عن الأمن الغذائي لـ 30 مليون مغربي، والأمر يتعلق بالاكتفاء الذاتي وبتحقيق الاستقلال والسيادة، أين نوجد اليوم، مقارنة مع ما يقال وما يسري على أرض الواقع؟

الأمر يتعلق بالفعل بموضوع الأمن الغذائي. إنه موضوع يرتبط بالمجال الفلاحي، وتعانيه مختلف بلدان العالم. والمغرب واع بهذا المشكل. إننا نعمل على هذا الملف منذ عشرات السنين، ولا يتعلق الأمر فقط بالوضع الاقتصادي، وإنما بالوضع الاجتماعي لفئات واسعة من سكان البوادي والقرى.

نعم هناك أمران أساسيان يستأثران اليوم باهتمام العالم، هما إفريقيا والفلاحة. ويوجد المغرب في عمق هذا الاهتمام. لكن أعتقد أن المغرب ما زال بلدا فلاحيا، ولدينا زراعة متنوعة مطلوبة على مستوى السوق العالمية. وبطبيعة الحال مازال يعاني جملة من المشاكل، لكن ذلك لا يمنع من القول إن فلاحتنا استطاعت رغم الظروف التي تمر بها، أن تحقق جزءا مهما من حاجيات السكان، لكننا من خلال الاستراتيجية الجديدة، نتطلع إلى تحقيق أمن غذائي بشكل قار ومتواصل، طبعا تعتبر فلاحتنا، فلاحة تبادلية.

ونركز من خلال الاستراتيجية الجديدة على ثلاثة أمور، وهي ماذا نحسن فعله، وماذا نجيد تصديره، وإذا كنا بحاجة للاستيراد، ماذا سنستورد؟ من أجل حماية الفلاحة الوطنية، ثمة إجراءات جمركية يتعين اتخاذها، لكن كما تعلمون أن هناك دولا تربطنا بها اتفاقيات تفرض إلغاء هذه الرسوم أو تخفيضها، ويبقى الحل بطبيعة الحال هو توجيه مجموعة من الفلاحين لتغيير النشاط الزراعي ولتعاطي لأنواع أخرى من الزراعات المطلوبة داخليا وخارجيا.

وبما أن فلاحتنا، كما قلت، تعتبر تبادلية، أعتقد أن المغرب سيخرج منتصرا، ولدينا القدرة لتحسين الإنتاج والرفع من منتوجات ذات قيمة مضافة، والتركيز على أنشطة زراعية أكثر رواجا واستهلاكا في الداخل والخارج.

عندما نفكر في الأمن الغذائي، يتبادر إلى ذهننا الحبوب. ونرى أنه من أجل رفع معدل الاستهلاك في أفق 2020 إلى 270 كيلوغراما للمواطن، وهو اليوم في حدود 250 كيلوغراما، ومع الأخذ في الحسبان ارتفاع عدد السكان إلى نحو 36 مليون نسمة، يجب أن نخطط لبلوغ نسبة من 60 في المائة إلى 80 من المائة من حاجيات البلاد للحبوب.

وفي اعتقادي، حتى في حال بلوغ نسبة 100 في المائة، لن يكون ذلك أمرا مجديا إذا لم تنتقل فلاحتنا لتصبح تبادلية، ويمكن أن ننتج مزروعات أخرى بقيمة مضافة، وتساهم في الرفع من النمو الاقتصادي وتعود على الفلاحين والمزارعين بنتائج مالية أفضل.


* تحدث زملاؤكم السابقون عن مخططات إصلاحية عدة، نذكر مخططات مزيان بلفقيه، والحبيب المالكي، وامحند العنصر، على سبيل المثال، وجميعهم وضعوا دراسات ومشاريع، ورسموا خرائط طريق للنهوض بالقطاع الفلاحي، لكن ما نلاحظه اليوم لا يرقي إلى النتائج التي تحدثوا عنها، ما هي الضمانات التي تجعلنا نؤمن اليوم أن استراتيجيتكم ذات قيمة؟


- ما يجب التركيز عليه هو أن الخطة الجديدة تتميز بكونها مختلفة عن الخطط والمقاربات السابقة. فخلال السنوات الأخيرة، جرى تغيير زاوية المعالجة، إذ لم نعد نربط التطور الفلاحي بالفلاحة فقط، بل هناك تحد آخر يواجهنا، هو الوضع الاجتماعي لفئات واسعة من سكان البوادي، وإذا كان لابد من الحرص على تحسين ظروف عيش الملايين من سكان القرى، فلا يمكن فعل ذلك إلا من خلال تطوير الفلاحة.

وهناك مجال آخر ركزنا عليه في الخطة، ويتمثل في استثمار وتوظيف واستغلال كل الدراسات والمجهودات المنجزة سابقا، سواء من قبل الوزراء السابقين، أو من طرف هيئات أخرى، خاصة منها البنك العالمي. إن هدفنا هو تطبيق استراتيجية براغماتية، موجهة إلى الميدان، وتأخذ في الاعتبار كل المعطيات والمشاكل والتحديات المطروحة.

* الاستراتيجيات السابقة لم تحقق النتائج المرسومة، سألنا وزير الفلاحة السابق، امحند العنصر، عما إذا كان هدف الوزارة هو تشجيع مخطط التشجير على حساب الحبوب، وقلنا له هل سيستمر المغرب في الاعتماد على استيراد القمح؟ وكان جوابه نعم. بالنسبة إليكم، هل مازال هذا المخطط قائما، وسنستورد الحبوب واللحوم والحليب ومواد غذائية أخرى؟


- أعتقد أن المستقبل للانفتاح، واسمحوا لي بتوضيح بعض المسائل، نحن لا نستورد اللحوم والحليب، لكن نستورد الحبوب. ومن المتوقع أن يصل محصولنا، خلال السنة الحالية، إلى نحو 50 مليون قنطار، في حين نستهلك من 80 إلى 85 مليون قنطار، نحن إذن في حاجة إلى ما بين 30 و35 مليون قنطار. إننا منخرطون في اقتصاد يعتمد على التبادل، وليس لدينا خيار آخر، إنها مسألة يعرفها الجميع، ولم تعد من الطابوهات. وإذا استطعنا أن نطور فلاحتنا، ونرفع من إيرادات منتوجات زراعية أخرى، سيكون الأمر جيدا، وستكون معادلة جيدة، لتغطية وارداتنا من الحبوب والمواد الأخرى.

وللجواب عن سؤالكم، أريد أن أؤكد أننا لسنا هنا من أجل استثناء أي قطاع على حساب قطاع آخر. نحن نحتاج إلى رفع مستوى الإنتاج في كل المواد، من حبوب وسكر وخضر وحوامض وفواكه ولحوم وألبان. لكن ما يجب أن نشير إليه هو أننا، في حالة الحبوب، نستغل مساحات كبيرة من أجل مردود ضعيف. لدينا مليون هكتار، تستغل كلها للحبوب، وسنرى كيف أن النتائج ستكون مغايرة في حال استثمارها في مزروعات أخرى، ذات قيمة مضافة.

أؤكد أن كل ما يهمنا في الاستراتيجية الجديدة، هو المبلغ الذي سيبقى في جيب الفلاح، إننا نطمح إلى ترشيده وتأهيله، فبدل أن يبقى محاصرا في إطار تقليدي، نسعى إلى فتح آفاق جديدة له أكثر اتساعا وأكثر مردودية، نمده بالماء وبالإمكانات التقنية، ونفتح له أسواقا في الداخل والخارج.

* هل نفهم من ذلك أن الاستراتيجية الجديدة ستغير واقع الفلاح المغربي؟


- مساعدة الفلاح تعد في صلب استراتيجيتنا، آخذين في الاعتبار أن المعدل الوطني للاستغلاليات الفلاحية لا يتجاوز هكتارين للواحدة، ما يعني أن 80 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة تستغل في الحبوب، والسؤال ماذا ينتج هذان الهكتاران بالنسبة للفلاحين؟ حوالي 40 ألف درهم في السنة، بمعدل يتراوح بين ألفي درهم إلى 4 آلاف درهم في الشهر، في أحسن الأحوال.

إذن كيف يمكن مساعدة هؤلاء الناس؟ عندما نأخذ مثلا فلاحا يستغل هكتارا في زراعة الطماطم، وهناك زراعات أخرى أكثر مردودية، فإنه يحصل على دخل سنوي يقدر بنحو 320 ألف درهم، انظروا الفرق.

لا أريد أن يقال عني إنني هنا من أجل تقليص مساحة زراعة الحبوب أو القضاء عليها. بل على العكس من ذلك، نريد أن ندعم زراعة الحبوب، ولكن نتطلع إلى ذلك بطرق أفضل، حتى نصل إلى تحقيق 80 في المائة من الاكتفاء الذاتي. إن الذين تعاطوا زراعة الحبوب فعلوا ذلك بشكل بديهي، لأنهم لم يجدوا الإمكانيات المادية ولا الوسائل التقنية ولا المعلومات التجارية، التي تجعلهم يهتمون بزراعات أخرى.

هدفنا هو تطوير العقلية الفلاحية والارتقاء بها إلى مستويات متقدمة ومواكبة للتطورات التي يشهدها العالم. فهل تعتقدون أن فلاحا يملك هكتارين في استطاعته أن يستأجر باخرة أو طائرة للتوريد أو التصدير؟ هناك اليوم من يفعل ذلك في بلدان عدة، إننا نسعى لخلق أفضل تموقع للفلاح المغربي في إطار تجمعات وشراكات وجمعيات، لدينا مجموعة التازي مثلا، إنها تشكل نموذجا للعمل الفلاحي المعاصر، لقد توصلت إلى استقطاب 20 ألف طن من المنتوجات الفلاحية من الفلاحين الصغار، معتمدة خطة عمل جد جيدة، إذ تمكنت من تأطير الفلاحيين وتوعيتهم وتوجيههم بحسب متطلبات السوق وشروطها.

هناك أيضا نموذج منتجي الحليب الذين تجمعوا في إطار هيئة تضم نحو 14 ألف مرب للأبقار الحلوب، وتمكنوا من رفع الإنتاج بسبب التأطير الجيد والتقنيات الجديدة التي يعتمدونها. هناك أيضا شركة كوزيمار، رغم الانتقادات التي وجهت إليها، أرى شخصيا أنها حققت نتائج مهمة، وتمكنت من تجميع نحو 80 ألف فلاح، تعاقدت معهم حول طرق العمل وكمية الإنتاج وتوقيتها وأجندة الأداء، وقدمت لهم قروضا وساعدتهم على تطوير قدراتهم الإنتاجية.

هناك كذلك حقول التوت في منطقة العرائش، وهناك مستثمرون إسبان استطاعوا أن يؤسسوا مشاريع غيرت الوضع الاقتصادي للمنطقة، واستقطبوا أيادي عاملة مهمة لقنوها تداريب وعلموها تقنيات زراعة التوت، وفتحوا أسواقا في إسبانيا وبريطانيا.

هذه النماذج اعتمدت على سياسة الري، وحققت نجاحا، لكن الري ليس وحده كافيا، بل لابد من التقنيات، والتقنيات تحتاج إلى التمويل والاستثمار. لدينا ملفات عدة في موضوع طلبات الاستثمار بلغ حجمها نحو 10 ملايير درهم سنويا.

إننا في حاجة لاستقطاب مزيد من الاستثمارات في القطاع الفلاحي، لدينا حتى الآن 300 مليون دولار، إذا تمكنا من الحصول على مليار و500 مليون دولار، خلال السنوات الثماني المقبلة، أعتقد أن ذلك سيحل العديد من المشاكل، وأظن أن ذلك ممكن، بفضل عدد من العوامل التي نعلق عليها الأمل مثل انخراط صندوق الحسن الثاني للتنمية، وضمان مزيد من الشفافية، وما دامت هناك أيضا رغبة في محاربة الفقر في عقر داره، أي من خلال الجذور، وهنا أقصد المناطق القروية التي تنفث البطالة وتنتج بفعل الهجرة أحزمة الفقر وأحياء الصفيح حول المدن.
هناك عناصر تؤهلنا لرفع هذا التحدي، ونأمل أن ننجح في ذلك.

* نلاحظ أن الفلاحة في المغرب تقليدية وأن 80 في المائة من الفلاحين فقراء، ماذا أعدت الوزارة لمساعدة هؤلاء الفلاحين الصغار، الذين لا يتوفرون لا على إمكانيات ولا على خبرات من أجل تطوير نشاطهم؟


- كما تعلمون، فالدولة المغربية تمول تقريبا 60 في المائة من تكاليف السقي بالنسبة إلى الفلاحين الذين يطمحون إلى فلاحة مسقية، وهذا عمل يدخل في إطار برنامج هادف إلى سقي 550 ألف هكتار. في السابق كان يتعين على الفلاح أن ينتظر من سنة إلى سنتين، كي يحصل على هذا الدعم، الآن لا يتعدى الأمر شهرا واحدا.

هناك أيضا مشروع إدماج هذا الفلاح، الذي يتعاطى الفلاحة السقوية، في مجالات أخرى مثل الحصول على قروض لتطوير زراعته. ولابد من انخراط البنوك في مجال الاستثمار الفلاحي، والدفع بها في تنمية الفلاحة الوطنية، لأننا عازمون على الرفع من مستوى الإنتاج بشأن كل المزروعات ذات القيمة المضافة. وأؤكد أن معظم المستثمرين الفلاحيين تحذوهم رغبة في الاستثمار الزراعي. لقد لمست هذه الرغبة فيهم، لكن تنقصهم الإمكانيات. ولا مناص من تحفيز القطاع الخاص على الانخراط في الاستثمار الفلاحي. وفي هذا الصدد قررت الدولة من جهتها أن تقوم بالخطوة الأولى.

لكن لا ينبغي فقط أن نرى تطوير قدرات الفلاحين الصغار من زاوية الدعم فقط، صحيح هناك أهمية كبرى للدعم المادي، ففي الاتحاد الأوروبي يصل الدعم إلى 30 في المائة، وفي مصر إلى 18 في المائة، بينما في المغرب 5 في المائة، لكن الفلاح لا يحتاج فقط إلى الدعم المادي، وإذا توصلنا إلى الاقتناع بأن فلاحينا يحتاجون إلى أمور أخرى، سنكون قد قطعنا نصف المسافة على طريق تطوير فلاحتنا.

* لكن كيف تنظرون إلى الشق الفلاحي في ما يخص العلاقات مع الاتحاد الأوروبي؟


ـ في هذه الواجهة يتعين أن نسجل نقطة بالغة الأهمية، ويتعلق الأمر بالمفاوضات الجارية مع الاتحاد الأوروبي. فالمفاوضات الجارية لا تمس الاتجاه المرسوم المتعلق بالسياسة الأوروبية العامة تجاه المغرب، بما فيها سياسة حسن الجوار والوضع المتقدم الذي يطمح إليه المغرب، إلخ. لكن في ما يخص المفاوضات شعرنا بنوع من خيبة الأمل، إذ أن القطاع الفلاحي يحتل مكانة مركزية في الاقتصاد المغربي، ويمكنه أن يشكل مجالا رفيع المستوى في التصدير، مثل ما هو عليه الحال بالنسبة إلى الخضر، كالطماطم، والفواكه، والفواكه الصغيرة. وهذه اللائحة يضعها الاتحاد الأوروبي ضمن اللوائح السوداء، أي أنه يضع شروطا أو حصصا عند استيرادها من المغرب.

إنه أمر غير مقبول، لاسيما أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يساعد المغرب ويشجع القطاعات التي توفر قيما مضافة، كما هو الشأن بالنسبة إلى المنتوجات المذكورة. إنه يتعين عليه أن يضع شروطا محفزة على الإنتاج والتصدير. وحتى على المستوى السياسي الأخلاقي ليس مقبولا أن يعاملنا الاتحاد الأوروبي بمثل هذه النظرة الضيقة، لذلك يجب أن نتجه معا إلى تغيير هذه النظرة في المستقبل، وأن نضع شروطا أكثر ملاءمة وأكثر تحفيزا. وهذا يعني أن المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي يجب أن تكون في صلب استراتيجية المغرب ولفائدة مصالحه.

* لماذا لا يبادر المغرب إلى تغيير علاقته وارتباطاته مع الاتحاد الأوروبي؟ أليس من مصلحته أن يتجه مثلا إلى روسيا أو الولايات المتحدة أو غيرهما؟


ـ أريد أن أشير إلى مسألة يمكن أن تندهشوا تجاهها، هي أن الحصص المفروضة على المنتوجات المغربية المصدرة إلى الأسواق الأوروبية، لا تتعدى نسبة 60 في المائة، إذن لدينا هامش واسع للعمل. لكن في المنتوجات المصنعة يصل الهامش إلى 80 في المائة. لكن هذا لا يكفي.

صحيح أن الناس قد لا يفهمون هذا الواقع، وصحيح أيضا أن الفلاحين المغاربة صرفوا اهتماماتهم إلى أسواق أخرى مثل السوق الروسية أو الكندية، وهم الآن بصدد البحث عن أسواق أكثر أهمية، وتتماشى وسياق العولمة، إلا أن السوق الأوروبية تشكل بالنسبة إلينا سوقا تقليدية وتوفر لنا إمكانيات مادية ولوجيستية هائلة. كما أن القرب الجغرافي يعتبر عاملا حاسما في تفضيل السوق الأوروبية، التي لا تبعد سوى بسبع ساعات في الشاحنة عن أكادير، وأقل من ذلك بالنسبة إلى نقل منتوجات التوت المصدرة من منطقة اللوكوس إلى إسبانيا. ولا يفهم كيف أن الأوروبيين يغضون الطرف عن تشجيع قطاع يهمنا كمنتجين، ويهمهم كمستودرين لمنتوجات أقل كلفة من منتوجات غيرنا.

* تحدثتم عن الحبوب، في وقت يصبح العالم أجمع تحت تأثيرات العولمة، هل تعتقدون فعلا أن فلاحتنا يمكنها أن تضمن لنا استقرارا أمنيا غذائيا؟ وهل تفكرون يوما ما في توسيع السياسة الفلاحية نحو بلدان المغرب العربي، مع العلم أن الجزائر قد تستورد كل حاجياتها من المنتوجات من المغرب؟


ـ لا أحد يستطيع أن يجادل في أن توسيع الأسواق يعد عاملا مشجعا للاقتصاديات. لكن يجب ألا نغفل دائما مصالحنا وأهدافنا الاستراتيجية. إن الانغلاق وانعدام الرؤية الواضحة، لا يفيد في شيء. ولنضرب مثالا باللحوم، لنؤكد أن سعر الكيلوغرام الواحد من اللحم المحلي يساوي 2.5 مرة الثمن الذي يشترى به الكيلوغرام عند الاستيراد. وهذا يعني أنه يتعين تنظيم القطاع، الذي بدأ فعلا في مسلسل التنظيم، مع المبادرات المتخذة على مستوى البحي والمجازر، إلخ.

وأعود إلى العولمة لأقول إنها أمر لا مناص منه، ويتعين الانخراط فيها بشكل كامل، غير أنه يجب ألا نعرض المصالح الوطنية والرهانات القطاعية الكبرى للأخطار، التي يمكن أن تكون وخيمة العواقب. وفي هذا الصدد أرى أنه يجب مراعاة وضعية كل قطاع على حدة، وفي الوقت ذاته ينبغي ألا نكون منغلقين بشكل كامل.

* نرى أن الأزمة والأسعار والاحتجاجات تجاه السياسات الحكومية في المجال الفلاحي، تكبر في كل أنحاء العالم. وإذا عدنا إلى وضعية أسعار اللحوم على الصعيدين المحلي والعالمي، أليس الأمر ما كان يقوله الأميركيون في إطار الحديث عن ضرورة استبدال أنشطة فلاحية بأخرى في المغرب؟


ـ حينما نتحدث عن الأزمة الراهنة، يجب ألا نغفل أن أحد العوامل الأساسية القائمة وراءها، يتمثل في كثرة المضاربات على المستوى العالمي. وربما لاحظتم أن أسعار الحبوب، لاسيما أسعار القمح الطري، ارتفعت بشكل كبير، مقارنة مع ما كان عليه الحال قبل شهر. لقد وصل السعر حاليا إلى حوالي 240 درهما أو 250 درهما للقنطار. وهذا راجع إلى المضاربات، كما قلت.

وإجمالا هناك أسس عدة يتعين أخذها في الاعتبار، وتتعلق النقطة الأولى بضرورة ضمان حد أدنى من الأمن الغذائي، وفي هذا الصدد نراهن على رفع نسبة تغطية حاجيات البلاد من الحبوب إلى 80 في المائة، سنة 2010، ومضاعفة إنتاج الحليب. وكما قلت إذا ركزنا على فلاحة المبادلات، فإن ذلك لا يعني أننا سنبقى منغلقين على استراتيجيتنا دون أن نقوم بما تمليه الضروريات، مثل الحاجة إلى استيراد الأرز. لكن ما يجب التأكيد عليه هو أهمية توفرنا على تصورات وآفاق أكثر شفافية، إن على مستوى الإنتاج أو الحاجيات من المستوردات أو حقوق الجمارك. كما أن عدم النجاح في مسلسل التأهيل الفلاحي، يؤدي حتما إلى إرهاق المستهلك.

* ألا تلاحظون أن أحد المشاكل التي أصبحت الفلاحة المغربية تعانيها هو نقص الموارد المائية، السطحية والجوفية، خصوصا في سوس. أليس من المفيد طرح سياسة مائية جريئة تستجيب لمتطلبات فلاحة عصرية؟


ـ المنطقة التي أشرتم إليها تعتبر منطقة فلاحية بامتياز. ومع المشاكل التي يعانيها الفلاحون جراء نقص المياه، والاستغلال المفرط وغير العقلاني لها، ما يزال النشاط محافظا على نموه وتقدمه، كما تشهد على ذلك وتيرة الإنتاج والصادرات.

ومن أجل مواجهة مشكل الماء هذا، بادرنا كثيرا إلى طرح مجموعة من الإجراءات، الكفيلة بالوصول إلى نتائج إيجابية في هذا الإطار، ومن ذلك أكدنا ضرورة رفع قيمة الماء المستعمل للأغراض الفلاحية، من أجل التحفيز على الاقتصاد في الماء، واستعمال تقنيات السقي الجديدة، خصوصا تقنية التنقيط. ومع ذلك يجب أن تتضافر الجهود جميعها، بهدف مواجهة مشكل الفرشة المائية، باعتبارها تهم كل المناطق، العليا والسفلى على السواء. ومن أجل ذلك قررنا عدم فتح مناطق فلاحية إضافية مستقبلا، حتى تسوى المشكلة.

* ننتقل إلى النقطة المتعلقة بالتنظيم الهيكلي للوزارة، ماذا يمكن أن تقولوا في هذا الإطار؟ ما هو التوجه الجديد؟ وما هي الوسائل؟


ـ أستطيع أن أقول إن الوزارة أصبحت تنظر إلى القطاع بنظرة مغايرة. وكما قلت سابقا تدعو الحاجة إلى إحداث وكالة جديدة للتنمية الفلاحية. ونحن الآن بصدد البحث عن كل الإمكانيات والوسائل والتصورات. وثانيا أعتقد أن السلطات أي الدولة يتعين عليها العودة إلى دورها الكلاسيكي المتمثل في التنظيم والتوجيه. وفي الوقت نفسه نسعى إلى إشراك القطاع الخاص في كل مبادرة تهم القطاع، مثلما هو الحال بالنسبة إلى الأطباء البيطريين، أو أي مبادرة تغني الإنتاجية والتسويق والمبادلات، إلخ.

* كيف تشعرون من موقعكم كمسؤول على رأس مجموعة اقتصادية، وأنتم تديرون مهمة وزير في الحكومة الحالية؟ وبمعنى آخر، هل لتجربتكم في المجال الفلاحي تأثير إيجابي على السياسة الفلاحية، كما رسمتموها؟


ـ لم أكن في يوم من الأيام فلاحا أو ممارسا لأنشطة لها علاقة بالفلاحة. ومع ذلك، أستطيع أن أقول إنني فخور جدا بالمهمة، التي أسندت إلي. وبالنسبة للمجموعة التي أرأسها فهي ضخمة وتدبر خططها وحساباتها بشكل جيد.

* تحدثتم قبل قليل عن إشكالية الماء، التي تعقدت كثيرا بسبب الظروف المناخية الصعبة التي يعانيها المغرب، كما أن صادرات بعض منتوجاتنا مثل الطماطم، في حاجة إلى إعادة نظر لأنها تتطلب كمية كبيرة من الماء، في وقت نحن في حاجة ماسة إليه.


ـ أعتقد أن إشكالية الماء مطروحة على الصعيد العالمي. وإذا أخذنا في الاعتبار ضرورة تقليص حاجة منتوجاتنا إلى الماء، فإنه، والحالة هذه، سنصبح غير منتجين.

* أنتم على رأس قطاعين استراتيجيين، وترأسون مجلس جهة سوس ـ ماسة ـ درعة، ولديكم طموحات سياسية، كيف يمكن التوفيق بين هذه المراكز؟


ـ كما قلت سابقا، المهام التي أمارسها على رأس الوزارة، أو على رأس المجلس الجهوي، ليست مهاما مخولة إلي هكذا، إنما هي مسؤوليات، أعتز بالقيام بها. وأعتز في الوقت ذاته، بكوني أتوفر على فريقي عمل يعملان إلى جانبي، في الوزارة وفي المجلس الجهوي. وأود أن أشير إلى أن المسؤوليتين ليستا متعارضتين.

* من المشاكل التي تعانيها الاستغلاليات الفلاحية في المغرب كثرة الورثة، وما يترتب عن ذلك من تجزيء للأراضي، هل لديكم مشروع في الأفق لتسوية المشكلة؟


ـ أجل يوجد مشروع من المنتظر أن ينظر إلى كيفية تسوية مشكل تجزيء الأراضي تحت مطلب الإرث.

واسمحوا لي، أريد أن أعبر لكم، أولا، عن المستوى الرفيع لهذه المنتديات والحوارات، التي تجرونها مع الفاعلين في المجال الاقتصادي. وثانيا أود، مرة أخرى، أن أبرز أن أهمية الاستراتيجية الفلاحية، التي نحن منكبون عليها، تكمن في الأهمية التي يعطيها إياها جلالة الملك، الذي تفضل بتسميتها تحت عنوان "مخطط المغرب الأخضر"، مع العلم أن الفلاحة في المغرب لا تهم فقط نصف السكان، القاطنين في البوادي، وبالتالي يجب ألا يظل النصف الآخر في موقع سلبي.

أسئلة المواطنين عبر الأنترنت


ـ كيف تقيمون عملية تفويت أراض تابعة لصوديا وصوجيتا؟ لقد أثارت عملية تفويت حصلت في برشيد تساؤلات عدة، هل أخذتم في الاعتبار الخصوصيات العمرانية التي تتميز بها المنطقة؟

ـ أعتقد أنها ستكون حربا كبرى في المستقبل، على اعتبار أن أحد أكبر الإكراهات التي ستعانيها الأراضي الفلاحية، يكمن في التوسع الحضري وامتداده إلى المجال الفلاحي. فهناك الرغبة في توسيع الأراضي الفلاحية بنحو 70 ألف هكتار في السنة، وهناك في المقابل الرغبة في حصول المدن والتجمعات الحضرية على أراضي للبناء والتعمير. لكن لا بد من إيجاد توازن يستجيب للراغبين معا. وهذا يتأتى في تدعيم سياسة التنمية المستدامة. وسأظل من جانبي مدافعا عن صيانة الأراضي الفلاحية، ما دمت على رأس الوزارة.

ـ كيف تنظرون إلى موقعكم كأحد المؤسسين لـ "جمعية كل الديموقراطيين"؟

ـ دور "جمعية كل الديموقراطيين" هو دور سياسي بطبيعة الحال. والجمعية إطار للحوار وتبادل الآراء، كما هو الشأن بالنسبة إلى كل التنظيمات السياسية. وبالنسبة إلي كوزير للفلاحة والصيد البحري، أنتمي إلى الحكومة الحالية من موقعي في التجمع الوطني للأحرار. وأعتقد أن الجمعية ستضطلع بدور كبير في الانتخابات المقبلة، المرتقبة في صيف 2009، ومن أجل ذلك يمكنها أن تتحول إلى حزب سياسي، للمساهمة في إغناء المشهد السياسي الوطني، بمسؤولية وحرص على عدم السقوط في أي خطأ.




تابعونا على فيسبوك