ملك ووطن وأمل ومستقبل

زمن أنفكو

الإثنين 05 ماي 2008 - 09:35

شهدت منطقة أنفكو، بين منتصف دجنبر 2006 وبداية يناير 2007، كارثة إنسانية، غرقت في مأساتها جماعة أنمزي- تونفيت بإقليم خنيفرة، التي فقدت نحو ثلاثين طفلا، قضوا بأمراض مزمنة تسببت فيها موجة البرد القارس.

لم تكن المأساة بفعل الطبيعة، وإن كانت عاملا مباشرا فيها، فالسكان اعتادوا على قسوة الطبيعة، وتعايشوا معها، ولم تعد قادرة على أن "تأخذ منهم لا حق ولا باطل"، كما يقال، ولكن المأساة حدثت أساسا بفعل انعدام بنية تحتية صحية ملائمة، فليس هناك ماء ولا كهرباء، ولا طرق، ولا وسائل الاتصال، ولا أسباب العلاج. ليس هناك سوى البؤس والفقر والجوع والجهل والمرض والحاجة والإحباط.

وحين تغرق المنطقة في التساقط الكثيف للثلوج، وينخفض مستوى الحرارة إلى 16 درجة تحت الصفر، وتنقطع الطرق والمسالك، يصبح السكان معزولين عن العالم الخارجي، ويبيتون وجها لوجه أمام رائحة الموت، عزلا من كل وسائل المقاومة الطبيعية والبشرية والتكنولوجية.

أنفكو لا يمكن أن تكون من زمن آخر، وأن تبقى بلا محل من إعراب الوطن، فيما هي، ككل موقع ومدشر ومدينة وقرية ودوار، في القلب والعين. أنفكو، اليوم، تستعيد إحساسها بالانتماء إلى الوطن، وتعرف المعنى العميق للنشيد الوطني، وتستعيد الثقة في الذات، وتمارس حقها في أن تتنفس الحب والأمل في الحاضر والمستقبل، وتنام الليل هانئة مطمئنة، وهي تعرف أن عينين باتتا ساهرتين على راحتها، في تينك الليلتين، ليلتي الجمعة والسبت، اللتين ليستا ككل الليالي، ففي حضن أنفكو، يقضي الليل نفسه مواطن مغربي برتبة ملك، يمنح القرية حقها الطبيعي في الحلم بغدها الجميل. ملك غير معني بتوزيع أحلام الأوهام، بقدر ما هو منشغل بواقع الحال، وبالمآل والاستقبال، الذي لا يبنى بخطب وكلام، وإنما بتدابير وإجراءات عملية، ومخططات تنموية في عين المكان.
انشغال صاحب الجلالة بأوضاع المنطقة ليس وليد اليوم، طبعا، وإنما هو تتويج لمبادرات سامية انطلقت منذ بروز المأساة، من خلال توجيهات ملكية إلى الحكومة لاتخاذ ما يلزم من تدابير لفك العزلة عن العالم القروي والمناطق النائية، عبر خلق المرافق الضرورية، وإحقاق سبل العيش الكريم للمواطن المغربي في جل المناطق. وأثمر ذلك التحرك، في أعقاب المأساة، وضع مخطط لمواجهة أخطار موجة البرد والانخفاض الحاد في درجات الحرارة على سكان المناطق الجبلية النائية، والتي تخلفها عادة التساقطات الثلجية، خلال فصل الشتاء، وخاصة بالمناطق الأطلسية الجبلية ذات الطبيعة الوعرة، التي تعرف تجمعات سكانية منعزلة.

ولم تكد تمر نصف سنة، حتى توجهت بعثة سامية، بأمر من جلالة الملك، في غشت المنصرم، إلى دوار أنفكو، لتفقد أحوال السكان، والاطلاع على مشاريع التنمية وفك العزلة، التي لا تهم هذه البلدة فقط، بل مجموع الدواوير والجماعات التابعة لقيادة تونفيت.

وتمكنت البعثة، التي جاءت في أعقاب العمل، الذي قامت به لجنة مركزية تضم ممثلي عدة قطاعات وزارية، من تحديد العديد من الأولويات، منها فك العزلة، وشق الطرق، وفتح المسالك، وتحسين الخدمات، في مجال الصحة والتربية والتمدرس، وتغطية الدواوير بشكبة الهاتف المحمول، وتقريب الإدارة من المواطنين، والحماية من الفيضانات، والتزويد بالماء الصالح للشرب، والتطهير السائل، واستصلاح السواقي وقنوات الري، وتعزيز الأنشطة المدرة للدخل، وبناء المرافق الجماعية، والمراكز الاجتماعية.

وتعزيزا لهذا المنحى، أعطى جلالة الملك، منتصف أبريل المنصرم، تعليماته لوضع برنامج شامل ومندمج لتنمية إقليم خنيفرة، يهدف إلى دعم البنيات التحتية، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للسكان، تجسيدا لسياسة القرب الهادفة إلى جعل الإدارة الترابية أداة فاعلة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية بهذا الإقليم، وكل الجماعات المحلية التابعة له. وأعطى جلالته تعليماته الرامية إلى تدعيم الشبكة الطرقية بهذه المناطق، من أجل فك العزلة عنها، وتقوية التجهيزات الاجتماعية بها.

وتنفيذا للتعليمات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، سيشهد سكان إقليم خنيفرة، في غضون الشهور القليلة المقبلة، ميلاد العديد من المشاريع التنموية المهمة، التي تشرف عليها السلطات العمومية، إلى جانب العديد من المؤسسات، من بينها مؤسسة محمد الخامس للتضامن، أو في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، فيما ستكلف غلافا ماليا يقدر بمليار ونصف مليار درهم.

وطوال مقام جلالة الملك بإقليم خنيفرة منذ عدة أسابيع، ومقامه بأنفكو منذ ثلاثة أيام، كان جلالته يعطي الانطلاقة للعديد من المشاريع، خلال زياراته لمختلف مدن وقرى الإقليم، سعيا إلى تحسين ظروف عيش السكان، من خلال ولوج جيد للخدمات الاجتماعية الأساسية، وتدعيم الخدمات العمومية، ودعم كفاءات وقدرات الجمعيات المحلية، إضافة إلى تشجيع الأنشطة المدرة للدخل. فسعادة السكان، بالنسبة لصاحب الجلالة، تبقى هي الهدف الأول والأخير، من الزيارة الملكية لأنفكو، التي شكلت التجسيد الحي والملموس لسياسة القرب.




تابعونا على فيسبوك