لم تكن الشعارات واللافتات وحدها ما حمل طعم الانتقاد اللاذع للحكومة، بل حتى كلمة نوبير الأموي، الكاتب العام للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، تخللتها جمل وعبارات تصب في مجملها في خانة أن هذا الفريق عاجز عن تقديم أي شيء للنقابات والحوار معه لن يفضي إلى أي نتي
وحولت هذه المركزية النقابية، التي شغلت الرأي العام الوطني بعد انسحاب مستشاريها من الغرفة الثانية والإعلان عن اعتزامها خوض إضراب وطني عام، المنصة التي نصبتها بساحة درب عمر بالدارالبيضاء، إلى محطة لإطلاق صواريخها اتجاه الحكومة والوزراء، الحاليين منهم وحتى السابقين، قبل أن تبدأ في سرد تفاصيل الحوار الاجتماعي بعد أن خصص الكاتب العام جزءا مهما من كلمته لفاجعة معمل "روزامور" بالمنطقة الصناعية ليساسفة في المدينة ذاتها.
فبعد ترديد شعرات من قبيل "باركة من النفاق راه الشعب فاق وعاق" و"عليك لامان عليك لامان لا حكومة لا برلمان" و"علاش جينا علاش جينا الما والضو غالي علينا" و"هذا عيب هذا عار الزيادة في الأسعار" و"هوما فين هوما فين حرقوهم مجموعين" و"فين العمال المحروقين حرقوهم مجموعين"، استنكر نوبير الأموي الطوق الذي فرضته قوات التدخل السريع، والحيلولة دون الاقتراب للتسجيل الحي للمأساة صورة وصوتا، وأخذ شهادات بعض الأحياء أو جيرانهم، مؤكدا في الوقت نفسه أن النقابة ستتابع عون الأمن الذي قال إنه شتم ناشطا في الكونفدرالية أمام مرأى ومسمع وزير الداخلية، شكيب بنموسى.
ووصف ما وقع في ليساسفة بـ "الجريمة الشنعاء" التي كشفت هول ومأساة معاناة العامل المغربي، الذي يعمل بأجور متدنية لا تسد رمقا من جوع، ولا تعوض فقدان شباب في عمر الزهور، ورجال ونساء في فضاء أشد قسوة من الأشغال الشاقة في السجون الرهيبة عبر العالم أجمع.
وبعد التطرق إلى هذه المأساة، فتح الأموي أبواب الحوار الاجتماعي، الذي اعتبر أنه عاد ليطرح مقترحات "عام نوضو تركدوا"، قبل أن يضيف قائلا "الوزير الأول ضارباه السخانة. ونحن نقول الوزير الأول تجاوزا، فنحن نعجب في زمن العجائب والغرائب، كيف يأتي وزير أول وآخر في مثل حكومة بلادنا يحمل الأسى والأسف، وتعهدات قبل وبعد التنصيب، كلها وعود وعهود أصبحت في أسابيع أحلاما متبخرة".
ودعا الجميع إلى التعبئة والاستعداد إلى "المعركة"، مشيرا إلى أن المجلس الوطني سيعقد اجتماعا، غدا السبت، في الدارالبيضاء، لتحديد استراتيجية التحرك الكونفدرالي، وزاد معلقا "النضال حتى هو راه كيطول في العمر وكينعش".
وأبرز الأموي أن مسلسل الكفاحات البطولية التي خاضتها المركزية كان له الدور في فتح آلية التفاوض الثنائي والجماعي، وتخفيف معاناة الشغيلة بالبداية في تحسين أوضاعها المادية والمعنوية، ومراجعة القوانين، كل القوانين الاجتماعية وعلى رأسها قانون الشغل الذي تجسد في مدونة، يحق للمغاربة والمغرب أن يفاخروا بها، وذلك في عهد الوزير الأول السابق إدريس جطو "الذي أنسانا تجارب من سبقوه على اختلاف ألوانهم وتعهداتهم".
وأضاف الأموي "وافقنا، وكان أخشى ما نخشاه أن نعود إلى عهود الحزبيات الضيقة، والعلاقات الزبونية كما ساد لعقود، لكن وقع أسوأ ما كنا نخشاه، وها نحن اليوم أمام لغة متخشبة، ومناورات بليدة، وخيارات أحلاها مر".
إما العودة إلى سياسة عهود خلت، يشرح الكاتب العام، "قد تكون بينها العصا والقمع، وإما قبول الوضع المأساوي في العيش وعلاقات العمل"، مشيرا إلى أنه "يبدو أن هناك أكثر من حكومة تشتغل باستراتيجية إعادة هيكلة الوضع الوطني بأكمله في كل مجالاته، ونحس بالأسى والغبن لأن البعض يسبح ضد التيار، وفي بحار دون ضفاف".
وقال الكاتب العام إنه "ليس هناك عجز في التدبير، لقد قدمنا العديد من الاقتراحات العملية. وفضحنا ماهو في حكم المستور، على عامة المواطنين لإحاطتهم. ووجدنا أن العديد من مخاطبينا يعرفون أكثر. فالسيولة المالية بالبنوك لم تشهد مستوى مثلما تشهده اليوم، وتهريب الأموال بالعملات الصعبة من المغرب إلى الخارج، أثار انتباه وفضول العديد من البنوك العالمية، وما يزال التساؤل مطروحا"، وزاد موضحا "حركة الأموال نحو الخارج جعلتنا نتساءل عن السبب، هل هناك زلزال سيضرب المغرب أم شيء آخر، وإذا كانت هذه الأموال أموال المغاربة فيجب أن تظل في المغرب".
وذكر الأموي "لقد أخذنا في الاعتبار ارتفاع فاتورة النفط والجفاف، الذي أصاب البلاد لموسمين وأسعار الحبوب في السوق الدولية ورهان الأوراش الوطنية للتنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية، لكن هناك جفاف روحي ما عهدنا مثله في أمة الأطلس، وهناك تفكك اجتماعي خطير، ما عرفه المغاربة على امتداد تاريخهم الطويل، مثلما هي الظاهرة الاجتماعية اليوم، رغم اللغة الماكرة ودموع التماسيح لسنا سواسية أمام القانون، وأمام استحقاقات الوطن، فالفساد يضرب ويهدد بالزوال"، مضيفا أن "الكثيرين هم في الفرجة يقتلون أوقاتهم الضائعة بالمتعة الزائفة أو بحزم الحقائب والبحث عن جنسيات لن تعوضهم أبدا فضاء الوطن وأرضه التي شبوا فيها".
وأوضح الكاتب العام أن الحكومة تعاني ضبابية في الرؤية "غير كتعمش مسكينة"، مبرزا أنها "تتهرب من مواجهة حقائق العصر، وواقع الوطن المعيش، والتخبط في العديد من التناقضات، التي يبدو أن لا حل لها حتى ولو خلصت النوايا وتوفرت بعض الإرادات الوطنية".