يستدعي القرار حول الصحراء المغربية، الذي صادق عليه مجلس الأمن الدولي، مجموعة من الملاحظات، وأساسا ملاحظة جوهرية، تتمثل في أنها المرة الأولى التي تعبر فيها الأمم المتحدة من هذا المستوى، وبعبارات مدوية ومعقولة، عن واقع حياة سكان تندوف، رابطة تحسن هذا الواقع
ومن خلال هذا القرار الذي جرت مناقشته وعرضه على التصويت في ضوء تقرير الأمين العام الأممي، وجلسة الاستماع إلى مبعوثه الشخصي، الذي استحضر بوضوح الحياة داخل المخيمات، كشف مجلس الأمن الغطاء عن ألوان من المعاناة الشديدة المشوبة بألوان من التعذيب والتنكيل، التي يعيشها سكان هذه المخيمات، محددا الأسماء بمسمياتها دون مداراة.
وعلى هذا النحو، فإن المجتمع الدولي برمته هو من يدين اليوم الظروف الكارثية للحياة بمخيمات تندوف، مبرزا الدعوات التي تتعالى في كل جهات العالم منذ أمد بعيد، مدينة هذه المخيمات، حيث يتجاور جنبا إلى جنب، وبطريقة مترابطة الفقر المدقع والمجاعة والمرض والأمية والقمع وسياسة الصمت المتواطئة، وكل ما يرافقها مما لا يمت إلى الإنسانية بصلة.
وبالفعل، فإن قضية الصحراء بالنسبة لمسؤولي البوليساريو، لم تكن يوما إلا أصلا تجاريا، ومصدرا لتدفق العملات والبضائع، مما هو ثمرة للمساعدة الدولية التي يجري استجداؤها من يد إلى أخرى، باسم سكان ليس لهم من أمنية غير الفرار من جحيم تندوف، وما يعتبره البعض سجنا، ويراه البعض الآخر عتبة انتظار باتجاه الموت.
وهل يتطلب الأمر التذكير بأن غالبية هؤلاء المسؤولين أثروا في ظروف زمنية قياسية يمكن إلحاقها بما يجري تحقيقه من أرقام في الألعاب الأولمبية.
وعندما ندرك أنهم حققوا ذلك على أرض جرداء، في معظمها غير مضيافة، بل ومتمردة وعصية على كل إمكانية للقيام بنشاط اقتصادي ما، ندرك ونعاين بالملموس حجم عظم الغش والخداع، وعمق ثقافة الربح السريع، والاغتناء دون أسباب معقولة، غير التهريب بكل أشكاله، والتلاعبات والصفقات التي تجري تحت الطاولة والفواتير المضخمة.
فرائحة وطعم هذا الربح الفاسد، تغشي مخيمات تندوف، حيث تسود فوضى حقيقية، تختزل المعنى العميق لمقولة شهيرة، مفادها أنه عندما تنعدم الأخلاق تكون السيادة المطلقة للمال الفاسد.
ويبقى الواقع الصعب الذي تعيشه مخيمات تندوف، معاناة حقيقية للمحتجزين داخلها، ممن يرقبون عن قرب تفاصيله في بشاعتها. هم وحدهم يعيشون مقت وتنكيل حالة الاحتجاز القاسية، محاصرين باستمرار، مراقبين على نحو دائم، أمام أعينهم، يمثل مشهد وحيد فريد، وهي تلك الأصابع المتحينة للضغط على الزناد، وأبراج مراقبة متحفزة للتصويب.
لهذا السبب وغيره يمنح المقترح المغربي بخصوص منح حكم ذاتي للأقاليم الجنوبية، الذي لقي الترحيب في أرجاء العالم، البديل الوحيد لحياة المخيمات، إذ كل شيء محكوم بمنطق أعمال ربحي جهنمي.
إنها تمثل الإمكانية الوحيدة لهؤلاء السكان لإخراجهم من تحت قبضة جلاديها، الذين لديهم صدور تؤوي حاسبات بدل أن تحتضن قلوبا، وبرؤوسهم تقبع محافظ لإيداع الأوراق المالية بدل أن تكون لديهم أدمغة.
وترنو المبادرة المغربية إلى جانب أشياء أخرى إلى إعادة إعطاء أفق مستقبلي لسكان مخيمات تندوف، الذين تُقْبَرُ أحلامهم وآمالهم كل حين وحين، من قبل من يحكمونهم بعقلية المُتاجِر في كل شيء، ومن يضعون مكسبهم الشخصي قبل كل شيء، حتى ولو كان على حساب الأخلاق، من يُحَكِّمون المصالح التجارية قناعات مبدئية خالصة.
وهذا هو ما يفسر العدد المتزايد باستمرار للعائدين الفارين من جحيم تندوف، للالتحاق بالمغرب، من خلال أفواج كاملة مرقفين بنساء وأطفال، ليصدق بالفعل القول إن "الطائر لايغرد أجمل ما لديه إلا وهو فوق أغصان شجرة أصوله".(و م ع)