تشكل مصادقة مجلس الأمن أول أمس الأربعاء، على قرار جديد حول الصحراء، تطورا نوعيا في التعاطي الأممي مع النزاع المفتعل، يمكن أن يزحزح البركة الراكدة.
ويضع خارطة طريق التسوية المنشودة للدفع في اتجاه تجاوز إرادة الأطراف، التي استمرأت اللعب في الوقت الضائع، وأهدرت أزيد من ثلاثة عقود ثمينة في حياة المنطقة المغاربية برمتها.
قرار مجلس الأمن الجديد تبنى الدعوة إلى التحلي بالواقعية وروح التوافق، التي أطلقها الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، ومبعوثه الشخصي بيتر فان والسوم، وجدد الدعم "بلا تحفظ" لالتزام الأمين العام ومبعوثه الشخصي، بالعمل على إيجاد حل لقضية الصحراء، مجددا بذلك ثقة أعضاء المجلس التامة في والسوم.
أولا، "الثقة التامة" في والسوم تعني، بكل بساطة، أن المنتظم الدولي ضاق درعا بالانشغال بهذه القضية، التي يريد البعض أن يبقيها في دائرة الضياع والفراغ والعبث، وأنه يريد تقدما ملموسا، نحو حل سياسي تفاوضي يفضي إلى تسوية عادلة ونهائية للنزاع، وأن الوصول إلى هذه النتيجة يتطلب إرادة سياسية حقيقية، والتزاما صادقا بالتحلي بالواقعية وروح التوافق.
"الثقة التامة" في والسوم تعني، ثانيا، أن مسلسل المفاوضات يجب أن يكف عن الدوران الفارغ في الهامش ويدخل في الجوهر. والجوهر الذي عبر عنه والسوم هو ضرورة احترام تطورات الواقع السياسي، بالموازاة مع احترام الشرعية الدولية، بما يعني أن استقلال الصحراء هو، في الآن نفسه، هدف "غير واقعي"، و"غير قابل للتحقيق".
وكان والسوم شجاعا عندما تجاوز منطق الترضيات، التي لا تقدم شبرا واحدا في منحى المفاوضات، ليعلن أمام مجلس الأمن أنه شعر بالحاجة إلى "التأكيد مجددا على الاستنتاج المتمثل في أن استقلال الصحراء ليس بالهدف القابل للتحقيق"، مشددا على أن "هذا الاستنتاج ربما يكون جرى تغييبه خلال المفاوضات حول الصحراء، في حين أن هذه الخلاصة، التي مازالت مناسبة حتى اليوم، كانت هي أساس انطلاق مسلسل المفاوضات الجارية".
الموقف، الذي عبر عنه بيتر فان والسوم، وزكاه بان كي مون، وتبناه مجلس الأمن، لم يأت صدفة، بقدر ما يعكس التوجه العام الحقيقي، الذي بات يؤمن به المنتظم الدولي، فلأول مرة، تعبر واشنطن عن موقف واضح وصريح من النزاع، على لسان سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، ألساندرو وولف، في تصريح عقب تصويت مجلس الأمن على القرار الجديد بخصوص الصحراء، جاء فيه "نتقاسم مع فان والسوم تقييمه، الذي أكد فيه أن دولة مستقلة بالصحراء ليس خيارا واقعيا لحل النزاع، وأن حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية هو الحل الوحيد الممكن".
المنحى نفسه ذهبت إليه باريس، إذ أكد السفير الممثل الدائم لفرنسا لدى الأمم المتحدة، جان موريس ريبر، أن "مخطط الحكم الذاتي، الذي تقدم به المغرب، يشكل قاعدة لمفاوضات جدية وبناءة".
المغرب عبر عن ارتياحه البالغ لهذا القرار الجديد، وهذا من حقه، لأن هذا القرار يعيد الأمور إلى نصابها، ويحول دون العودة بها إلى المربع الأول، وهي مسألة مهمة، لكنها لا تعني، في تقديرنا على الأقل، أنها "انتصار تاريخي"، ولا حتى انتصار "حرفي" أو "حافي" دون "تاريخي"، لسبب بسيط أن المغرب لا يهمه البحث عن الانتصار، في قضية مقدسة يريد تسويتها بروح حضارية، عبر عنها بامتياز بمبادرته الرائدة، المتمثلة في مشروع الحكم الذاتي، الذي بناه وصاغه بمبدأ "لا غالب ولا مغلوب".
ما يهم المغرب، وعموم المغاربة، أن تفهم كل الأطراف هذه الرسالة القوية، التي عبر عنها المنتظم الدولي، والتي تعزز موقف المملكة، التي لا تكف عن مد يدها من أجل الانخراط الصادق والإيجابي في مقترح الحكم الذاتي، الذي يتوفر على كل المقومات الضرورية لتمكين جميع سكان الصحراء، سواء منهم القاطنون بالأقاليم الجنوبية، أو المحتجزون بمخيمات تندوف، من تدبير شؤونهم المحلية، من خلال أجهزة منتخبة ديموقراطيا، في إطار سيادة المملكة المغربية ووحدتها الترابية.
المغرب ظل يجدد التأكيد، طيلة المفاوضات، وبكل وضوح، على أن "الخيار ليس بين الحكم الذاتي والاستقلال، بل بين الحكم الذاتي، وبين الوضع القائم حاليا بكل ما يترتب عن هذا الوضع من معاناة بالنسبة للسكان المحتجزين بمخيمات تندوف، فضلا عن انعكاساته السلبية على العلاقات بين دول المنطقة".
من حق المغرب اليوم أن يحمل بيد القرار الجديد لمجلس الأمن حول الصحراء، وباليد الأخرى إرادته القوية، نحو كل الأطراف المعنية، للانخراط، بجدية وبحسن نية، في المسلسل التفاوضي الحالي، لزرع بذور الأمل بين سكان المخيمات، في انتظار عودتهم إلى الوطن الأم. المغرب يمد يده من جديد للأطراف الأخرى، من أجل تسوية واقعية تطوي نهائيا صفحة هذا النزاع المفتعل، للانكباب جماعيا على رفع التحدي الأهم، وهو بناء فضاء مغاربي ديموقراطي ومزدهر وآمن ومستقر، فضاء لكل المغاربيات والمغاربيين، المتطلعين إلى منطقة ترفرف فيها آمال ومشاريع ومخططات التنمية والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.