الذكرى الخمسون لمؤتمر الأحزاب المغاربية في طنجة

الاتحاد المغاربي خيار استراتيجي لا محيد عنه

الأربعاء 30 أبريل 2008 - 08:43

أجمع قياديو وممثلو الأحزاب والتنظيمات المغاربية المشاركة في المهرجان الخطابي المنظم بمناسبة تخليد الذكرى الخمسينية لمؤتمر طنجة للأحزاب المغاربية سنة 1958، يوم الأحد، على أن بناء اتحاد المغرب العربي خيار استراتيجي لا محيد عنه.

وأكد المتدخلون خلال هذا المهرجان، المنظم في إطار تخليد هذه الذكرى، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، أن مؤتمر طنجة حدث مغاربي قوي المعاني وعميق الدلالات، يجري من خلاله استلهام دروس الماضي، واستشراف إمكانيات الفعل الجماعي لمواجهة إكراهات الحاضر ورفع تحديات المستقبل.

وفي هذا السياق، أكد الأمين العام لحزب الاستقلال، عباس الفاسي، أن الأقطار المغاربية الخمسة مدعوة إلى تسريع عملية الاتحاد لخدمة موقعها، باعتبار أن المنطقة المغاربية ذات أهمية استراتيجية بالغة، تتجسد في كونها عنصرا أساسيا في الفضاء المتوسطي، الذي أصبحت الدعوة فيه قائمة على تغليب عوامل التعاون لدعم التنمية وتثبيت السلم والأمن والاستقرار.

وأضاف أن اتحاد المغرب العربي مدعو إلى التكيف مع التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وأن يواكب حركية التكتل والاندماج التي تعيشها مختلف المناطق عبر العالم، مبرزا أنه لا يمكن تصور بناء المغرب العربي إلا في ظل فضاء موحد مفتوح، يتيح حرية تنقل الأشخاص والممتلكات بين الأقطار الخمسة، بعيدا عن كل المعوقات والإكراهات.

ودعا إلى الخروج من "وضعية الجمود الحالية والانخراط في حوار مسؤول وبناء، وموجه نحو مستقبل مبني على احترام مقومات كل قطر في ظل مناخ من الثقة المتبادلة الكفيلة ببناء تجمع حيوي ومتفاعل في المحيط الإقليمي والدولي"، مشددا في الإطار نفسه على ضرورة إسراع الأقطار الخمسة بتوقيع اتفاقية التبادل الحر، وبالتالي إرساء قواعد سوق مغاربية قد يشكل غيابها عائقا كبيرا أمام التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة.
من جهته، أكد القيادي بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، محمد اليازغي، أن التحديات التي تواجهها البلدان المغاربية تستلزم درجة عالية من التنسيق ووضع كل الملفات الخلافية جانبا، وتكريس كل الجهود لربح رهان بناء الفضاء الاقتصادي المغاربي المندمج.

وفي هذا السياق، قال اليازغي، "إن فتح الأوراش المغاربية الكبرى يكتسي أهمية خاصة واستعجالية، نظرا لما لها من أبعاد استراتيجية مادية ورمزية"، مشيرا إلى ضرورة تجديد وتطوير الخط السككي المغاربي (تونس- الجزائر- البيضاء)، وربط شبكات الطريق السيار، وإنشاء مؤسسة مغاربية للبحث العلمي والتكنولوجي.

من جانبه أكد ممثل التجمع الدستوري الديمقراطي التونسي، الطيب السحباني، أن بناء المغرب العربي على أسس ثابتة يشكل مهمة أساسية لا مناص منها، تؤسس لمجتمع عادل وديناميكي يقوم على النمو والتطور في عالم لا مكان فيه إلا للمجموعات القوية.
من جانبه، أبرز الأمين العام لجبهة التحرير الوطني الجزائرية، عبد العزيز بلخادم، أن مؤتمر الأحزاب المغاربية بطنجة سنة 1958، "فتح أمام شعوبنا آفاقا واعدة نحو تحقيق مغرب عربي كبير يرقى لطموحات المناضلين المغاربيين وآمال كل الشعوب"، معربا عن الأمل في "أن يصبح حقيقة تعم آثارها الإيجابية الجميع".

وبعد أن ذكر بعدد من الأحداث التاريخية التي ترمز لوحدة مصير شعوب المغرب العربي، أشار بلخادم إلى أن الذكرى 50 لمؤتمر طنجة "تعد ميعادا مواتيا للاحتفاء بها في جو من الأخوة، وكذا سراجا وهاجا ينير الحاضر والمستقبل".

من جانبه، أكد علي رافع المدني، عن مؤتمر الشعب العام الليبي، على ضرورة الاستفادة من مقومات التكامل التي تميز الأقطار المغاربية في سبيل تحقيق التكامل والاندماج في المنطقة، مبرزا أن العالم أصبح لا يعترف إلا بالتكتلات القوية على الصعيدين الإقليمي والقاري.

بدوره، أكد رئيس حزب العهد الوطني للديمقراطية والتنمية الموريتاني يحيى ولد أحمد الواقف، أن بناء اتحاد المغرب العربي يقتضي تكثيف الجهود الرامية لمواجهة تحديات الحاضر والمستقبل وتحقيق تطلعات الشعوب المغاربية.

أما رئيس حزب تكتل القوى الديموقراطية الموريتاني أحمد ولد داده، فقد شدد على ضرورة استخلاص العبر من مؤتمر طنجة لتجاوز المعيقات، التي عطلت مسلسل إقامة الصرح المغاربي، وجعله تجمعا اقتصاديا وسياسيا هاما في محيطه الدولي.

من جهته، أكد الأمين العام لاتحاد المغرب العربي الحبيب بن يحي أن الاتحاد المغاربي "بحاجة اليوم إلى الشحنة النضالية التي سادت مؤتمر المغرب العربي بطنجة، وبذات القدر من التضامن الفعلي لرفع كل التحديات المحدقة بمنطقتنا، ومن بينها، مشاغل الشباب المشروعة وتحقيق التنمية المستديمة وتدبير الأمن الغذائي، ومقاومة الجريمة العابرة للحدود ومكافحة التطرف".

أما المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، مصطفى الكثيري، فسجل أنه بعد مرور عقود على انبثاق فكرة توحيد الأقطار المغاربية "ما نزال بعيدين عن تحقيق الآمال العريضة التي بذل من أجلها الأجداد أرواحهم إيمانا منهم بأهمية وحدة الصف ونجاعة التكتل في مواجهة التحديات وربح رهانات التنمية وبناء المستقبل المشترك".
وخلص إلى القول "إننا في المغرب نمد الأيدي لإخواننا، معبرين عن استعدادنا لتمتين ما يجمعنا من صلات وأواصر، ونبذ كل أسباب الخلافات العارضة في نطاق الاحترام المتبادل وحسن الجوار، وفتح صفحة جديدة في علاقات مشتركة تضمن تحصين أقطارنا في مواجهة تحديات العصر التي لا مكان فيها للكيانات المتفرقة والمنعزلة".

حضر هذا المهرجان الخطابي، الذي نظمه حزبا الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، عدد من زعماء وقيادات الأحزاب الوطنية، والهيئات النقابية، وسفراء البلدان المغاربية المعتمدين في الرباط، وأعضاء عن أسرة المقاومة وجيش التحرير، والسلطات المحلية والهيئة القضائية وفعاليات المجتمع المدني بطنجة.

يشار إلى أنه منذ 50 سنة خلت، التأم بمدينة طنجة مؤتمر تاريخي اجتمعت خلاله ثلاثة أحزاب مغاربية تمثل كلا من المغرب وتونس والجزائر، وشكل مناسبة بالنسبة لهذه التشكيلات السياسية للتعبير عن الرغبة القوية للشعوب المغاربية في توحيد مصيرها.
وهكذا، ضرب قادة حزب الاستقلال المغربي والحزب الدستوري الجديد التونسي، وجبهة التحرير الوطني الجزائرية التي كانت بلادها وقتها لا زالت ترزح تحت الاحتلال، موعدا للالتقاء بمدينة البوغاز، التي غدت في شهر أبريل من سنة 1958 ، عاصمة مغاربية.
وكان قادة هذه الأحزاب الذين اجتمعوا بقصر مارشان بطنجة، مقتنعين بأن الوقت قد حان لتجسيد إرادة الوحدة في إطار مؤسسات مشتركة من أجل تمكينها من الاضطلاع بالدور الملقى على عاتقها داخل المحافل الدولية.

وسيظل مؤتمر طنجة (27 - 30 أبريل 1958 )، أقوى تعبير عن هذا الحلم الذي لم يكف عن مراودة الشعوب المغاربية، حافزهم في ذلك وحدة المصير واللغة والدين.
ويعطي تخليد الشعوب المغاربية، غدا الأحد لهذه الذكرى، الدليل الساطع على أن هذا الحلم ما زال راسخا لدى شعوب المنطقة المغاربية، التي تطمح إلى تحقيق الاندماج في إطار تكتل جهوي يمكنها من رفع التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، في ظل العولمة والتكتلات الإقليمية الكبرى.

وكان مؤتمر طنجة، الذي عقد بمبادرة مغربية، يبتغي كهدف له تجسيد التطلعات العميقة لشعوب المنطقة بإقامة اتحاد يعزز بشكل أكبر العلاقات القائمة بينها وتحقيق اندماج اقتصادي وسياسي يرقى إلى مستوى الإشعاع التاريخي للمغرب العربي.

وقد صادق المشاركون في ختام هذا المؤتمر على توصية أكدوا فيها إرادتهم في العمل على تحقيق الاتحاد، وعيا بواجبهم بضرورة التعبير عن الإرادة الجماعية لشعوب المغرب العربي لتوحيد مصيرهم، واقتناعا بأن الوقت قد حان لتحقيق هذه الإرادة في الاتحاد في إطار مؤسسات مشتركة.

واقترحوا، في هذا السياق، تشكيل هيئة استشارية للمغرب العربي منبثقة عن الجمعيات الوطنية المحلية في كل من تونس والمغرب والمجلس الوطني للثورة الجزائرية، عهد إليها القيام بدراسة القضايا ذات الاهتمام المشترك واقتراح التوصيات للأجهزة التنفيذية المحلية.

وأعلن مؤتمر طنجة، الذي تميز انعقاده في ظل ظرفية تاريخية معينة، في حق الشعب الجزائري غير القابل للتقادم في السيادة والاستقلال، وقرروا أن تقدم الأحزاب السياسية للشعب الجزائري الذي يخوض المعركة من أجل تحقيق استقلاله الدعم الكامل لشعوبهم ومساندة حكوماتهم.

كما دعا مؤتمر طنجة الحكومات والأحزاب السياسية إلى تنسيق الجهود من أجل اتخاذ التدابير اللازمة للتخلص من تبعات الهيمنة الاستعمارية.

وبالرغم من ذلك، تطلب الأمر الانتظار حوالي ثلاثة عقود ليخرج هذا الحلم إلى حيز الوجود بإنشاء اتحاد المغرب العربي في فبراير سنة 1989 بمراكش. وجاء تأسيس هذا الاتحاد الإقليمي ليعطي دفعة جديدة للعمل المؤسس الذي أقيمت قواعده بطنجة.

وتقتضي إقامة اتحاد المغرب العربي إنجازات ملموسة وإنشاء قوانين مشتركة تجسد التضامن الفعلي بين مكوناته وتضمن تنميتها الاقتصادية والاجتماعية.

وبالفعل، فإن المغرب العربي يشكل فضاء جيو- تاريخي تشكل بتطابق ثقافي واجتماعي، تشبع بالحضارات ذاتها التي تلقح بها على مر القرون.

ومن خلال هذا التزاوج المتعدد الثقافات، تمكن المغاربيون من تطوير حضور مشع مع توالي القرون حول البحر الأبيض المتوسط، ويتجلى هذا التمازج إلى يومنا هذا في التآلف الفني والاجتماعي الفريد بين الشعوب المغاربية.

وعلى الرغم من هذه المؤهلات الهامة، وفي زمن يتميز بالتكتلات الإقليمية بأوربا وأمريكا، آسيا، ما زال اندماج المغرب العربي وبكل أسف يرواح مكانه في نقطة الصفر.
والأكيد أن الروح التي كانت وراء إطلاق نداء طنجة، هي ذاتها التي ستشجع على استشراف مستقبل أفضل للمغرب العربي، وارتقاء بلدانه إلى مصاف الأمم المتطورة.

تدشين ساحة المغرب العربيبطنجة

شارك عدد من قياديي وممثلي الأحزاب المغاربية، يوم الأحد بطنجة، في حفل تدشين ساحة "المغرب العربي"، وذلك في إطار الاحتفالات المخلدة للذكرى الخمسينية لمؤتمر أحزاب المغرب العربي.

ورفع الستار عن اللوحة التذكارية المخلدة لهذا الحدث، والتي توجد بجوار محطة القطار الرئيسية للمدينة، كل من الأمين العام لحزب الاستقلال، عباس الفاسي، والأمين العام لجبهة التحرير الوطني الجزائري، عبد العزيز بلخادم.

حضر حفل التدشين، محمد اليازغي، عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والطيب السحباني، ممثل حزب التجمع الدستوري الديمقراطي التونسي، ورافع علي المدني، ممثلا عن مؤتمر الشعب العام الليبي، ويحيى ولد أحمد الواقف، رئيس حزب العهد الوطني الديمقراطي والتنمية الموريتاني، وأحمد ولد داده، رئيس حزب تكتل القوى الديمقراطية الوطنية الموريتاني.

كما حضر الحفل والي جهة طنجة تطوان، وممثلو السلطات المحلية وشخصيات أخرى.




تابعونا على فيسبوك