لقي عشرات العمال مصرعهم وأصيب 12 آخرون بجروح متفاوتة الخطورة في الحريق الذي اندلع، صباح أول أمس السبت، بمعمل مكون من أربعة طوابق مختص في صناعة الأفرشة بالحي الصناعي ليساسفة في الدارالبيضاء.
وحسب آخر حصيلة رسمية مؤقتة قدمتها ولاية جهة الدار البيضاء الكبرى، لقي 55 شخصا مصرعهم في الحريق، فيما تحدثت أنباء عن 54 قتيلا، بيد أن تقديرات أخرى ترفع الحصيلة إلى أزيد من 60، وأن هذا الرقم مرشح للارتفاع، على أساس أن هناك عشرات العمال الآخرين لم يقع العثور عليهم بعد.
واندلع الحريق في حدود العاشرة والنصف، لينتشر بسرعة فائقة، بحكم طبيعة المواد الإسفنجية والكيميائة، في مختلف أجزاء المعمل، حيث كان يشتغل في ذلك الوقت قرابة 100 عامل وعاملة، فيما يشير مواطنون إلى أن عدد العمال الموجودين داخل المعمل لا يقل عن 150 عاملا.
وحسب رواية ناجين من هذه الفاجعة، فإن مالك المصنع طالب، عندما كان الحريق في بدايته، بالإسراع في إخراج سلعته، فيما ظل المستخدمون "مسجونين" في المبنى، لأن الأبواب كانت مغلقة عليهم، ما جعلهم يعجزون عن الهروب إلى الخارج.
ولم تجر السيطرة على الحريق إلا بعد أكثر من ثلاث ساعات من الجهود المكثفة من طرف عناصر التدخل للوقاية المدنية ومختلف الأجهزة الأمنية.
وانتقل وزير الداخلية، شكيب بنموسى، رفقة الجنرال دو كور دارمي قائد الدرك الملكي، حسني بنسليمان، والمدير العام للأمن الوطني، الشرقي ضريس، إلى مكان الحادث، حيث أكد بنموسى أنه سيجري فتح تحقيق "معمق وشفاف" بخصوص الحريق، مضيفا "سنقدم في الوقت الراهن دعمنا ومواساتنا لأسر الضحايا، ومساندتنا للمصابين، تنفيذا للتعليمات الملكية السامية".
في حدود الساعة العاشرة والنصف من صباح أول أمس، اندلعت الشرارة الأولى لفاجعة معمل صناعة الأفرشة بالحي الصناعي ليساسفة، قبل أن تبدأ النيران في التهام أجساد العمال الذين لم ينفذ سوى صراخهم إلى الخارج عبر "فتحات" الشبابيك الحديدية في النوافذ، بعد أن وجدوا أنفسهم محاصرين، إذ أن صاحب المعمل أغلق الأبواب عليهم، كما اعتاد دائما، قبل أن يباشروا عملهم.
انتشرت النيران بسرعة فائقة في مختلف أجزاء المعمل، حيث كان يشتغل في ذلك الوقت قرابة 100 عامل وعاملة داخل ما يشبه أقفاص، بحكم طبيعة المواد الإسفنجية والكيميائية، وتطوع عدد من السكان المجاورين للمبنى، إلى جانب بعض المستخدمين، لإنقاذ زملائهم، غير أنهم لم يتمكنوا من ذلك، لتأتي النيران على أجساد العمال بالكامل.
وقال شاهد عيان، لـ "المغربية"، إن "النيران اشتعلت، بينما كنت قادما من البيت"، وأضاف "شاهدت دخانا كثيفا ينبعث من الشركة، ما اضطرني إلى الهرولة في اتجاهه بسرعة لمساعدة العمال في الخروج".
وأوضح الشاهد ذاته أن بعض المتطوعين من أبناء الحي حاولوا إنقاذ المستخدمين إلا أنهم لم يستطيعوا الدخول، "لأن رب الشركة حولها إلى ما يشبه السجن، إذ أن النوافذ مسيجة والأبواب مغلقة على العمال، ولبا يمكنه الخروج إلا عند انتهاء فترة العمل، بدعوى قطع الطريق على العمال لعقد تجمعات وتضييع الوقت"، وزاد مفسرا "كل طابق يغلق على عماله، لقد كان تقريبا بالشركة صباح أول أمس ما يربو عن 250 عاملا، وكلهم يشتغلون نصف يوم خلال السبت، ومن المؤكد أن الجميع كان بالمعمل، لأن اليوم يتقاضون فيه أجورهم".
وأضاف الشاهد ذاته، الذي قدم نفسه على أنه كان يشتغل بالمعمل قبل أن يطرد منذ شهرين، أن "هناك تدليسا من قبل صاحب الشركة، فالأجور هزيلة جدا، إذ يتقاضى العامل ما بين 400 وألف درهم شهريا حسب المهمة، في حين أن الشركة تكذب في ورقة الأداء بكونها تمنح السميك لكافة العمال".
وذكر شاب آخر أنه قام برفقة أربعة آخرين، بفتح ثقب في حائط الشركة من جهة الطابق الرابع، وزاد قوله "شاهدنا عمالا يصارعون ويصرخون داخل الطابق الرابع، لكن حاصرتهم النيران، ولم يعودوا يقدرون على الحركة. وقد استطعنا إخراج عامل، لكن كان الدخان قد نال منه، وتوفي مباشرة بعد انتشاله".
وعاب الشاب على رجال المطافئ الطريقة التي تدخلوا بها، وقال "كان عليهم أن يشرعوا في إطفاء الحريق من الطوابق العليا لا من الأسفل، لأن الطوابق العليا هي التي كان ما يزال بها أحياء".
استمرت محاولات المواطنين لإخراج بعض الضحايا، إلا أن وجود أغلب المستخدمين في الطابقين الثالث والرابع، صعب العملية التي أدت إلى وفاة شخص، توقف للمساهمة في إنقاذ المستغيثين فلقي هو أيضا مصرعه.
وأمام تزايد خطورة الحريق، بدأت سيارات الإطفاء والإسعاف في التوافد تباعا على مكان الحادث، حيث وجدت بدورها صعوبة في السيطرة على النيران بسبب وجود مواد كمياوية، لتستمر جهود عناصر التدخل للوقاية المدنية أزيد من ثلاث ساعات، قبل أن يتمكنوا من السيطرة، بشكل جزئي على الوضع.
ولم يكن عناصر الوقاية وحدهم من سارع إلى مكان الحادث، بل حتى أفراد مختلف الأجهزة الأمنية والدرك الملكي والقوات المساعدة، التي شوهدت العشرات من سياراتها تطوق، من جميع الجهات، المنطقة التي يقع فيها المعمل.
وقال مصطفى الطويل، القائد الجهوي للوقاية المدنية بالدارالبيضاء، إن مصلحة استقبال المكالمات "بوجي" تلقت الإنذار بالحريق على الساعة 11 و3 دقائق، من مواطن، مؤكدا أن الفرقة الأولى للتدخل، رغم وجود عرقلة في حركة السير، لأن الوقت تزامن مع وقت الذروة، انتقلت على الفور إلى مكان الحريق، ووصلت تقريبا في الساعة 11 و25 دقيقة، وباشرت عملية الإطفاء.
وذكر الطويل، في تصريح للصحافة، أن عناصر الإطفاء سيطرت على النيران بشكل تام بعد مرور حوالي ثلاث ساعات، وأضاف "لكن إذا نظرنا إلى الأسباب التي جعلت الحريق يأخذ هذه الأبعاد الخطيرة، سنجد أن البناية لا تتوفر فيها شروط السلامة، والاحتياطات الاحترازية المعمول بها في مثل هذه الأنشطة الصناعية المهمة".
وأكد القائد الجهوي أن رجال المطافئ واجهوا صعوبات جمة لولوج البناية، لأن صاحب الشركة يعطي تعليمات بإقفال جميع الأبواب والمنافذ على العمال أثناء القيام بعملهم، مشيرا إلى أن "الفرق الأولى التي وصلت إلى مكان الحريق لم تتمكن من الدخول، وكنا مضطرين لهدم الحائط للدخول، لأن جميع الأبواب كانت مقفولة".
وأعلن القائد الجهوي للوقاية المدنية أن الحريق كان مهولا وسريع الاشتعال نظرا لنوعية المواد المستعملة في هذا النشاط الصناعي، التي هي عبارة عن إسفنج ومواد كيماوية، موضحا أن سرعة اشتعال النيران أدت إلى ارتفاع درجة الحرارة وتبخر الدخان، وهو ما أسفر عن وفاة عدد من المستخدمين اختناقا.
وأبرز الطويل أن الوقاية المدنية استعملت وسائل متطورة في إطفاء الحريق، وجندت 7 شاحنات صهريجية، و9 سيارات إسعاف، و3 سيارات إنقاذ، و120 إطفائيا، نافيا تسجيل أي إصابة في صفوف موظفي الوقاية المدنية، أو موظفي السلطات، التي كانت في عين المكان.
في هذه الأثناء، بدأت أجهزة مصالح الأمن تتقاذف الحصيلة الأولى للضحايا، التي حددت في أول مرة في 21 قتيلا وحوالي 10 مصابين، قبل أن تسير نحو الارتفاع بشكل صاروخي، مع تواصل عمليات البحث داخل المبنى، لتصل في الأخير إلى 55 قتيلا، و12 جريحا، في حصيلة ظلت أيضا مؤقتة.
وفيما كان يعتقد الجميع أن الكارثة تسير نحو نهايتها، انهار الجزء الأمامي من المبنى، ما أعاد أجواء الخوف والرعب في نفوس بعض الناجين، الذين ظل عدد منهم تحت وقع الصدمة وأبسنتهم تعجز عن وصف ما رأوه، واللحظات الأخيرة التي عاشها زملاؤهم في العمل.
وبعد أن راجت أخبار حول البدء في إخراج الجثث المتفحمة للضحايا، تدفقت العائلات وكاميرات المصورين نحو البوابة الخلفية للبناية، إلا أن أوامر صدرت بإدخال سيارة الإسعاف إلى حيث تعذر معه التقاط عدسات المصورين للصور أو إلقاء العائلات النظرة الأخيرة على ذويهم.
وتواصلت إلى مساء أول أمس جهود رجال الإطفاء لإخماد الحريق بشكل نهائي حتى تتمكن عناصر التدخل من ولوج بعض المرافق بالبناية، بعد أن تعذر ولوجها بسبب استمرار اندلاع النيران واحتمال انهيار أجزاء أخرى من المعمل.
نحيب ونواح وبكاء شديد، كان يسمع على بعد عشرات الأمتار من مكان الحريق. أمهات وزوجات وأبناء وأقارب مكلومون ومصدومون لدرجة أن بعضهم تمرغ في الوحل غير مصدق أن قريبه قضى حرقا في الشركة التي كان يعمل فيها.
لم تتمالك بعض النسوة أنفسهن، فسقطن مغشيا عليهن من هول الخبر، ما حول محيط المعمل إلى مأتم، جعل العديد من المواطنين، الذين تألموا هم كذلك من هول الفاجعة، ينخرطون في مواساتهم، والتهدئة من روعهم، بعد أن جمعت أشلاء ذويهم في الأقمشة التي كانوا يصنعون منها الأفرشة.
"لقد توفي أخي عيسى أيت الحاج، وترك بنتا عمرها سنتان. صاحب الشركة مجرم، كان يأمر العمال بإخراج السلعة وترك الأبواب مقفولة عليهم".
تبكي أخت الضحية التي كانت شبه منهارة بحرقة وتصرخ بأعلى صوتها "كيف سيمكن لهؤلاء النفاذ بجلدهم، نطالب بأقصى العقوبات لصاحب الشركة، لقد أزهق أرواح الأبرياء وشرد عائلات بعدم توفيره لشروط عمل مناسبة وتحويل الشركة إلى أشبه بسجن".
غير بعيد عن هذه الشابة المكلومة، جلس رجل في الأربعينيات، وعيناه مغرورقتان بالدموع، وتحدث إلى "المغربية" بأسى كبير "بغاو يخرجوا من الفوق لقاو كلشي مسدود. لقد قتل ابن أخي، في حين أصيب ابن أختي بحروق ونقل للمستشفى، الله ياخد الحق في مول الشركة".
وعاينت "المغربية" مجموعة من السلع، استطاع العمال إنقاذها من ألسنة اللهب، ووضعها أمام بوابة الشركة، إلى جانب زودياك، في حين، يقول شهود عيان، ظلت الأبواب والنوافذ مغلقة على العمال إلى أن احترقوا.
ويضيف هؤلاء معلقين "كنا نحاول عبر سطح عمارة في طور البناء إنقاذ العمال، في حين كان رب الشركة يأمر بعض معاونيه بإنزالنا، وهو يصرخ بأعلى صوته: نزلوا هادوك الشفارة".