أدى أمير المومنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أمس، صلاة الجمعة بمسجد خناثة بنت بكار بمدينة مكناس.
وأكد الخطيب، في مستهل خطبة الجمعة، أن إرادة الله تعالى اقتضت أن يجعل الأرض مصدرا لنشأة الإنسان، ومصدرا لقوته ورزقه، ومدفنا له بعد انقضاء أجله، ومبعثا له يوم يقوم الناس لرب العالمين، مبينا أن الله استخلف الإنسان في الأرض بقصد عمارتها واستغلال كنوزها وثرواتها، بحيث يسر سبحانه وتعالى طرق عمارة الأرض باستخراج دفائنها من شتى أنواع المعادن، والاستفادة من البحار والأنهار، والانتفاع بما تنبته الأرض للإنسان والحيوان.
لذلك، يضيف الخطيب، حث القرآن الكريم على البحث عن موارد الرزق، وفي مقدمتها استصلاح الأرض وزراعتها، وتعهدها بكل الوسائل المتاحة، تربة ونباتا وأشجارا، والاعتناء بينابيع المياه وتطهيرها وترشيد استعمالها، وتربية المواشي للانتفاع بألبانها ولحومها وصوفها ووبرها.
وأوضح أن الإسلام يقدم أبلغ بيان، ويرسم أروع صورة لعمارة الأرض، إذ شاءت إرادة الخالق، عندما خلق الكون وسخره للإنسان، أن يعيش في خير وسعادة حين يعمر نور الإيمان قلبه، ويحصن نفسه ويهذب أخلاقه.
وأكد الخطيب أن اهتمام أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس بالفلاحة وشؤونها وقضاياها، ما هو إلا استجابة للتوجيه الرباني، والهدي الإلهي لعباده، من أجل القيام بوظيفة عمارة الأرض، مشيرا إلى أن ذلك دليل على حرص جلالته على توفير العيش الرغيد لأبناء شعبه، مجددا جلالته بذلك مبادرة جده، السلطان المولى إسماعيل، منشئ عمران مدينة مكناس، الذي كانت له عناية خاصة بتنمية الفلاحة، حيث شجع قبائل المغرب عامة على الانشغال بالحرث وتربية الماشية.
وقال الخطيب إن مزية الإسلام العظمى في مجال إعمار الأرض تكمن في أنه لا يترك الإنسان سدى، يغرق في حمأة الشهوات، لأنه عندئذ يترهل ويفسد ويستثقل التكاليف، فيكون عالة على نفسه ووطنه ومجتمعه، داعيا المسلمين إلى أن يجعلوا حياتهم طافحة بالإيمان، عابقة بالثقوى، عامرة بالخير، مليئة بالبناء، لأن الإسلام يمقت البطالة والخنوع والخضوع إلى زهرة الحياة الدنيا، إذا جعلها الإنسان منتهى آماله وكل رجائه، فينسى بذلك الأخلاق العلية والصفات الرفيعة والمثل السامية.
وابتهل الخطيب، في الختام، إلى الله تبارك وتعالى، بأن يوفق أمير المؤمنين، جلالة الملك محمد السادس إلى كل خير، وأن يصلح به وعلى يديه شؤون مملكته، وأن يقر عينيه بولي عهده، صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، ويشد أزر جلالته، بشقيقه صاحب السمو الملكي، الأمير مولاي رشيد، وسائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة. كما تضرع إلى العلي القدير بأن يمطر شآبيب رحمته ومغفرته على فقيدي الأمة والوطن، جلالة المغفور لهما، محمد الخامس والحسن الثاني، ويسكنهما جنات النعيم.
وكان جلالة الملك استعرض لدى وصوله، تشكيلة من الحرس الملكي، أدت التحية قبل أن يتقدم للسلام على جلالته، شكيب بنموسى، وزير الداخلية، وحسن أوريد، والي جهة مكناس تافيلالت عامل عمالة مكناس، ورئيس مجلس الجهة، ورئيس المجلس الإقليمي، وقائد الموقع العسكري، ورئيس المجلس العلمي المحلي وشخصيات أخرى.
وبمدخل المسجد، تقدم للسلام على جلالته، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق.
وفي اليوم نفسه، دشن أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بمكناس، مركبا إداريا وثقافيا تابعا لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بلغت تكلفة إنجازه 94 مليونا و746 ألف درهم.
وبعد إزاحة الستار عن اللوحة التذكارية، وقطع الشريط الرمزي، قام جلالة الملك بجولة عبر مختلف مرافق المركب، الذي يضم مركزا للتوثيق والأنشطة الثقافية، يتكون من مكتبة للعلوم الإسلامية، وأخرى للكتب النادرة، والمخطوطات، وخزانة للعلوم الاقتصادية والاجتماعية، وكتب الآداب والثقافة العامة والمجلات، والدوريات، ومكتبة لذوي الاحتياجات الخاصة السمعية البصرية، وفضاء سمعيا بصريا، ومكتبة، وفضاء للأطفال، وثلاث قاعات مجهزة بأحدث الوسائل، مخصصة للمعلوميات والمحاضرات والاجتماعات.
كما يضم المركب جناحا إداريا يحوي مقرات المجلس العلمي المحلي، والمندوبية الجهوية للشؤون الإسلامية، ونظارة الأوقاف، وإدارة مركز التوثيق والأنشطة الثقافية، علاوة على بهو للعروض، وقاعة للصلاة، وجناح مخصص للأرشيف، وقاعة للقرآن الكريم تضم مصاحف وأشرطة وترجمات.
وكلفت أشغال بناء المركب استثمارات بلغت 62 مليون درهم، فيما كلف تجهيزه، غلافا ماليا يبلغ 18 مليونا و110 آلاف درهم، و10 ملايين درهم لاقتناء الرصيد الثقافي، في حين خصص مبلغ 4 ملايين و636 ألف درهم، لتمويل الدراسات المتعلقة بالمشروع.
ويبلغ الوعاء العقاري الذي شيد فوقه المركب الإداري والثقافي للأوقاف بمكناس، ثلاثة هكتارات، منها 14 ألفا و500 متر مربع مغطاة، وتتميز هندسته المعمارية بالمزاوجة بين الفن المعماري المغربي الأصيل، المجسد في المظهر الخارجي للبناية وفي بهوها وممراتها، والفن المعماري المعاصر، المجسد داخل مختلف قاعات ومكاتب المركب.
وسيتولى مركز التوثيق والأنشطة الثقافية بالمركب، مهمة فهرسة وتصنيف عدد من الوثائق النادرة، وتجميع الأرشيف الوطني للأوقاف، ومعالجته والحفاظ عليه والتعريف به.
ويزخر هذا المركز بعدد من الكتب النادرة، والمخطوطات والمراجع، والدوريات، بمختلف اللغات وفي مختلف التخصصات، كما سيتيح للباحثين الاستفادة من بعض المكتبات الخاصة التي اقتنتها الأوقاف من أصحابها، وجرت صيانتها وترميمها كمكتبة المفكر جون لووي مييج، ومكتبة العلامة عبد الكريم الفيلالي، ومكتبة المؤرخ عبد الوهاب بنمنصور، ومكتبة بنعيسى لمرابط.
وفضلا عن ذلك، سيمكن المركز الباحثين والعموم من الحصول، عبر تقنية مكتبة الصوت والصورة، على العديد من المواد الصوتية والمرئية، تهم محاضرات وندوات وموسوعات علمية وصورا وبرامج وثائقية.
وتحتوي خزانات ومكتبات المركز، كرصيد انطلاقة، عددا مهما من الكتب، يناهز 40 ألف كتاب بلغات متعددة، وسبعة آلاف دورية (500 عنوان)، و600 مخطوط، و30 مطبوعا حجريا، علاوة على مجموعة بالغة الأهمية من الوثائق الخاصة بتاريخ وجغرافية المغرب، وعلاقاته بباقي دول العالم يبلغ مجموعها44 مترا طوليا، مصنفة حسب موضوعات معينة وتتراوح فترتها الزمنية ما بين القرنين الثالث عشر والعشرين.
وسيضطلع المركز كذلك بمهمة جمع المخطوطات الحبسية المتفرقة بمختلف المكتبات، وحفظ أصولها أو صورها، كما سيضم قسما لترميمها جرى تجهيزه بأحدث التقنيات العالمية في مجال معالجة وترميم المخطوطات.
وتعكس هذه المعلمة الدينية الكبيرة حرص أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس على أن تستعيد الأوقاف المهام المنوطة بها في ميدان الخزانات العلمية وإحياء التراث الإسلامي والعمل على نشر الثقافة الإسلامية على أوسع نطاق من خلال استعمال الوسائل التقنية الحديثة، واقتناء مختلف المراجع والوثائق الثقافية والعلمية، ووضعها رهن إشارة العموم.
كما يجسد المركز الرعاية الخاصة التي يوليها ملوك الدولة العلوية للشأن الديني بصفة عامة، وإنشاء الخزانات العلمية بصفة خاصة، وإسهامهم في توفير الكتب لها ثم جعلها وقفا على طلاب العلم.
وكان جلالة الملك استعرض لدى وصوله، تشكيلة من الحرس الملكي، أدت التحية قبل أن يتقدم للسلام على جلالته، أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، وعدد من أطر الوزارة وشخصيات أخرى.