اختتمت مساء أول أمس الثلاثاء بمكناس، فعاليات الدورة الأولى للمناظرة الوطنية للفلاحة، التي نظمت تحت شعار "رؤية مستقبلية من أجل فلاحة رائدة".
وقال وزير الفلاحة والصيد البحري، عزيز أخنوش، في كلمة بالمناسبة، إن تنفيذ "مخطط المغرب الأخضر" يتطلب انخراط مختلف الفاعلين والمهنيين في القطاع، مشددا على الأهمية التي تكتسيها هذه الاستراتيجية الوطنية.
وأكد وزير الفلاحة والصيد البحري، عزيز أخنوش، أن مستقبل الاقتصاد الوطني مرتبط في جزء كبير منه بالقطاع الفلاحي، الذي يشكل رهانا سوسيواقتصاديا كبيرا.
وبعد أن أشار إلى أن هذا المخطط الطموح سيكون محل مشاورات مع الفاعلين المعنيين، أكد على ضرورة الاهتمام بالفلاحين الصغار بمختلف مشاربهم، من أجل النهوض بالقطاع الفلاحي.
وفي إطار المناظرة الوطنية، التي تعد فضاء دوليا للتأمل حول مختلف الإكراهات التي تواجه القطاع الفلاحي، جرى تنظيم مائدتين مستديرتين، الأولى تحت عنوان "الاستثمار الخاص في مجال الفلاحة: طموحات وانتظارات"، والثانية حول موضوع "الفلاحة في تطور"، بمشاركة مهنيين في القطاع، مغاربة وأجانب.
وكان صاحب الجلالة الملك محمد السادس، مرفوقا بصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، ترأس أول أمس الثلاثاء بمكناس، حفل افتتاح أشغال المناظرة الوطنية الأولى للفلاحة، المنعقدة عشية انطلاق الدورة الثالثة للملتقى الدولي للفلاحة، التي ستنظم ما بين 23 و28 أبريل الجاري.
وتميز الحفل، بالكلمة التي ألقاها بين يدي جلالة الملك، وزير الفلاحة والصيد البحري، عزيز أخنوش، تضمنت الخطوط العريضة للاستراتيجية الجديدة في المجال الفلاحي (مخطط المغرب الأخضر)، وأوضح أخنوش أن هذا القطاع يمثل ما بين 15 إلى 20 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وله تأثير كبير على النمو الوطني، ومصدر مهم للتشغيل، إذ يشغل ما بين 3 و4 ملايين من السكان القرويين، فضلا عن كون نحو مائة ألف عامل يشتغلون في قطاع الصناعات التحويلية الغذائية.
وفضلا عن ذلك يساهم القطاع الفلاحي بشكل حاسم في التوازنات الماكرواقتصادية الكبرى، وفي الميزان التجاري للمغرب.
وبعد أن ذكر بأن هذه الاستراتيجية جرت بلورتها في إطار تنمية مندمجة بناء على التوجيهات النيرة لجلالة الملك، بغرض وضع معالم رؤية جديدة للفلاحة، تضمنت وضعية القطاع الفلاحي ومؤهلاته وطاقاته وتحدياته والعوامل المعيقة له، أشار الوزير إلى أن القطاع الفلاحي يواجه حاليا مجموعة من الرهانات تهم أساسا التنمية المستدامة.
وقال في هذا الصدد، إن القطاع الفلاحي يستهلك حاليا 80 في المائة من المياه على الصعيد الوطني، في سياق يتسم بتراجع هذه الموارد واحتدام المنافسة على استغلالها، كما أن العالم القروي يضم 15 مليون نسمة، من بينهم نحو 10 ملايين من السكان النشيطين و500 ألف وحدة استغلالية، مع ما يتطلبه ذلك من تحسين ظروف عيش هؤلاء السكان، وتحديث نمط اشتغالها.
وفي تشخيصه لواقع القطاع الفلاحي بالمغرب، سجل أخنوش وجود زراعات معاشية متنوعة إلى جانب مشاريع فلاحية عصرية جيدة، وهو ما يشكل بنظره واقعا يصعب استيعابه، ويتمثل في هيمنة زراعات الحبوب على المساحات الفلاحية (75 في المائة من إجمالي المساحة الصالحة للزراعة)، رغم أن قطاع الحبوب لا يمثل سوى 10 في المائة من معاملات القطاع الفلاحي، ولا يوفر سوى 5 في المائة من مناصب الشغل.
وشدد الوزير، في هذا الإطار، على ضرورة تشجيع سلاسل الإنتاج النباتية ذات القيمة المضافة العالية في مجال التصدير، مثل الحوامض والخضر والزيتون، التي تشغل يدا عاملة تبلغ 80 في المائة، عما هو عليه الحال بالنسبة لزراعة الحبوب، رغم أنها تتطلب استثمارات كبيرة.
ومن جهة أخرى، أبرز الوزير أن صغار الفلاحين يواجهون وضعية صعبة بسبب التجزئة المفرطة للأراضي، إذ لا يتعدى معدل مساحة الاستغلال هكتارين، وهو ما يؤدي إلى إضعاف مداخيل هؤلاء، وتكريس وضعية الفقر التي يعانون منها.
وذكر عزيز أخنوش أن العقدين الأخيرين تميزا بتسجيل عجز مزمن في نمو القطاع الفلاحي، إذ لم يشهد الناتج الداخلي الخام سوى زيادة جد طفيفة، مقارنة مع أهم الدول المنافسة، كإسبانيا ومصر وتركيا، كما أن معدل نمو الصادرات لم يتجاوز 5 في المائة سنويا، مقابل ما بين 8 إلى 10 في المائة بالنسبة لباقي المنافسين المباشرين.
وعزا الوزير هذا الواقع إلى ضعف نمو قطاع إنتاج الحوامض، رغم ما يوفره هذا القطاع من سهولة في ولوج أسواق الاتحاد الأوروبي، والتحولات الماكرواقتصادية، التي هي في صالح المغرب.
وأكد أن قدرة المغرب على تعبئة صفوفه خلال الخمس سنوات المقبلة، ستحدد بشكل حاسم مستقبل القطاع الفلاحي، داعيا في هذا الصدد إلى الاستثمار الأمثل للإمكانيات والمؤهلات التي تزخر بها المملكة، والتي جرى إغفالها سابقا، مع العلم أنها تشكل منافذ مهمة للقطاع الفلاحي، بفضل نمو ديمغرافي سريع وارتفاع مستويات المعيشة.
واعتبر الوزير أن القطاع الفلاحي مطالب بمواجهة عوائق مهمة ترهن نموه الاقتصادي والاجتماعي، والمتمثلة أساسا في هشاشة نسيج الفاعلين، وضعف تنظيمهم، وقلة وسائل الاستثمار ومشكل الماء والعقار، داعيا في هذا السياق إلى الاعتماد على حصيلة سياسة السدود، وتطوير أنظمة إنتاج تحترم البيئة وتعمل على تثمين أكثر لثرواتنا المائية.
ورغم كون المغرب كان سباقا إلى نهج خيار الانفتاح عبر إبرام اتفاقية للتبادل الحر، لاحظ الوزير أن هذا الخيار لم يجر استغلاله بالشكل المطلوب، لذا يجب البحث عن الوسائل الكفيلة لترجمته على أرض الواقع، حتى يستفيد الفلاحون، خاصة الصغار منهم من كل الفرص التي يتيحها هذا الانفتاح.
أما الدعامة الثانية، فتهم تطوير مقاربة لمحاربة الفقر بالزيادة من مدخول الفلاح الأكثر هشاشة، خاصة بالمناطق النائية، ويجري في هذا الإطار تمويل إنجاز300 إلى 400 مشروع اجتماعي ضمن مخطط جهوي، يروم تحويل الفلاحين الأكثر هشاشة من زراعة الحبوب إلى زراعات ذات قيمة عالية، وأقل تأثرا من ندرة التساقطات، وتشجيع مشاريع التكثيف سواء في مجال سلاسل الإنتاج الحيواني أو النباتي من خلال تأطير الفلاحين وتمكينهم من دخل إضافي.
وأكد الوزير أن تفعيل هاتين الدعامتين يجب أن يصاحب بإصلاح شامل للإطار القطاعي، من خلال تجميع العقار وتبني سياسة جديدة في مجال الري، وتأهيل البنيات التحتية في ميدان السقي العصري، وتحسين شروط إطار التبادل الحر، خاصة في مجال التصدير مع مراعاة المنتوجات الحساسة عند الاستيراد، علاوة على عصرنة السوق الوطنية، وتعزيز الفاعلين والتنظيمات الفلاحية والإصلاح المؤسساتي لوزارة الفلاحة.
وأشار أخنوش إلى أنه رغم صعوبة رصد انعكاسات تنفيذ مختلف محاور المخطط بالأرقام، إلا أنه ستكون له بالتأكيد انعكاسات إيجابية على الاقتصاد الوطني وعلى سوق الشغل، بحيث يستهدف مليون مقاولة فلاحية، كما ينتظر منه تحقيق ناتج داخلي إضافي يتراوح ما بين 70 و100 مليار درهم.
وقال إن المخطط يهدف أيضا إلى إطلاق موجة جديدة من الاستثمارات على المستوى الوطني تصل قيمتها إلى 10 ملايير سنويا، إضافة إلى مساهمته في دعم الجهود المبذولة في مجال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، خاصة في العالم القروي.
وأضاف أن التحدي الحقيقي هو ترجمة هذا المخطط إلى واقع، بالنظر إلى صعوبة الأوراش، وتعقدها، وتداخل مجموعة من العوامل، مما يتطلب ضرورة التوافق والتنسيق مع كافة المؤسسات والقطاعات الوزارية المعنية، وتعبئة الموارد المائية الضرورية، مقترحا في هذا السياق إحداث لجنة وزارية للقيادة، ووكالة خاصة للتنمية، تتولى السهر على تفعيل الاستراتيجية والقيام بدور المخاطب مع المستثمرين الخواص والاجتماعيين.
كما اقترح الوزير مساهمة الميزانية العامة للدولة في تعبئة تمويلات إضافية في غضون العشر سنوات المقبلة، وكذا مساهمة صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى تعبئة الممولين العموميين الدوليين كالاتحاد الأوروبي والتعاون الفرنسي والبريطاني والممولين الخواص.
وخلص أخنوش إلى أن معاينة أولى نتائج هذه الاستراتيجية، ستجري في فترة وجيزة، إذ ينتظر أن تعطي الاستثمارات في بعض سلاسل الإنتاج ثمارها في غضون السنة الأولى لانطلاقها.