أخيرا، وبعد طول تردد، وفترة أناة وصبر، لعل الأطراف الأخرى المعنية بالنزاع المفتعل في الصحراء "تفهم راسها".
اضطر المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة المكلف بملف الصحراء، بيتر فان فالسوم، أن يضع مجلس الأمن، أول أمس الاثنين، أمام مسؤوليته التاريخية، للحسم في هذا الملف، الذي بات لعبة رتيبة تستعملها أطراف لرهن منطقة برمتها، وجعلها عرضة لكل أنواع التهديدات بالتوتر والانفجار، وبؤرة لخلايا التطرف والإرهاب.
لم يجد بيتر فان فالسوم بدا من تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية، بعدما لمس أن العملية التفاوضية، رغم ما أبداه المغرب من تجاوب وحسن نية، مهددة بالفشل، والعودة إلى المربع الأول، فكان أن شدد بوضوح على أن استقلال الصحراء ليس خيارا واقعيا ولا هدفا قابلا للتحقيق، موضحا أن هذه الخلاصة جرى حجبها خلال مفاوضات مانهاست، مع أن "هذه الحقيقة التي تفرض نفسها اليوم، كانت هي أساس مسلسل المفاوضات الجارية حاليا".
وحمل فالسوم مسؤولية استمرار المأزق الحالي إلى عدة دول قال إنها "تجد أن الوضع القائم مناسب بالنسبة لها"، وإلى "أطراف مؤيدة بشكل غير مشروط لجبهة البوليساريو، التي لم تعش هي نفسها داخل المخيمات، ولكنها مقتنعة أن أولئك الذين يعيشون في هذه المخيمات، ربما يفضلون البقاء هناك بصورة دائمة، بدل الاتجاه نحو حل متفاوض بشأنه، يكون أقل من الاستقلال الكامل".
ولم يطل الأمر دون انكشاف الأطراف التي مع الحل، والأخرى المتمسكة بالعرقلة، ففي حين رحبت واشنطن ولندن بما ذهب إليه فالسوم، بادرت جنوب إفريقيا إلى التعبير، بصورة بئيسة وعدوانية، عن معارضتها لوجهة نظر المبعوث الشخصي للأمين العام الأممي. بيد أن مجلس الأمن سيكون على بينة من اصطفاف واضح جدا، لحفنة المعرقلين، وأغلبية ساحقة مع المبادرة المغربية.
لكن الأهم من كل ذلك، هو أن المنتظم الدولي، في انتظار أن يقول كلمته، كان وما زال على بينة من موقف الصحراويين أنفسهم، الذين قالوا كلمتهم، سواء منهم المقيمون بالأقاليم الجنوبية، أو المحتجزون والمحاصرون بمخيمات تندوف، وليس ببعيد ذلك الموقف القوي، الذي عبرت عنه عشرات الأسر الصحراوية، وأفرادها الذين كانوا شاركوا في مؤتمر كجيجيمات، الذي انعقد بضواحي تيفاريتي، تزامنا مع المؤتمر المزعوم للانفصاليين، حين مارسوا حقهم في تقرير مصيرهم، بمحض إرادتهم الحرة، وقرروا الانخراط في المبادرة المغربية المتعلقة بالحكم الذاتي، والعودة جماعيا إلى بلدهم المغرب، تلبية لنداء "الوطن غفور رحيم".
لم يعد خافيا اليوم، رغم التضليلات والمغالطات التي باتت مكشوفة، أن الجزائر هي التي تقف وراء كل المماطلات، والمناورات، والعرقلات، والاستفزازات، والمؤامرات، والجميع بات يعلم، بالبيان والبرهان، كيف كانت سياستها العدائية تفشل كل حل توافقي، وتقف في وجه أي حل يطرحه المغرب، إلى درجة الإقدام على تصرفات متهورة رعناء في مواجهة المبادرة المغربية، المستندة إلى منهجية ناجعة وذات مصداقية، تتأسس على النجاح الذي حققه مسلسل الحكم الذاتي في كل منطقة عبر العالم شهدت تنفيذ هذه التجربة، ما جعل المبادرة تلقى تأييدا دوليا متزايدا، انطلاقا من الوعي بالمساهمة الثمينة والإيجابية لمسلسل الحكم الذاتي في التنمية الجهوية، وترسيخ الديمقراطية، والحفاظ على الخصوصيات الثقافية المحلية.
المنحى الذي ذهب إليه فالسوم، والمواقف الوطنية التي يعبر عنها الصحراويون، تجدد التأكيد على أن الوطن وحده هو الذي يبقى، فيما يؤول الانفصال إلى الزوال.