كان القلق باديا على رجل في الستينات من العمر، وخط الشيب شعر رأسه. بدأ العجوز المنهوك القوى، في البحث عن مكان شاغر في الصفوف الأمامية إلى جانب النساء، اللواتي يجلسن في الصفوف ذاتها بتزاحم شديد.
بدأت النساء توجه نظرات غريبة لهذا الرجل الذي وصفته إحداهن بـ"غريب الأطوار"، فكيف يحاول الجلوس بين النساء وهو يعلم جيدا أن الرجال يجلسون في الصفوف الخلفية وراءهن مباشرة أو يفضل الكثيرون منهم من الشباب الوقوف.
وقالت إحداهن بصوت خافت لمرافقتها "اويلي واش هدا الشيباني تصطى ولا مالو باغي يجلس وسط لعيالات" لكن الرجل لم يعر اهتماما كبيرا لهمهماتهن وامتعاضهن، بعد أن خصصت له إحدى النساء في الأربعينيات من عمرها مكانا إلى جانبها.
تجاوزت عقارب الساعة الثانية بعد الظهر، بإحدى قاعات الجلسات بالقطب الجنحي بالدارالبيضاء، التي امتلأت في دقائق عن آخرها.
في الجهة اليسرى من هذه القاعة، المخصصة للمتهمين في حالة اعتقال، كان يجلس شاب ضعيف البنية، تعلو وجهه لحية خفيفة، ويضع قبعة سوداء اللون على شعره الذي وصل إلى أكتافه، وكان بين الفينة والأخرى، يختلس نظرات سريعة نحو المكان الذي يجلس فيه الرجل العجوز قبل أن يبادره هذا الأخير بالتحية وهو يشير إليه ببعض الإيماءات والإشارات التي كان من خلالها يستفسره عن أحواله داخل السجن.
بدا القلق والتوتر على وجه الأب، الذي كان يحمل كيسا بلاستيكيا أسود اللون بين يديه، ويرتدي بذلة رمادية اللون، ويضع على رأسه طاقية بيضاء، كان يقف تارة ويجلس تارة أخرى، يفرك أصابع يديه ويمسح على جبينه ورأسه في حركات متكررة واعتباطية تدل على ما يعتريه من حيرة أو ما يدور بخلده من أسئلة حول مصير ابنه، كان ينظر يمينا ويسارا أو تشرد عيناه اتجاه مكان ابنه الذي كان ينزوي بين باقي المتهمين وينظر إلى والده بنظرات محتشمة.
حاول الأب أن يقترب من الصف الثاني الذي يجلس فيه ابنه المتهم بين المعتقلين، من أجل تسليمه الكيس البلاستيكي الأسود، ونصحته المرأة التي كانت تجلس إلى جانبه أن يطلب من أحد رجال الشرطة المرابضين بقاعة الجلسات لحفظ الأمن أن يسلم الكيس لابنه.
"سير قرب حداه وطلبو غير بشوية راه ما يخسر ليك"، هذا ما قالته المرأة إلى الأب الذي بدا تائها ومترددا بين أن يتحدث إلى الشرطي أو يمتنع عن ذلك، لتتخذ المرأة المبادرة عنه، فأمرها رجل الأمن أن تلزم مكانها، واقترب من الأب الذي أوضح له أن ابنه يشعر بالجوع ويريد أن يعطيه القليل من الأكل الخفيف كوجبة غداء.
لم تكن التهمة التي يتابع بها ابن هذا الرجل العجوز عادية، فهو ليس متابعا بالإدمان على المخدرات أو السرقة أو الضرب والجرح أو غيرها من التهم التي أصبحت مألوفة، لكنه متابع بالاعتداء على أحد الأصول أو ما يصطلح عليه بالقول في المجموعة القانونية "العنف ضد الأصول".
خطورة التهمة التي يتابع بها الشاب، وكيف اعتدى على والده، حكاه هذا الأخير للمرأة التي كانت تجلس بالقرب منه، وقال إن ابنه تعود الاعتداء عليه وعلى أمه، وأضاف قائلا "راه مسخوط غير الله يهديه، ضربني وتكرفس علي أنا وامو وخواتاتو الله يهديه، ماخلينا مادرنا معاه، قريناه وكبرناه، وهو قالك من برا يخلاق"، كانت المرأة تتحسر أكثر من أب المتهم عليه، قبل أن يمضي الأب قائلا " ملي عييت ما ننصح فيه راني مشيت جبت ليه البوليس، ما بغاش يدير عقلو.
كان كيقرا مزيان، وهو الصغير في خوتو، وشوية حتى طلعات ليه فراسو تلاقى مع شي مساخيط هما الي بلاوه وقنعوه يمشي يحرك للخارج".
بعد نصف ساعة، دخلت هيئة الحكم إلى القاعة، ونادى القاضي بعد إعلانه عن بداية الجلسة باسم جلالة الملك، على أول المتهمين، الذي كان الابن المتهم الذي سلم الكيس البلاستيكي إلى أحد زملائه المعتقلين، وأزاح القبعة عن رأسه، ووقف أمام الهيئة يضع قبعة رأسه ويديه خلف ظهره، وخفض رأسه أمام هيئة الحكم، ونادى القاضي كذلك على الوالد العجوز الذي وقف خلف ابنه مباشرة.
وجه القاضي للمتهم، بعد النظر في التهمة التي كان يتابع بها، نظرات قاسية، وسأله بامتعاض شديد الأسئلة المعتادة، اسمك.. اسم باك... اسم امك... عندك المحامي..؟ قبل أن يبادره بالقول: مالك مع باك؟
صمت المتهم قليلا ونظر باتجاه والده، ثم قال: أنا عارف راسي تعديت عليه كنطلب منو يسمح ليا". وانهمرت دموع المتهم وهو ينظر إلى والده، الذي قال لهيئة الحكم أنه يسامحه بشرط أن يلتزم أمام القاضي بعدم التعرض له ولأمه وشقيقاته " مانسمح ليه حتى يلتزم باش ما يتعداش عليا أنا وأمو وخواتاتو".
فأجل القاضي النظر في قضيته إلى وقت لاحق بعد أن أبدى المتهم موافقته على شروط والده.