تنامت في الفترة الأخيرة احتجاجات سكان آسفي، للتعبير عن رفضهم لمشروع إحداث المحطة الحرارية بمنطقة البير الحار، جنوب المدينة.
ما اضطر أمينة بن خضراء، وزيرة الطاقة والمعادن والماء والبيئة، إلى أن تحل شخصيا بآسفي، قبل أسبوع، في محاولة لطمأنة السكان، وتبديد مخاوفهم من هذا المشروع، الذي قالت إنه سيؤمن نحو 27 في المائة من الطاقة الكهربائية على المستوى الوطني، وسينعش الوضعية الاقتصادية بالمنطقة، ويخلق مناصب شغل مباشرة وغير مباشرة.
وكان خبر إنشاء محطة للطاقة الحرارية بموقع "البير الحار"، المحاذي لمصطاف الصويرة القديمة (الصويرية)، خلف ردود فعل متباينة، كانت أقواها صدى وتأثيرا، إصدار عدد من جمعيات المجتمع المدني بيانات تندد بالمشروع المذكور، كما انضم عدد من المنتخبين والبرلمانيين إلى الموقف المتذمر الرافض لمشروع المحطة الحرارية، الذي اعتبروه مرحلة أخرى من مراحل تسكين المشاريع الكبرى الملوثة بمنطقة آسفي، التي مازالت تعاني لحد الساعة من التلوث المنبعث من المركب الكيماوي.
وفي السياق ذاته، أصدرت جمعية "ماتقيش كرامتي" بيانا بعنوان "آسفي مهددة بكارثة بيئية"، شددت فيه على أن "مشروع المحطة الحرارية، الذي صادقت عليه الحكومة السابقة، جرى فرضه على إقليم آسفي، بعد رفضه من طرف سكان مدينة أكادير"، وقالت إن المشروع سيحول آسفي إلى "مقبرة للنفايات"، إذ أنها محاصرة بحزام من التلوث، فالمعامل الكيماوية جنوبا، ومعامل الإسمنت شمالا، والمطرح البلدي شرقا.
وأكد البيان ذاته أن "هذا النوع من المنشآت الصناعية يعتمد على كميات هائلة من مياه البحر، حوالي 400 ألف متر مكعب يوميا، من خلال امتصاص مياه البحر لتبريد الآلات، التي تشتغل تحت درجة حرارة جد مرتفعة، وإعادة هذه المياه ساخنة إلى البحر محملة بإشعاعات تسبب تلوثا حراريا يقضي نهائيا على الثروة النباتية والسمكية".
ونبه بيان جمعية "ماتقيش كرامتي" إلى أن هذا النوع من المحطات الحرارية يشتغل بالفحم الحجري لإنتاج الطاقة الكهربائية، وقال إن "احتراق هذا الفحم ينتج عنه تسرب غاز ثاني أكسيد الكاربون، وأحادي أكسيد الكاربون، بكميات هائلة تسبب خللا في الضغط الجوي، ما يتسبب في أمراض ضيق التنفس، إضافة إلى جانب تسرب غاز ثاني أكسيد الكبريت، من معامل كيماويات المغرب، الذي يتسبب في هشاشة العظام، وأمراض جلدية عدة، والحساسية، وغيرها من الأمراض المنتشرة بشكل كبير بمدينة آسفي".
وفي تطرقه إلى ما يمكن أن يخلفه المشروع من تأثير على التربة، أشار البيان إلى أن "سقوط أمطار حمضية ناتجة عن تكاثف ثاني أكسيد الكبريت وثاني أكسيد الكاربون بالجو يؤدي إلى إتلاف النباتات، وتشبع التربة بعناصر كيماوية سامة تمنع الإنبات".
من جانبه، عبر فرع المركز المغربي لحقوق الإنسان بآسفي، عن "رفضه المطلق لإقامة المشروع بإقليم آسفي، بعد رفض المشروع ذاته من طرف مختلف فعاليات إقليمي الصويرة وأكادير، انطلاقا من كون المشروع يشكل تهديدا لبيئة آسفي المنهكة أصلا، نتيجة ما تنفثه معامل مغرب كيماويات، التي تتسبب سنويا في مئات الإصابات بأمراض مزمنة ناتجة عن التلوث البيئي".
ودعا المركز جميع فعاليات المدينة إلى اتخاذ خطوات تنسيقية، وتشكيل لجنة موحدة، للدفاع عن حق آسفي في التنمية، ورفض إقامة مشروع المحطة الحرارية بآسفي، وجميع المشاريع المضرة بالبيئة.
بموازاة ذلك، تحاول عدد من الأجهزة الحكومية امتصاص الغضب، الذي يعم فئات واسعة من سكان آسفي، عبر تنظيم رحلة لفائدة البرلمانيين إلى بعض الدول الأوروبية لزيارة بعض المحطات الحرارية المشابهة للمشروع المزمع إحداثه بآسفي، من أجل الوقوف على سير الأشغال بهذه المحطات، حسب ما كشف عنه مدير القطب المالي والتجاري بالمكتب الوطني للكهرباء، الذي كان استضافه أخيرا برنامج "مشاريع" بالقناة الأولى، إذ اعتبر أن هذه الخطوة تندرج في إطار الحملة التواصلية، التي تنظمها الحكومة لإقناع السكان بأهمية مشروع المحطة الحرارية، معترفا بالضعف على مستوى التواصل، الذي اعتبره عاملا في فشل إقامة المحطة الحرارية "كاب غير"، 40 كلم شمال أكادير، نتيجة رفض ممثلي سكان الإقليم، ما اضطر الحكومة إلى تغيير مكانها إلى آسفي، وبالتالي ضياع مبالغ مالية كبيرة خصصت للدراسات سواء في أكادير أو آسفي.
وفي هذا السياق، يندرج اللقاء التواصلي، الذي كانت أمينة بن خضراء، وزيرة الطاقة والمعادن والماء والبيئة، عقدته قبل أسبوع مع برلمانيي ورؤساء المجالس البلدية والقروية ورؤساء الغرف المهنية لإقليم آسفي، خصص لمشروع المحطة الحرارية، الذي قالت إنه سيؤمن نحو 27 في المائة من الطاقة الكهربائية على المستوى الوطني، مبرزة أن أشغال بناء هذا المشروع ستستغرق مدة 42 شهرا، بكلفة إجمالية تبلغ 20 مليار درهم، وبقدرة طاقية تصل إلى 1320 ميغاواط (660 لكل وحدة).
وأبرزت بن خضراء، في اللقاء ذاته، أن هذا النوع من المحطات يأتي في سياق وضعية دولية تتسم بارتفاع أسعار البترول والغاز الطبيعي، ما يحتم التوجه إلى اعتماد تقنية الفحم النظيف، لوفرة مصادره، وقلة كلفته، فضلا عن قلة تأثره بالأزمات المتعلقة بتقلبات الأسعار، على خلاف النفط والغاز الطبيعي. وشددت بن خضراء على الأهمية القصوى التي سيحظى بها المحيط البيئي للمشروع، المعتمد على تقنيات الفحم النظيف، والاستجابة للمعايير الدولية الأكثر صرامة في مجال الحفاظ على البيئة المعتمدة في عدد من بلدان العالم.
وبخصوص تخوفات سكان إقليم آسفي من الانعكاسات السلبية للمشروع، حاولت بن خضراء طمأنة السكان، موضحة أن محطات مماثلة، تعمل بالخاصيات نفسها، موجودة بجانب مجمعات سياحية عالمية في دول متقدمة عدة.
وذكرت بن خضراء أن كلفة التدابير الخاصة بالتخفيف من الآثار على البيئة تبلغ نحو 3.5 ملايير درهم، أي ما يقارب 18 في المائة من التكلفة الإجمالية للمشروع، وأن إحداث المحطة الحرارية بآسفي سيكون له وقع اقتصادي واجتماعي بالغ الأهمية، إذ سيجري إحداث ألف منصب شغل خلال أشغال البناء، و150 منصب شغل مباشر، و450 منصبا غير مباشر لاستغلال المحطة.
كما ستساهم المحطة في خلق قطب صناعي وطني متكامل بين مجموعتين بحجم المكتب الشريف للفوسفاط والمكتب الوطني للكهرباء، سيمكن الإقليم من التوفر على ميناء معدني جديد خارج المدار الحضري لآسفي، وبنيات تحتية لوجستيكية، إضافة إلى الدفع باقتصاد المنطقة، وبالتالي استعادة المدينة لمكانتها كموقع اقتصادي متميز.
ولوحظ أن تدخلات بن خضراء كانت حاسمة في اتجاه تليين الموقف الرافض لبرلمانيي ورؤساء المجالس البلدية والقروية ورؤساء الغرف المهنية بمدينة آسفي، إذ حرصوا، في تدخلاتهم، خلال لقائهم مع وزيرة الطاقة والمعادن والماء والبيئة، على تأكيد أهمية هذا المشروع، باعتباره ضرورة وطنية، من أجل ضمان التزود بالطاقة الكهربائية، واكتفوا بإبداء ملاحظاتهم وتخوفاتهم على الجانب البيئي، مقترحين إمكانية وأهمية تغيير موقع مشروع المحطة الحرارية شمالا، في اتجاه المركبات الكيماوية، التابعة للمكتب الشريف للفوسفاط.