كالعادة، كانت قاعة الجلسات ممتلئة عن آخرها، لا تكاد تصل إلى الكراسي الخشبية إلا بصعوبة شديدة، تجلس النساء في الصفوف الأمامية ويجلس الرجال والشباب خلفهن مباشرة. حضور متنوع يتوزع بين مختلف الأعمار، حتى الأطفال حاضرون.
عيون مندهشة، وكأنها تحضر الجلسات لأول مرة، أعناق مشرئبة نحو منصة الحكم، الكل يترقب دخول هيئة الحكم في أي لحظة.
كان حضور الأمن لافتا في قاعة الجلسات، فهي الجلسة الرابعة التي ستنظر فيها هيئة المحكمة في ملف المرأة التي احتجزها زوجها لأزيد من عشر سنوات في منزل أسرته بمساعدة شقيقاته الأربع.
هؤلاء الشابات، وهن قريبات الضحية، وعددهن ثلاثة، من أعمار متقاربة، يجلسن خلف زوجة شقيقهن، ينظرن إلى الشقيقة الرابعة (في حالة اعتقال) رفقة شقيقهن زوج الضحية.
هذه الأخيرة، كانت تتخفى بين أفراد عائلتها، وكأنها تخاف من نظرات زوجها وشقيقته، الجالسين في المكان المخصص للمعتقلين، فيما تدمع عيناها من حين لآخر وتحاول في مرات كثيرة الخروج، وكأنها لا تتحمل أصوات المتقاضين والضجيج العالي في قاعة الجلسات.
في حدود الساعة الثانية بعد الظهر، دخلت هيئة الحكم، وبدأ القاضي في استعراض الملفات المعروضة أمامه. معتقلون في ريعان الشباب، متابعون بتهم مختلفة، تتوزع بين السرقة والسرقة بالخطف والتهديد وحيازة المخدرات والسكر العلني وتبادل الضرب والجرح والاتجار في الخمور والفساد...
كان القاضي يحاول أن يخفف من الضغط الحاصل في قاعة الجلسات، بالنظر في جميع الملفات وتأخيرها لوقت لاحق، بعد أن يمثل المتهم بين يديه ويوجه له بعض الأسئلة، ويعلمه بتاريخ النظر في قضيته بعد الموافقة على طلبه بتعيين محام للدفاع عنه أو لإحضار الشهود الذين طالب بالاستماع إليهم، خاصة أنه يعلم أن عائلات المعتقلين يغادرون القاعة بمجرد النظر في ملف ابنهم أو ابنتهم.
توقف رئيس الجلسة في استراحة امتدت لأزيد من نصف ساعة، غادر خلالها عدد من المتقاضين وحتى الفضوليين من الذين يستهويهم تتبع ملفات الجرائم داخل المحكمة، وكذا من جل المعتقلين، وظلت فقط الفتاة وشقيقها.
بدا على باقي شقيقات المتهم حالة من التوتر الشديد، تلجن قاعة الجلسات، وتخرجن منها مرات متوالية، تمسحن بأيديهن على وجوههن، وتنظرن إلى عائشة والمرافقين لها بامتعاض شديد.
سأل أحد رجال الأمن أصغر المتهمات وهي في حالة سراح، عن سبب توترها فقالت إنها لم تدق طعم الزاد ذلك اليوم، "راني عييت لا فطور لا غدا حاسة براسي غادي نطيح".
وبعد خمس دقائق، دخلت هيئة الحكم وممثل النيابة العامة وكاتب الجلسة، ونادى القاضي على المتهمين من عائلة واحدة، تقدم نحو منصة الحكم، رجل في الثلاثينات من العمر، اعتلت وجهه لحية سوداء بشكل عشوائي، كان يرتدي لباسا باليا عبارة عن قميص صوفي وسروال، وقف بشكل غير مستقيم أمام الهيئة، وكأنه لا يقوى على الوقوف، ووقفت إلى جانبه شقيقاته الأربع، ثم نادى القاضي على الضحية عائشة، فقامت من بين الحضور امرأة متوسطة الطول، بيضاء البشرة، ضعيفة البنية، ترتدي جلبابا تقليديا أسود اللون، وتضع منديلا أسود على رأسها. كانت شاردة وكأنها لا تعرف أين ستذهب، فأمسك دفاعها وأحد رجال الشرطة بها، وساعداها على الوقوف إلى جانب المتهمين، وبعد التحقق من هوياتهم جميعا، شرع القاضي في الاستماع إلى أقوالهم، أنكرت المتهمة الأولى في حالة اعتقال كل ما نسب إليها، وعندما بدأ القاضي في الاستماع إلى تصريحات زوج عائشة، وهو أيضا في حالة اعتقال، كان يتكلم بصوت خافت جدا، وأمره القاضي أن يرفع صوته لأنه لا يسمعه جيدا، لكنه ظل يتكلم بصوت خافت، ويفكر طويلا قبل أن يجيب بنعم أو لا.
أحس القاضي أن المتهم مرتبك وربما يخاف الحديث أمام شقيقاته، فأمرهن بالجلوس في آخر قاعة الجلسات، وترك زوجته عائشة إلى جانبه، وتوجه نحوه من جديد بالأسئلة.
القاضي: واش هادي مراتك
المتهم: اييه
القاضي: عمرك ضربتيها
المتهم: لا
القاضي: وشكون الي كان كيضربها وما تيخليهاش تخرج
المتهم: خواتاتي وامي الي كيضربوها ومتيخلوهاش تاكل معاهم
القاضي: واش كتنعس مع مراتك
المتهم: لا
القاضي: شحال هادي ما نعستيش معاها
المتهم: 7 شهور ملي تزادت البنت
القاضي: 7 شهور ما نعستيش مع مراتك واش هي مريضة
المتهم: لا انا الي مريض فيا الصدر وخواتاتي ما تيخليونيش ننعس معاها.
وبعد توجيه أسئلة كثيرة للمتهم أجاب عليها بصعوبة شديدة، بدأ القاضي في الاستماع إلى الضحية، فلم تكن أحسن حالا من زوجها، فهي أيضا تجيب بكلمات متقطعة ولا تتذكر كثيرا من الأمور التي مرت بها، حتى أنها لم تتذكر عدد السنوات التي قضتها وهي متزوجة، إذ أجابت القاضي قائلة "واقيلا 5 سنين"، مع العلم أنها متزوجة منذ 10 سنوات ولديها ثلاثة أطفال (ولدان بنت).
ودخل محامو الدفاع عن المتهمات والمطالب بالحق المدني في جدال حاد، ختمه القاضي بالاستماع إلى الكلمة الأخيرة للمتهمين وإحالة القضية على المداولة من أجل النطق بالحكم.